كانت وفاة أبي طالب بعد نقض الصحيفة بستة أشهر. وقد قلبت وفاته الموازين كلها فكثير ممن كان يشارك في حمايته أو يمتنع عن إيذائه حرمة ومهابة لشخصه. فمع وفاته بدأ الاعتداء العنيف على النبي ﷺ وبدأت محاولات قتله.
[ ٢٦ ]
وكانت وفاة خديجة في العام نفسه، لذلك سمي العام العاشر من البعثة عام الحزن. وقد قال رسول الله ﷺ: (ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب).
ولم يكن بقدرة العباس ﵁ أن يفعل فعل أبي طالب، إذ ليس له من المهابة والطاعة والمكانة ما كان لأخيه. وفي لحظة عابرة تحركت النخوة في رأس عدو الله أبي لهب فقال لرسول الله ﷺ: اذهب يا ابن أخي، وما كنت تصنعه وأبو طالب حي فاصنعه.
وكان لهذا الموقف وقع الصاعقة على قريش فشرعت بذكائها لتدمير هذا الحلف، ونجحت أيما نجاح عندما أوعزت إلى أبي لهب أن يسأل رسول الله ﷺ عن عبد المطلب.
وكان رسول الله ﷺ بين أمرين، والموقف حرج جدا، فإما أن تستمر الحماية مقابل مهادنة بكلمة واحدة في دين الله ومساومة .. وإما أن تنهار الحماية كلها لو تحدث عن عبد المطلب بما لا يرضيهم. وما كان لرسول الله ﷺ أن يساوم على حساب العقيدة، ولو كان في ذلك حمايته ليبلغ هذه العقيدة فقال لعمه أبي لهب: هو في النار. فقال أبو لهب: ما زلت عدوا لك أبدا. وعاد فانضم إلى معسكر قريش.
وأمام هذا التطور انتهى النبي ﷺ إلى أن مكة لم تعد مكانا آمنا لتبليغ الدعوة. وبدأ يبحث عن مكان آخر. واختار ثقيفا في الطائف. وقد ذكر المقريزي أن ثقيفا كانوا أخواله. ولا ندري على أي شيء اعتمد في هذا.
وأقام رسول الله ﷺ بين أهل الطائف عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه. فقالوا: اخرج من بلادنا. وأغروا به سفهاءهم. فلما أراد الخروج تبعه سفهاؤهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به.
[ ٢٧ ]
حتى اجتمع عليه الناس فوقفوا له سماطين (أي صفين) وجعلوا يرمونه بالحجارة. ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه .. وكان هذا في شوال سنة عشر من النبوة (١).
عاد رسول الله ﷺ متجها إلى مكة. فقال له زيد بن حارثة وقد أقام بنخلة أياما: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ (يعني قريشا) قال: يا زيد، إن الله تعالى جاعل لما ترى فرجا ومخرجا. وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه.
وسار ﷺ حتى إذا دنا من مكة مكث بحراء، وبعث رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره. فقال: أنا حليف والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو. فقال سهيل: إن بني عامر لا تجير على بني كعب. فبعث إلى المطعم بن عدي: أأدخل في جوارك؟ قال: نعم. ثم تسلح ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا. ثم بعث إلي رسول الله ﷺ أن ادخل فدخل ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام. فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهيجه أحد منكم. وانتهى النبي ﷺ إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته ومطعم وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته.
وقيل: إن أبا جهل سأل مطعما: أمجير أنت أم متابع؟ قال: بل مجير. قال: قد أجرنا من أجرت.
_________________
(١) الرحيق المختوم للمباركفوري.
[ ٢٨ ]
ولنستعرض هؤلاء الثلاثة الذين استجارهم الرسول ﷺ.
ـ[أولهم]ـ: الأخنس بن شريق زعيم بني زهرة. وهؤلاء أخوال الرسول ﷺ. والأخنس حليف بني هاشم. ولا بد لمن يجير أن يكون أصلا لا تابعا حسب قوانين الإجارة المكية.
وـ[ثانيهم]ـ: سهيل بن عمرو، وقد رفض الإجارة لأن بني عامر لا تجير على بني كعب، فلعلها أدنى منها نسبا. فكان لا بد من العودة إلي بني عبد مناف، فكان اللجوء إلى ثالثهم المطعم. والمطعم ممن قام بنقض الصحيفة، وممن تحسن موقفه بعد تقريع أبي طالب له، وهو زعيم بني نوفل بن عبد مناف. وإنه وإن كان جزءا من حلف المطيبين، فهو على مستوى واحد مع بني هاشم وبني عبد شمس وبني هاشم وبني المطلب.
ولم تكن هذه الإجارة مع ذلك بالأمر السهل، فلقد تحسب لها المطعم على أنها قد تجر إلى معركة، فعبأ ولده وقومه، وحضروا بسلاحهم إلى الكعبة، وكانت تظاهرة مسلحة مثيرة، فرضت الرعب في صفوف قريش، واضطرت أبا جهل لقبولها.
وقد حفظ رسول الله ﷺ هذا الصنيع للمطعم بن عدي، وعرف مدى الخطورة التي عرض نفسه وولده وقومه لها من أجله، فقال عن أسارى بدر السبعين يوم أسرهم: لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له.
فرغم العداء الفكري فرسول الله ﷺ يفرق بين من يعادي هذه العقيدة ويحاربها، ومن يناصرها ويسالمها. إنهم وإن كانوا كفارا فليس من سمة النبوة أن تتنكر للجميل.
على أن هذا الحلف كان ضعيفا. لم تكن مهمته تحمل المسؤوليات الناجمة
[ ٢٩ ]
عن الدعوة لهذا الدين. إينما كان حماية مؤقتة. والمطعم بن عدي وقومه عاجزون عن تأمين الحماية التامة. والذي طلبه النبي ﷺ هو بالنص دخوله في جواره، لا ضمان حرية الدعوة له. أي حماية شخصه أكثر من حماية حرية الدعوة له.
من أجل هذا تابع النبي ﷺ بحثه عن مكان آمن للدعوة، وقبيلة ذات شكيمة قادرة على حمايته ليبلغ رسالة ربه. وكانت الفرصة موتية، فلقد أهل موسم العام العاشر للبعثة، وأزف شهر ذي الحجة، وابتدأت مرحلة التوجه إلى قبائل أخرى غير قريش وثقيف، تكون قادرة على حماية الرسول ﷺ حتى يبلغ رسالة الله.