كانت يوم أن اشتدت الأزمة بين قريش وأبي طالب وأحس أبو طالب بضراوة المعركة فاستدعى الرسول ﷺ للمناقشة في هذا الأمر وذلك كما أورده ابن إسحاق في السيرة:
(ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا. وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين).
فالصورة الجديدة هنا تهديد بشن الحرب على أبي طالب إن استمر في حلفه وحمايته لابن أخيه. فأراد أبو طالب أن يحدد هذه الحماية بأن يكف محمد ﷺ عن شيء من دينه، فاستدعاه وقال له:
يا ابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا للذي كانوا قالوا له.
فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته، فقال رسول الله ﷺ:
يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته. ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال:
أقبل يا ابن أخي، فأقبل رسول الله ﷺ فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت. فوالله لا أسلمك لشيء أبدا (١).
_________________
(١) تهذيب السيرة لابن هشام ط - دار البحوث العلمية [ص:٥٨].
[ ١٤ ]
ونحن هنا أمام صيغة جديدة طلب فيها أبو طالب ربط حمايته للرسول ﷺ بتقييد حرية الدعوة أو التخلي عن شيء من هذا الدين. فرفض رسول الله ﷺ النصرة على هذا الأساس وتخلى عنها. وتراجع أبو طالب فوافق على الحماية والمنعة بدون قيد أو شرط.
ولا بد للإشارة أن هذا الأمر تم مع بقاء أبي طالب على شركه. ونفذ تعهده كاملا. قال مقاتل: كان رسول الله عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي سوءا فقال أبو طالب:
حين تروح الأبل فإن حنت ناقه إلى غير فصيلها دفعته إليكم، ثم قال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة (وابشر وقر بذاك عيونا)
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ورغم كفره فهو لم يباد الإسلام بسوء ووضع إمكانياته وثقله في جانب الإسلام.