«في الصحيح عن أنس قال: مرّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: إتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي ﷺ، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى» «١» .
قلت: بالأفراد عند البخاري في الأحكام وله في الجنائز، فلم تجد عنده بوابين بالجمع، وفائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها: إنه رسول الله ﷺ إستشعرت خوفا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه كالملوك، له حاجب وبوّاب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته. كذا قال الطيبي.
أقول: يخطر بالبال أن مرادها لم تجد بوّابه في تلك الحالة حاضرا. فلا ينافي أنه كان له من يدخل الناس عليه ﵇ بدليل ما سبق في الآذان، وفي المواهب اللدنية: ومن تواضعه ﵇: أنه لم يكن له بواب راتب، ثم ذكر حديث المرأة المذكورة. قال الزرقاني: فلا ينافي وجود بوّاب أحيانا لأمر ما. ثم قال في المتن: لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابا للنبي ﷺ؛ لما جلس على القف بضم الفاء (الدكة تجعل
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الجنائز ج ٢ ص ٧٩.
[ ١ / ٩١ ]
حول البير، أو حافة البئر) وهي قصة بير أريس، فإن فيها كما في الصحيحين: فجلست عند الباب فقلت: لأكوننّ بواب رسول الله ﷺ اليوم. زاد البخاري في الأدب: ولم يأمرني.
الحديث في مجيء أبي بكر ثم عمر ثم عثمان واستيذانه عليهم، وقوله ﵇ في كل:
إفتح له وبشره بالجنة «١» . وفي رواية أبي عوانة: أملك على الباب فلا يدخل عليّ أحد. قال القسطلاني وجمع بين القصتين: بأنه كان ﵇ إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة. أي: وإذا اشتغل بأمر نفسه اتخذ بوابا. قاله الزرقاني.
وفي حديث عمر حين إستأذن له رباح الأسود حين آلى من نسائه شهرا كفاية اهـ وفي باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها من كتاب النكاح من فتح الباري على قول عمر فقلت لغلام له أسود: إستأذن على عمر فدخل الغلام، فكلم النبي ﷺ ثم رجع فقال: كلمات النبي ﷺ وذكرتك له فسكت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فقلت للغلام إستأذن لعمر فدخل ثم رجع فقال قد ذكرتك، فصمت فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت إستأذن لعمر فدخل ثم رجع إليّ فقال قد ذكرتك له فصمت فلما وليت منصرفا قال: إذا الغلام يدعوني فقال قد أذن لك رسول الله ﷺ فدخلت على رسول الله ﷺ «٢» . قال الحافظ على قوله:
فقلت لغلام له أسود وفي رواية عبيد بن حنين فإذا رسول الله ﷺ في مشربة يرقى عليها بعجلة وغلام لرسول الله ﷺ أسود على رأس العجلة، واسم هذا الغلام رباح بفتح الراء وتخفيف الموحدة، سماه ضحاك في روايته ولفظه: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ قاعدا على أسكفة المشربة مدلي رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقي عليه رسول الله ﷺ وينحدر وعرف بهذا تفسير العجلة المذكورة في رواية غيره والأسكفة في رواية: بضم الهمزة والكاف بينهما مهملة، ثم فاء مشددة وهي عتبة الباب السفلى وقوله:
على نقير بنون ثم قاف بوزن عظيم أي منقور ووقع في بعض روايات مسلم بفاء بدل النون وهو الذي جعلت فيه بين كالدرج اهـ.
ثم قال الحافظ آخر الترجمة وفيه: جواز إتخاذ الحاكم عند الخلوة بوابا يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، ويكون قول أنس الماضي في كتاب الجنائز، في المرأة التي وعظها رسول الله ﷺ فلم تعرفه، ثم جاءت إليه فلم تجد له بوابين، محمولا على الأوقات التي يحلس فيها للناس. قال المهلب: وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته، عند الأمر يطرقه من جهة أهله حتى يذهب غيظه، ويخرج إلى الناس وهو نشيط إليهم. فإن الكسير إذا إحتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذنه، ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر عظيم المنزلة عنده اهـ.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب الأدب ج ٧ ص ١٢٣، ج ٤ ص ٢٠١.
(٢) رواه البخاري مختصرا في كتاب تفسير القرآن سورة التحريم: ج ٦ ص ٧٠ بدون المقدمة.
[ ١ / ٩٢ ]
ثم قال الحافظ: وفيه أن الحاجب إذا علم منع الآذن بسكوت المحجوب لم يأذن، وفيه مشروعية الإستيذان على الإنسان وإن كان وحده لإحتمال أن يكون على حالة يكره الإطلاع عليها، وفيه جواز تكرار الإستيذان لمن لم يؤذن له إذا رجا حصول الإذن، وأن لا يتجاوز به ثلاث مرات كما سيأتي إيضاحه في كتاب الإستيذان في قصة أبي موسى مع عمر، ولا إستدراك على عمر في هذه القصة؛ لأن الذي وقع من الإذن له في المرة الثالثة وقع إتفاقا ولو لم يؤذن له فالذي يظهر أنه كان يعود إلى الإستيذان لأنه صرح كما سيأتي أنه لم يبلغه ذلك الحكم اهـ من الفتح.
وفي كتاب الأحكام من الفتح أيضا على قول البخاري باب ما ذكر أن النبي ﷺ لم يكن له بواب قال المهلب: لم يكن للنبي ﷺ بواب راتب، يعني: فلا يرد ما مضى في المناقب من حديث أبي موسى أنه كان بوابا للنبي ﷺ لما جلس على القف، قال: فالجمع بينهما أنه إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا إنفراد لشيء من أمره، أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه. وقال الطبري: دل حديث عمر حين إستأذن له الأسود أنه ﵇ كان في وقت خلوته يتخذ بوابا، ولولا ذلك لاستأذن عمر لنفسه اهـ انظر بقيته فيه.
تنبيه: لما قسم القرافي البدع إلى أقسام خمسة، وذكر القسم الثالث وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته قال: كإقامة صور للأيمة والقضاة وولاة الأمور؛ على خلاف ما كان عليه الصحابة، بسبب أن المقاصد الشرعية والمصالح لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمن الصحابة معظم تعظيمهم إنما هو بالدين، ومن سابق الهجرة حتى اختل النظام، وذهب ذلك القرن، وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور، فتعين تفخيم الصور كي تحصل المصالح، وكان عمر يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم، لعلمه أن الحالة التي هو عليها لو عملها غيره لهان في نفوس الناس، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام، ولذلك لما قدم الشام وجد معاوية قد اتخذ حاجبا واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية، وسلك ما سلكه الملوك، سأله عن ذلك فقال له: إنا في أرض ونحن فيها محتاجون لهذا، فقال: لا آمرك ولا أنهاك «١» . ومعناه: أنت اعلم بحالك هل محتاج إلى هذا فيكون حسنا أو غير محتاج إليه فلا يكون حسنا. فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأيمة وولاة الأمر تختلف باختلاف الأمصار، والأعصار والقرون والأحوال، فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديما، وربما وجبت في بعض الأحوال اهـ ونقله المنجور [كذا] في المنهج وأقره وزاد أن الأيمة في كلامه شمل الإمامة الكبرى والصغرى وهو حسن جدا.
_________________
(١) رحم الله عمر لو كان نهاه لكان منسجما مع قولته المعروفة: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. مصححه.
[ ١ / ٩٣ ]