قسم كتابه إلى أقسام عشرة، وجعل تحت كل قسم عدة أبواب، تحت غالب الأبواب عدة فصول، وتحت غالب الفصول عدة مسائل. قال هو عن كتابه: «طالعته وضمنته فوائدي في شرح جملة من الألفاظ اللغوية الواردة فيها، وضبطت ما أشكل فيها بالمواضع التي نقلت منها، جميع ما اشتمل عليه من كتب العلماء ﵏، ليقف عليها هنا من تطمح نفسه لذلك، فأبرأ من عهدة النقل وأسلم من تبعة النقد اهـ وقد زيّن له ﵀ التوسع في المواد اللغوية، وذكر النظير حذاء النظير، كأن كتبها كانت قليلة في زمانه، وتعمّد كثيرا من الاستطرادات والمتشابهات ومهما وقع له ذكر صحابي إلا وبسط ترجمته ونسبه، مقلدا صاحب الاستيعاب، مستوعبا ما عنده في ذلك الصحابي، ثم يفسّر غريب ما وقع في ذكر نسبه وترجمته على طريق الإسهاب. ومع أن موضوع كتابه العمالات والصناعات التي وجدت في زمانه ﵇، يأتي بذكر ما حدث بعده على عهد الخلفاء الراشدين.
ومن أمعن النظر في كتاب التخريج وتأمل في مضامنه بجدّ يتحقق أن كثيرا من التخاريج التي ذكرها إما تستند إلى ضعيف الأخبار أو متكلف الاستنتاج. ويظهر بتتبع الكتاب أيضا أن مؤلفه أبا الحسن ﵀ لم يكن عظيم المزاولة للصناعة الحديثية، فلذلك تراه يصدر الأحاديث غالبا بلفظ روي، وقد يستعمل ذلك ويطلقه حتى في أحاديث الصحيحين، مع أن روي إنما تستعمل في الأحاديث الضعيفة، كما لابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم ونبّه على ذلك المنذري في أول الترغيب والترهيب. كما لاحظت عليه أنه يعزو الحديث لمسلم كثيرا وهو في صحيح البخاري. والقاعدة عندهم أي علماء الحديث أنه لا يقدم أحد على البخاري في العزو، ويعزون الحديث للصحيحين إذا كان فيهما، ولكن يسوقون لفظه لمسلم لشدّة محافظته على الألفاظ النبوية. وإذا تعجلت الطلب للحقيقة فانظر إلى أول حديث صدّر به الخزاعي مطلقا، وذلك أنه لما صرح بأنه قدم كتابه لأمير وقته موسى المريني قال: جريا على العادة في إتحاف الخادم لمولاه القادم، وعملا على ما جاء عن النبي ﷺ من الحض على
[ ١ / ٤٥ ]
الهدية والأمر بها وأملا فيما أخبر به وخبره الحق ووعد الصدق من إنشاء المحبة بسببها قال ﷺ: تهادوا تحابوا وقال ﷺ: تهادوا تزدادوا حبا ذكره القاضي محمد بن سلامة في كتابه الشهاب، فرضاهم أعزهم الله غاية السول ونهاية المأمول الخ.
وهذا عجيب صدوره من مالكي ومحدث، فأما مالكي فلأن الحديث في الموطأ لإمامه بن أنس: في باب ما جاء في المهاجرة من جامع الموطأ «١» مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ: «تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء» . وأما محدث فلأن البخاريّ خرجه في كتاب الأدب المفرد، وأبو يعلى والنسائي في الكنى وابن عبد البر في التمهيد بإسناد حسن عن أبي هريرة وغيره، بلفظ: تهادوا تحابوا تهادوا تذهب الشحناء. وحديث مخرّج في كثير من السنن والمعاجم، كيف يعزوه للقضاعي في الشهاب؟ ويقول ذكره وقد أورده الأسيوطي في الجامع الصغير بلفظ: تهادوا تحابوا وعزاه لأبي يعلى عن أبي هريرة قال المناوي في شرحه الكبير: وظاهر صنيعه أنه لم يره مخرجا لأحد من الستة، وإلا لما عدل عنه وليس كذلك، فقد رواه النسائي في الكنى والبخاريّ في الأدب، قال الزين العراقي: والسند جيد. وقال ابن حجر: حسن. وقد أورده في جمع الجوامع بألفاظ منها: تهادوا تزدادوا حبا وهاجروا تورثوا لأبنائكم مجدا وأقيلوا الكرام عثراتهم، وعزاه للطبراني في الكبير، والعسكري في الأمثال عن عائشة وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر (غلّه وغشه) وعزاه لأحمد في مسنده، والترمذي عن أبي هريرة.
أخرجه الترمذي في كتابه: الولاء والهبة من طريق أبي معشر وقال: غريب، أبو معشر ضعيف. وقال البخاريّ: منكر الحديث. ثم أورد له هذا الخبر. وقال ابن حجر: في إسناده أبو معشر المدني تفرد به وهو ضعيف جدا، وأورده السيوطي أيضا بلفظ: تهادوا فإن الهدية تخرج الضغائن من القلوب، وعزاه للقضاعي أي في مسند الشهاب والخطيب عن عائشة، وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا فإن الهدية تضاعف الحب وتذهب بغوائل الصدر.
وعزاه للطبراني في الكبير وابن الضريس عن سمرة. وفي نسخة أخرى من الجامع عزوه لأبي نعيم في الحلية عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية. وأورده أيضا فيه بلفظ: تهادوا الطعام بينكم فإن ذلك توسعة لأرزاقكم في عجيل الخلف وجسيم الثواب يوم القيامة، وعزاه للديلمي عن ابن عباس وأورده في الجامع الصغير أيضا بهذا اللفظ، وعزاه لمن ذكر.
وزاد المناوي عزوه للديلمي في مسند الفردوس. وأورده في الصغير أيضا بلفظ: تهادوا تزدادوا حبا الخ. واقتصر على عزوه لابن عساكر عن عائشة قال المناوي في شرحه الكبير:
قال ابن حجر في إسناده نظر. وقضية صنيع المصنف أن هذا لم يره مخرجا لأحد من الذين
_________________
(١) رواه في كتاب حسن الخلق ص ٩٠٨/ ٢.
[ ١ / ٤٦ ]
وضع لهم الرموز، مع أن الطبراني خرّجه عن عائشة قال الهيثمي فيه المثنى أبو حاتم لم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات.
سبق عزو السيوطي له للطبراني في الكبير، فاقتصر في الصغير لأجل الاختصار، وأورده في الجامع الصغير بلفظ: تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة، (الحقد في النفس) .
ولو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت، وعزاه للبيهقي في الشعب. قال المناوي: من حديث محمد بن مندة عن بكر بن بكار عن عابد بن شريح عن أنس.
فتحصل أنه ورد عن جماعة من الصحابة عن أبي هريرة وعائشة وسمرة وأم حكيم الخزاعية وابن عباس وأنس مرفوعا، وعن عطاء مرسلا. أخرجه من طريقهم جماعة: مالك وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وابن عساكر في الأمثال، والقضاعي في مسند الشهاب، والخطيب وابن الضريس والديلمي في مسند الشهاب «١» والبيهقي في الشعب، وغيرهم فغافل الخزاعي عن كل هؤلاء المخرجين، واقتصر على قوله: ذكره القضاعي في الشهاب، مع أن الشهاب لا يعزى له، وإنما يعزون لمسنده؛ لأن الأول كتاب بلا إسناد ولكنّ الكمال لله سبحانه.