وهو أقرب ما يكون لأن يمثل الحلف السياسي. فاليهود هنا تجمعات كبيرة احتاج إنهاؤهم عندما نقضوا العهد إلى حروب وحصار. لهم سلطانهم الخاص
[ ٩٦ ]
وأراضيهم وقلاعهم وبيوتهم ورغم أن البنود قصيرة جدا وهي تخصهم بالذات. إلا أن الأحكام العامة في الباب الرابع تكاد تتناولهم كذلك.
٤٢ - «وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» فهو نفس النص السابق من حيث النفقة للتجمعات الصغيرة.
٤٣ - «وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم» إذ رأينا من قبل أن التجمعات اليهودية الصغيرة تشارك بمقدار ما يلحقها في كيان قبيلتها العام. أما هنا فالتجمعات اليهودية الضخمة تشارك في النفقات بما يوازي نفقات المسلمين جميعا من قريش ويثرب. فعلى اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وهذا يقتضي على الأقل والحلفاء السياسيون للمسلمين اليوم أن يشاركوا بنصيبهم في المال: إن الأرض يوم تتحرر -بإذن الله- فسوف ينعم بها المسلمون وغير المسلمين، فليس من الحكمة أن تكون دماء المسلمين وأعراضهم وأرواحهم وأموالهم مستباحة مهدورة محكوم عليها بالإعدام، وأموال غيرهم وممتلكاتهم وأعراضهم مصونة. إن المبدأ الإسلامي العادل هو الغرم بالغنم. وإن كان الله تعالى قد حملنا نحن عبء التضحية والفداء والموت ليقيم دولة الإسلام، وقدمنا أرتال الشهداء والضحايا يعقب بعضها بعضا فهذا لا يعني أبدا الحلفاء والسياسيين من مسؤوليتهم المالية. فعليهم نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وليس هذا تفضلا منهم ولا كرما، بل هو واجب أصلي عليهم، حتمته مفاهيم الإسلام.
٤٤ - «وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة» وهذه هي حدود التحالف السياسي، فالتناصر قائم بين الفريقين على من حارب أهل هذه الصحيفة. وما يدفع الناس للتحالف إلا وقد نالهم المأثم ووقع بهم البلاء، وحرموا حرية الحياة وحرية الرأي، وحرية الكرامة. إنما يدفعهم للتحالف كراهتهم لهذا العدو المشترك الذي أهانهم وأذلهم. ولا أرى مندوحة
[ ٩٧ ]
من عقد هذه المقارنة البسيطة فلم يكن بين قريش واليهود أدنى ثارات أو دماء أو خلاف، لكنها حين تضطر لحرب محمد ﷺ فهي تهدد يثرب كلها. علما بأن قريشا ليست حريصة على حرب اليهود. ورأينا حلفها معها يوم قريظة. أما الوضع اليوم مع عدونا الكافر في سورية فما من فئة إلا وله معها ثارات ودماء. وهذا يعني أن الواجب يحتم على كل حليف بذل ماله، وبذل دمه كذلك حتى تزول الغمة. إننا نرحب بأن يتحرك الحلفاء ويبذلوا دماءهم دفاعا عن حقوقهم المهدورة، ولا نمنع أحدا من ذلك، لكنا لا نحول الحلف إلى حركة واحدة، ولا نعتبر من بذل قتيلا مثل من بذل جيشا، ولا من قدم مجموعة صغيرة مثل من حكم على كل فرد من أفراده بالإعدام، ولا كل من قدم تسهيلا لمجاهد مثل من قدم مئات الشهداء في مجزرة واحدة.
فالحكم للإسلام لأن الإسلام والمسلمين هم الذين يجاهدون، والمناصرة الجزئية من الفئات الأخرى جهد مشكور ينالون ثمرته أمنا وعدلا واستقلالا ذاتيا وبرا يرفع عنهم الحيف والظلم.
إننا لا بد أن نكون صريحين مع أعدائنا وأصدقائنا على السواء، ولم ننطلق في الأصل ونحن ننتظر عونا من قوى هذه الأرض بل انطلقنا على هدي رسول الله ﷺ. على حرب الأحمر والأسود من الناس. والله تعالى من عنده النصر، فلن نطلبه من غيره.
إنه ليس استطرادا مزاجيا بل هو قواعد مقررة. فحق التناصر قائم، والاستفادة من حرب الحليف للعدو قائم. وهذا ميثاقنا إمامنا وضعه رسول الله ﷺ ولم ينس حق اليهودي الضائع في قرية، ولا حق يهود المجتمعين في قبيلة. ولا حق اليهود القائمين في دولة. دون أن يفرضه عليه أحد إنما هو تنفيذ لتشريع الله. ومن أصدق من الله قيلا؟ والحركة السياسية المسلمة هي
[ ٩٨ ]
التي تكون قادرة بذكائها على أن تزج بطاقات حلفائها كلهم في المعركة طالما أن بينهم النصر على من حارب هذه الصحيفة.
٤٥ - «وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم» إنها المشاورات السياسية الدائمة والتخطيط الدائم والاستفادة من الطاقات، والثقة المتبادلة. فلا يمكن أن يتم تحالف بدون هذه الروح، وإلا فهو غدر وخيانة. وهذا يقتضي يقظة المفاوض الإسلامي وهو يفاوض هذا الحليف فيعرف مدى صدقه ومدى إخلاصه، ومدى جديته في هذا الأمر. وإلا فلا يستحق هذه التسمية. وهذا البند خط إسلامي أصيل في أي تفاوض أو محالفة سياسية.