هكذا ترجم الأسيوطي [السيوطي] في حسن المحاضرة ص ١٠٨ من الجزء الثاني فذكر عن ابن سعد في الطبقات أن عمر بن الخطاب قال لسلمان: أملك أنا أم خليفة؟ فقال
_________________
(١) زنانة: اسم قبيلة بربرية معروفة.
[ ١ / ٨٥ ]
له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. فاستعبر عمر، وخرّج أيضا عن عمر قال: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم. قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقا. قال:
ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا فسكت عمر، وأما السلطان من حيث الإصطلاح فقال ابن فضل الله في المسالك: ذكر علي بن سعيد أن الإصطلاح أن لا تطلق هذه التسمية (السلطان) إلا على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك فيملك مثلا مصر وأهل الشام أو مثلا إفريقية والأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش كان أعظم في السلطنة، وجاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة ومثل خراسان وعراق العجم وفارس ومثل إفريقية والمغرب الأوسط والأندلس كان سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية اهـ انظر حسن المحاضرة وتاريخ القرماني ص ٢٢١.
«لطيفة» وفي مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية أن أبا جعفر المنصور أحضر ليلة عبد الله بن علي وصالح بن علي في نفر معهما فقال عبد الله بن علي يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن مروان لما هرب إلى بلاد النوبة «١» جرى بينه وبين ملكها كلام فيه أعجوبة سقط عني حفظه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يرسل إليه بحضرتنا، ويسأله عما ذهب عنا، وكان في الجيش. فأرسل إليه أبو جعفر فلما دخل قال له: أخبرني بحديثك وحديث ملك النوبة. قال: يا أمير المؤمنين هربت بمن تبعني بأثاث سلم لي إلى بلاد النوبة، فلما دخلت بلادهم فرشت تلك الأثاث، فجاء أهل النوبة ينظرون معجبين إلى أن بلغ الخبر إلى ملكهم فجاءني فلما وصل قعد على الأرض قال: إنكم تشربون الخمر وهو محرم عليكم، فقلت: عبيدنا وأتباعنا يفعلون ذلك بالجهل منهم. فقال: فلم تلبسون الديباج والحرير، وتتحلون الذهب وهو محرم عليكم؟ فقلت: زال عنا الملك وإنقطعت المادة واستنصرنا بقوم من الأعاجم كان هذا زيهم فكرهنا الخلاف عليهم، فأطرق يقلب يده ويقول: عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا. يكرر الكلام على نفسه. ثم نظر إليّ وقال: ليس ذلك كما تقول، ولكنكم قوم ملكتم فظلمتم، وتركتم ما به أمرتم، وركنتم إلى ما عنه نهيتم، فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أخاف أن تنزل بكم النقمة، وأنتم ببلدي فتصيا بني معكم، فارتحلوا عن جواري، فقام أبو جعفر وقيد من كلامه قال تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا
[الإسراء: ١٦] اهـ.
وقد ذكر القصة بمعناها أيضا المسعودي في مروج الذهب، ثم ابن خالدون في مقدمة
_________________
(١) بلاد النوبة هي في أقصى الصعيد المصري. مصححه.
[ ١ / ٨٦ ]
العبر، وانظر المسند الصحيح الحسن في ماثر أمير المؤمنين أبي الحسن، وإيضاح المراشد في أجوبة أبي راشد كلاهما للخطيب بن مرزوق، ومقدمة كتاب القضاء من شرح التقليد للماوردي المالكي؛ فإنه حرر مواضع الخلافة، وهذب طرقها وما يحتاج إليه من ذلك، وكتاب إمام الحرمين الجويني في الخلافة، الذي سماه غياث الأمم في التياث الظلم وهو عنده مرتب على ثلاثة أركان: الركن الأول في الإمامة وما يليق بها من الأبواب، والركن الثاني في تقدير خلوّ الزمان عن الأيمة وولاة الأمة والركن الثالث: في تعذير إنقراض حملة الشريعة جملة. صنفه لغياث الدولة وهو موجود بالمكتبة الخديوية بمصر، وانظر مقدمة كتاب: نصيحة الصفا في قواعد الخلفا لأبي العباس أحمد بن محمد بن يعقوب وهو مشتمل على أبواب خمسة: الأول في معنى الخلافة الثاني في حرزها الثالث في إستقرارها الرابع في كمالها وحربها الخامس في جعلها وسيلة للفوز بالخلافة الآخروية.
لطيفة أخرى: في ثمار القلوب للثعالبي: كان أبو الفتح البستي يستحسن قولي في كتاب المبهج: الملك خلافة عن الله في عباده وبلاده، ولن تستقيم خلافته مع مخالفته اهـ.
وفي ترجمة أبي عبد الله المقري التلمساني من تكملة الديباج عنه أنه قال: سألني بعض الفقراء عن سوء بخت المسلمين في ملوكهم؛ إذ لم يلهم من سلك بهم الجادة، بل من يغتر بدنياه غافل عن عقباه، لا يرقب في مؤمن إلا ذمة، فأجبته بأن الملك ليس في شرعنا، بل هو شرع من قبلنا قال تعالى ممتنا على بني إسرائيل: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا [المائدة: ٢٠] وقال: قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا [البقرة: ٢٤٧] وقال: وَهَبْ لِي مُلْكًا [ص: ٣٥] ولم يشرع لنا إلا الخلافة، فأبو بكر خليفته ﵇، كما فهم الناس عنه. وأجمعوا عليه، واستخلف عمر؛ فخرج عن طريق الملك الذي يرثه ولد عن والد، إلى الخلافة التي هي النظر والإختيار. ثم اتفق أهل الشورى على عثمان، وأخرجها عمر عن بنيه؛ لأنها ليست ملكا. ثم تعين علي بعد إذ لم يبق مثله، فبايعه من آثر الحق على الهوى، والآخرة على الدنيا، ثم الحسن كذلك، ثم كان معاوية أولّ من حوّلها ملكا.
والخشونة لينا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٠] فصارت ميراثا. ثم لما خرجت عن وصفها لم تستقم ملكا.
وكان عمر بن عبد العزيز خليفة لأن سليمان آثر حق المسلمين، فرغب عن بني أبيه، وعلم اجتماع الناس إليه فلم يسلك طريق الإستقامة إلا خليفة، وأما الملوك فكما ذكرت إلا من قل، وغالب حاله غير مرضي اهـ.
قال الحافظ في أول كتاب الأحكام من الفتح: ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية؛ لما قال له: أليس الله أمركم أن تطيعوني. في قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] فقال له: أليس قد نزعت عنكم يعني الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [النساء: ٥٩]
[ ١ / ٨٧ ]
قال الطيبي أعاد الفعل في قوله: أطيعوا الرسول إشارة إلى إستقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته ثم بين ذلك بقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ كأنه قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله اهـ.