«ذكر علي بن سعد الخولاني القيرواني في كتابه في التعبير: أن رسول الله ﷺ قال:
أعبر أمتي للرؤيا أبو بكر، وأسماء بنت عميس. وفي الصحيحين: ذكر مراءي تقدم أبو بكر لتعبيرها، ثم سأل رسول الله ﷺ عن تعبيره فقال له: أصبت بعضا وأخطأت بعضا «١»» .
وقد رأى ﵇ مرة رؤيا قال عنها: رأيت أني لقمت لقمة من حيس «٢» فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها، فأدخل علي يده فنزعه، فقال أبو بكر: يا رسول الله هذه سرية من سراياك يأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله. فكانت سرية خالد إلى تهامة ووقع ما لم يرضه ﵇،
_________________
(١) انظر صحيح البخاري ج ٨ كتاب التعبير باب ٤٧ ص ٨٣- ٨٤.
(٢) هو التمر ينزع منه النوى ويقلى بالسمن ومنه البيت الطريف التالي: وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ومعناه: إذا أمر صعب قالوا لي تعال يا فلان. وأما إذا صنعوا الحيس فيدعى غيري.
[ ١ / ١١٤ ]
فبعث عليا. قال ابن باديس: أمر النبي ﷺ على تعبير الرؤيا أبا بكر، وظاهره أنه أقدم على تعبيرها مبادئا، ولم يسأله النبي ﷺ عن ذلك. وفيه جواز مثل ذلك عند العالم ممن هو دونه، لأن أهل الإمداد والوصول إلى الفوائد إنما هو بوساطة ذلك العالم وتعليمه، وما أناله الله على يده صلوات الله وسلامه عليه اهـ.
وفي ترجمة أبي بكر من تاريخ الخلفاء للسيوطي: وكان الصديق غاية في علم تعبير الرؤيا، وكان يعبر الرؤيا في زمن النبي ﷺ. وقد قال محمد بن سيرين، وهو المقدم في هذا العلم بالإتفاق: كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي ﷺ أخرجه ابن سعد.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ:
أمرت أن أولي الرؤيا أبا بكر اهـ.
وترجم في الإصابة لأسماء بنت أبي بكر فقال: كان عمر يسألها عن تعبير الرؤيا، ونقل عنها أشياء من ذلك ومن غيره اهـ وقال القسطلاني على باب غسل الدم من الصحيح في حق أسماء: كانت عارفة بتعبير الرؤيا حتى قيل أخذ ابن سيرين التعبير عن ابن المسيب، وأخذه ابن المسيب عن أسماء، وأخذته أسماء عن أبيها اهـ وأصله في طبقات ابن سعد عن الواقدي.
وللحسين الخلال الحافظ كتاب طبقات المعبرين: ذكر فيه خمسة الاف وخمسمائة معبر من المشاهير، الذين ضربوا في هذا العلم، وأخذوا منه بقسم، وجعلها خمسة عشر قسما:
الأول من الأنبياء والثاني: من الصحابة والثالث من التابعين والرابع من الفقهاء والخامس من المذكرين الوعاظ والسادس من المؤلفين انظر كشف الظنون.
وفي الرسالة: ولا ينبغي أن يعبر الرؤيا من لا علم له بها. قال التادلي: إلا إذا كان عالما بأصول التفسير، وهي الكتاب والسنة، وكلام العرب وأشعارها، وأمثالها، وكان له فضل وصلاح وفراسة، ولا يعبرها بالنظر في كتب العبارات، ويعني بذلك على جهة التقليد لذلك: فإن ذلك لا يجوز لأنها تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال.
قال الفاكهاني: ولا ينبغي على التحريم لأنه يكون كاذبا أو مخمنا قال تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] اهـ من ابن ناجي عليها «١» .
وفي شرح أقرب المسالك للدردير: والعلم بتعبير الرؤيا ليس من كتب، كما يقع للناس من التعبير من ابن سيرين فيحرم تعبيرها بما فيه، بل يكون بفهم الأحوال والأوقات وفراسة علم بالمعاني اهـ.
_________________
(١) كذا في الأصل. ولعل في الكلام تصحيف أو نقص.
[ ١ / ١١٥ ]
ومن شرح الشيخ زروق على الرسالة: قيل لمالك: أيعبر الرؤيا من لا علم له بها؟
قال: أبالنبوة يلعب؟ وقال جسوس: أي لأن النبي ﷺ جعل الرؤيا جزآ من أجزاء النبوة.
وقد أخذ ﷺ الحكم من مرائي أصحابه، كما في رؤيا الأذان، ورؤيا ليلة القدر. وكل ذلك بناء على أنها وحي، كما أشار إليه القرطبي. ونقله الآبي اهـ.
وقال الشيخ أبو يحيى التازي عليها فإن قيل: فالذي ينظر في الفروع التي وضعها من ألف في تعبير المنام كعلي بن أبي طالب القيرواني وغيره، فيجد نص من رأى والجواب عليه. قيل: هذا كالمقلد في الفروع، ينظر نص المسألة وجوابها. وقد يغلط في التنظير اهـ انظر فيه بقيته.
تنبيه: الكتب المنسوبة إلى ابن سيرين في علم تعبير الرؤيا من أهجن ما كذب على السلف، ولا يتصور من التابعين أن يكون هذا أول ما ألفوا فيه من أبواب العلم، والتصنيف إنما شاع بعد ذلك والله أعلم وقال الشهاب المرجاني في وفية الأسلاف ص ٢٩٨: ألف فيه أي علم التعبير إبراهيم بن عبد الله الكرماني، ثم صنف فيه علماء الإسلام وأكثروا، ونسب الغالب منها في زماننا هذا إلى ابن سيرين، يقولون: ذكر فيه لما أن المذكور فيه هو قوله، والذاكر هو المصنف لذلك الكتاب لا ابن سيرين، كما يقال: ذكر محمد في نوادر هشام، والشافعي في البويطي، لما أنا المذكور فيه هو قول محمد أو الشافعي. والذاكر هو هشام أو البويطي من هذا القبيل.
وفي الطرق الحكمية لابن القيم ص ٢٥٦ لما تكلم على الذين أنكروا من السلف التدوين ما نصه: وكان ابن سيرين وأصحابه لا يكتبون الحديث فكيف بالرؤيا اهـ وانظر ترجمته من طبقات ابن سعد، فإذا كان ابن سيرين لا يرى كتابة الحديث فكيف يدون تعبير الرؤيا، إن هذا إلّا حلم يحتاج إلى مؤولين ولسنا بتأويل الأحلام بعالمين.
ثم وجدت المسند الشمس ابن سليمان الرداني ذكره في حرف العين من: صلة الخلف بموصول السلف تحت عنوان «كتاب عبارة الرؤيا لأبي بكر محمد بن سيرين المعبر» قال في جزءين. وذكر أنه يرويه الفخر ابن البخاري عن أبي الفتح محمد الميداني عن هبة الله بن محمد بن الحصين، عن علي بن المحسن التنوخي، عن إبراهيم بن أحمد الطبري، عن محمد بن موسى الأنصاري، عن أحمد بن حمدية الزاهد عن محمود بن محمد الحلبي، عن مخلد بن عبد الواحد المعبر عن هشام عنه، وعلى كل حال؛ فالأمر موقوف على معرفة هشام الراوي عن ابن سيرين. وهل ابن سيرين المعلوم هو المعني عنده بأبي بكر المعبر أو غيره. فتأمل ذلك.
ووجه ذكر هذا الترجمة تلو باب المفتي، أن التعبير من باب الفتيا وكذلك سماه تعالى في قصة ملك مصر، فقال تعالى يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] اهـ.
[ ١ / ١١٦ ]
وقد قال الراغب الأصبهاني في الذريعة: ومن علم الفراسة علم الرؤيا، وقد عظم الله أمرها في جميع الكتب المنزلة. والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم يكن لها حقيقة لم يكن لإيجاد هذه القوى في الإنسان فائدة والله يتعالى عن الباطل. وهي ضربان: ضرب وهو الأكثر أضغاث أحلام، وأحاديث النفس بالخواطر الردية، لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج لا يقبل صورة. وضرب هو الأقل صحيح، وذلك قسمان: قسم لا يحتاج إلى تأويل، ولذلك يحتاج المعبر إلى مهارة يفرق بين الأضغاث وغيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا تصح له رؤيا، وفيهم من تصح رؤياه، ثم من صح له ذلك؛ منهم من يرشح أن يلقي إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك. ولهذا قال اليونانيون: يجب أن يشتغل المعبر بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام، وذلك لأن له حظا من النبوّة انظر بقيته فيه وانظر مقدمة العبر لإبن خالدون.