ذكر من بعثه النبي ﷺ إلى الجهات يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين.
قلت: إستفتح الخزاعي فصل الفقه في الدين بفصول، أولها: في الحض على التفقه في الدين، صدّره بحديث معاوية: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين «١»، مقتصرا على عزوه لمسلم مع أنه في البخاري. وهذا معيب منه ﵀، لما تقرر أن الحديث إذا كان في البخاري لا يعزى إلى غيره، وثانيها: كيف كان الناس يسألون النبي ﷺ في أمور الدين، وثالثها: سؤال النساء. وهذه الفصول في نظري إستطرادية. ثم ترجم لمن بعثه النبي ﷺ مفقها في الدين فمنهم عنده: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف. في سيرة ابن إسحاق؛ لما انصرف النبي ﷺ من القوم الذين بايعوه في العقبة الأولى، قال: وهم إثنا عشر بعث معهم مصعبا، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان يسمى المقريء بالمدينة.
قلت: في الإستبصار لإبن قدامة المقدسي: لما قدم مصعب بن عمير المدينة نزل على أسعد بن زرارة فكان يطوف به على دور الأنصار، يقرئهم القرآن ويدعوهم إلى الله ﷿، فأسلم على يديهما جماعة؛ منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وغيرهما. اهـ
_________________
(١) الحديث المذكور رواه البخاري في موضعين في كتاب فرض الخمس ج ٤ ص ٤٩ وفي ج ٨ ص ١٤٩ كتاب الاعتصام بالسنة.
[ ١ / ١٠٤ ]
وفي التهذيب للنووي لدى ترجمة مصعب هذا: هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى، ليعلّم الناس القرآن ويصلي بهم، بعثه رسول الله ﷺ مع الإثنى عشر أهل العقبة الثانية، ليفقه أهل المدينة ويقرئهم القرآن، فنزل على أسعد بن زرارة اهـ «ومنهم معاذ بن جبل في الإكتفاء لأبي الربيع الكلاعي: إستخلف رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن» .
خرّجه ابن سعد في الطبقات عن مجاهد انظر ص ١٠٨ ج ٢ من القسم ٢.
قلت: «وفي الإستيعاب: بعثه النبي ﷺ قاضيا على الجند من اليمن، يعلّم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال، الذين باليمن عام فتح مكة، ومنهم؛ عمرو بن حزم الخزرجي النجاري؛ في الإستيعاب إستعمله النبي ﷺ على نجران ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن، ويأخذ صدقاتهم. وذلك سنة عشر بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد فأسلموا، وكتب له كتابا في الفرائض والسنن والصدقات والديات اهـ» .
قلت: يصح أن يستدرك هنا من المعلمين جماعة فمنهم: أبو عبيدة بن الجراح، أخرج أحمد في مسنده عن أنس قال: لما وفد أهل اليمن على رسول الله ﷺ قالوا: إبعث معنا رجلا يعلّمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: «هذا أمين هذه الأمة»، وسيّره «١» إلى الشام أميرا فكان فتح أكثر الشام على يده، ومنهم رافع بن مالك الأنصاري، ترجمه في الإصابة فذكر عن ابن إسحاق أنه: أول من قدم المدينة بسورة يوسف، وأن الزبير بن بكار روى في أخبار المدينة أن رافعا لما لقي المصطفى ﷺ بالعقبة، أعطاه ما أنزل إليه في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع إلى المدينة، ثم جمع قومه فقرأ عليه في موضعه قال: وعجب المصطفى ﷺ من إعتدال قلبه، ومنهم أسيد بن حضير ترجم في الإصابة لإبراهيم بن جابر فقال فيه: كان من جملة العبيد الذين نزلوا على النبي ﷺ أيام حصاره الطائف، فأعتقه وبعثه إلى أسيد بن حضير، وأمره أن يمونه ويعلمه. ذكره الواقدي واستدركه ابن فتحون.
وترجم في الإصابة أيضا للأزرق بن عقبة الثقفي، من عبيد الحارث بن كلدة الثقفي فذكر: أنه ممن نزل على النبي ﷺ في حصار الطائف، وأنه أسلم وأعتقه وسلمه لخالد بن سعيد بن العاصي ليمونه ويعلمه، ومنهم عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري قال في الإستبصار في أنساب الأنصار: إستعمله رسول الله ﷺ على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك سنة عشر اهـ.
أقول: يجب أن يذكر هنا من كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله ﷺ وهم ستة من
_________________
(١) الضمير في سيّره هو لعمر بن الخطاب والحديث في ج ٣ ص ٢٨٦ وفي طبعة المكتب الإسلامي ج ٣ ص ٣٦٢.
[ ١ / ١٠٥ ]
الأنصار عدّهم البيهقي هكذا: أبي بن كعب، زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ وأبو الدرداء وسعد بن عبادة، رواه الطبراني والبيهقي مقيدا بالأنصار فلا ينافي أنه حفظه كثيرون، وفي الصحيحين عن أنس أنه جمع القرآن أي حفظ جميعه على عهد رسول الله ﷺ أربعة كلهم من الأنصار: أبي ومعاذ وأبو زيد بن ثابت. قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومته.
أبو زيد المذكور هو قيس بن السكن يكنى أبا زيد كنيته غالبة عليه ولا عقب له، نبّه على ذلك الموفق بن قدامة في الإستبصار في أنساب الأنصار. وفي ترجمة ثابت بن زيد بن مالك الأنصاري من الإستبصار أيضا يروي عن يحيى بن معين أنه أبو زيد الذي جمع القرآن وغير ذلك أولى اهـ منه، وفي ترجمة حنظلة بن أبي عامر من الإستبصار أيضا. روى قتادة عن أنس قال: إفتخرت الأوس فقالوا: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب. ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت، ومنا من كانت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومنا من إهتز عرش الرحمن لموته سعد بن معاذ فقال الخزرجيون: منا أربعة قرؤا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لم يقرأه غيرهم، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد وأبو حنظلة اهـ.
قلت: ومراد من حصرهم في أربعة من حضر في ذهنه، فلا ينافي وجود غيرهم من حفظته، كأبي بكر، وفي الفجر الساطع لدى باب القراء من أصحاب رسول الله ﷺ قول أنس: لم يجمع القرآن غير أربعة أستشكل هذا فإنه قد جمعه سواهم، ذكر أبو عبيد منهم الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة الأربعة وغيرهم، وأجيب باحتمال: أن المراد لم يجمعه على جميع وجوهه من القراآت التي أنزل بها إلّا أولئك، وأن أنسا قاله بحسب ما وصل إليه علمه، وإن كان الواقع خلافه اهـ وفي فتح الباري: الذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياته ﵇، وقد صح حديث «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» «١»، وقد قدمه النبي ﷺ في مرضه إماما للمهاجرين والأنصار، فدل على أنه كان أقرأهم، وكسيدنا علي فإنه جمع القرآن على ترتيب النزول، عقب موت النبي ﷺ أخرجه ابن أبي داود «وانظر فتح الباري» .
وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي: أخرج الخطيب في التاريخ بسنده عن محمد بن عباد قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون اهـ. وهذا الحصر ممنوع؛ بل حفظه أيضا الصديق على الصحيح، وصرّح به جماعة منهم النووي في تهذيبه، وعليّ وورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي ﷺ.
وفي الرياض المستطابة: جمع القرآن حفظا على عهد رسول الله ﷺ عشرة: علي،
_________________
(١) أخرجه أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وأنس وعمرو بن سلمة انظر ج ٤ ص ١١٨ والمكتب الإسلامي ج ٤ ص ١٦٤.
[ ١ / ١٠٦ ]
وعثمان، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد الأنصاري، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وأبو أيوب اهـ.
ورأيت في ترجمة مجمع بن حارثة من طبقات ابن سعد ص ٣٤ ج ١: روى الكوفيون أنه جمع القرآن على عهد النبي ﷺ إلّا سورة أو سورتين منه. وفي ترجمته من الإستبصار قال ابن إسحاق: كان مجمع غلاما حدثا قد جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ اهـ.
وفي ترجمة شهاب القرشي مولاهم نزيل حمص من الإصابة روى ابن منده عن عبد الله بن زغب: كان شهاب القرشي أقرأه النبي ﷺ القرآن كله، فكان عامة الناس بحمص يقرأون منه. وانظر فتح الباري، وارشاد ابن غازي، والإتقان، وشرح المواهب ص ٣٦٦ من الجزء الثالث، وانظر شرح الراية للجعبري، وحاشية الشبراملسي على المواهب أيضا.
(عجيبة) وبعد أن أطال في الإتقان في هذه المسألة قال: فائدة: ظفرت بامرأة صحابية جمعت القرآن، لم يعدها أحد ممن تكلم على ذلك. فأخرج ابن سعد في الطبقات عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري وكان رسول الله ﷺ يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، إن رسول الله ﷺ حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وأمرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة؟ قال: إن الله عهد لك شهادة، وكان ﷺ أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن غلام لها وجارية كانت قد دبّرتها «١»، فقاتلاها في إمارة عمر. فقال عمر صدق رسول الله ﷺ. كان يقول: إنطلقوا بنا نزور الشهيدة.
وذكر السيوطي في الجمع نحو ما ذكر وعزاه لإبن راهواه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي. قال: وروى أبو داود بعضه اهـ.
قلت: ومن تأمل هذه الترجمة علم بالضرورة أن الصحابة لم يكونوا كلهم يعلمون جميع القرآن، وإنما غالبهم كان يعلم البعض دون البعض، وممن صرح بهذا القدر بعينه الاستاذ النابلسي، في شرح الطريقة المحمدية انظر ص ٢٥٣ جزء ١.