وذلك أنه في مرجعه ﵇ من تبوك، بعث أبا بكر أميرا ليقيم الحج للناس، فخرج. ونزلت براءة فيمن نقض العهد العام، الذي بين النبي ﷺ، وبين المشركين، وبين
_________________
(١) انظر كتاب العلم باب ٢٥/ ج ١/ ٣٠.
(٢) رواه البخاري في كتاب المغازي باب ٧٧ ج ٥ ص ١٢٦.
[ ١ / ١٢٢ ]
قبائل من العرب على أمور مخصوصة، فلما نزلت براءة: إنكشفت فيها سرائر قوم كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، حتى كانت السورة تسمى المبعثرة، فبعث ﷺ بصدرها علي بن أبي طالب، وقال: أخرج بهذه القضية فأذن في الناس يوم النحر: إذا اجتمعوا بمنى إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته، فخرج على ناقته العضباء فلما أدرك أبا بكر بالطريق قال: أمير أو مأمور قال: مأمور ومضيا. فأقام أبو بكر الحج وقام علي يوم النحر بما أمر به، وأجّل الناس أربعة أشهر من يومئذ، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة؛ إلا من كان له عهد خاص إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف عريان، وكان العهد العام أن لا يصدّ أحد يريد البيت عنه ولا يخاف في الأشهر الحرم.
قال القاضي أبو بكر بن العربي عن بعض العلماء: إن النبي ﷺ إنما أرسل عليّا ببراءة لأنها تضمنت نقض العهد الذي كان عقده، فأراد قطع ألسنة العرب بأن يرسل ابن عمه من بيته لينقض العهد؛ حتى لا يبقى لهم متكلم. قال: وهذا بديع اهـ.
وحكي الإمام فخر الدين في تفسيره عن الجاحظ أنه قال في قوله ﵇: «لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي» «١»، لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر، وإنما عامل العرب بما يتعارفونه بينهم؛ أن السيد الكبير إذا عقد لقوم عهدا، فإنه لا يحل ذلك الأمر إلا رجل من أقاربه المقربين، كأخ أو عم. وقد كان أبو بكر الإمام والخطيب يومئذ، وعلي مؤتما به. انظر ما سيأتي في الكلام على المنادي.