الحدود - القصاص والدية - التعازير
٥١ - تنقسم الجرائم بحسب جسامة العقوبة المقررة عليها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: جرائم الحدود: وهي جرائم المعاقب عليها بحد. والحد
[ ١ / ٧٨ ]
هو العقوبة المقدرة حقًا لله تعالى (١)، ومعنى العقوبة المقدرة أنها محددة معينة فليس لها حد أدنى ولا حد أعلى، ومعنى أنها حق لله أنها لا تقبل الإسقاط لا من الأفراد ولا من الجماعة.
وتعتبر العقوبة حقًا لله في الشريعة كلما استوجبتها المصلحة العامة، وهي دفع الفساد عن الناس وتحقيق الصيانة والسلامة لهم، وكل جريمة يرجع فسادها إلى العامة، وتعود منفعة عقوبتها عليهم، تعتبر العقوبة المقررة عليها حقًا لله تعالى؛ تأكيدًا لتحصيل المنفعة، وتحقيقًا لدفع الفساد والمضرة، إذ اعتبار العقوبة حقًا لله تؤدي إلى عدم إسقاط العقوبة بإسقاط الأفراد أو الجماعة لها.
وجرائم الحدود معينة ومحدودة العدد، وهي سبع جرائم:
(١) الزنا (٢) القذف (٣) الشرب (٤) السرقة (٥) الحرابة (٦) الردة (٧) البغي.
ويسميها الفقهاء "الحدود" دون إضافة اللفظ جرائم إليها، وعقوباتها تسمى الحدود أيضًا ولكنها تميز بالجريمة التي فرضت عليها فيقال: حد السرقة، حد الشرب، ويقصد من ذلك عقوبة السرقة وعقوبة الشرب.
القسم الثاني: جرائم القصاص والدية: وهي الجرائم التعاقب عليها بقصاص أو دية، وكل من القصاص والدية عقوبة مقدرة حقًا للأفراد، ومعنى أنها مقدرة أنها ذات حد واحد، فليس لها حد أعلى وحد أدنى تتراوح بينهما، ومعنى أنها حق للأفراد أن للمجني عليه أن يعفو عنها إذا شاء، فإذا عفا أسقط العفو العقوبة المعفو عنها.
وجرائم القصاص والدية خمس:
(١) القتل العمد (٢) القتل شبه العمد (٣) القتل الخطأ (٤) الجناية على ما دون النفس عمدًا (٥) الجناية على ما دون النفس خطأ.
ومعنى الجناية على ما دون النفس: الاعتداء الذي لا يؤدي للموت كالجرح والضرب.
_________________
(١) فتح القدير ج٤ ص١١٢، ١١٣، الإقناع ج٤ ص٢٤٤، الأحكام السلطانية ص١٩٢، ١٩٥، بدائع الصنائع ج٧ ص٣٣، ٥٦
[ ١ / ٧٩ ]
ويتكلم الفقهاء عن هذا القسم عادة تحت عنوان الجنايات، متأثرين في ذلك بما تعارفوا عليه من إطلاق لفظ الجناية على هذه الأفعال (١)، ولكن بعض الفقهاء يتكلمون عن هذا القسم تحت عنوان الجراح (٢) ناظرين إلى أن الجراحة هي أكثر طرق الاعتداء، كما أن بعض الفقهاء يؤثرون لفظ الدماء (٣) عنوانًا لهذا القسم.
القسم الثالث: جرائم التعازير: هي الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبة أو أكثر من عقوبات التعزير، ومعنى التعزير التأديب، وقد جرت الشريعة على عدم تحديد عقوبة كل جريمة تعزيرية، واكتفت بتقرير مجموعة من العقوبات لهذه الجرائم تبدأ بأخف العقوبات وتنتهي بأشدها، وتركت للقاضي أن يختار العقوبة أو العقوبات في كل جريمة بما يلائم ظروف الجريمة وظروف المجرم، فالعقوبات في الجرائم التعزير غير مقدرة.
وجرائم التعزير غير محدودة كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص
والدية، وليس في الإمكان تحديدها. وقد نصت الشريعة على بعضها وهو ما يعتبر جريمة في كل وقت كالربا وخيانة الأمانة والسب والرشوة، وتركت لأولي الأمر النص على بعضها الآخر، وهو القسم الأكبر من الجرائم التعازير، ولكن الشريعة لم تترك لأولي الأمر الحرية في النص على هذه الجرائم بل أوجبت أن يكون التحريم بحسب ما تقتضيه حال الجماعة وتنظيمها والدفاع عن مصالحها ونظامها العام، وأن لا يكون مخالفًا لنصوص الشريعة ومبادئها العامة.
_________________
(١) بدائع الصنائع ج٧ ص٢٣٣، الإقناع ج٤ ص١٦٢، البجيرمي على المنهج ج٤ ص١٢٩.
(٢) تحفة المحتاج ج٤ ص١، المغني ج٩ ص٣١٨.
(٣) مواهب الجليل للحطاب ج٦ ص٢٣٠
[ ١ / ٨٠ ]
وقد قصدت الشريعة من إعطاء أولي الأمر حق التشريع في هذه الحدود تمكينهم من تنظيم الجماعة وتوجيهها الوجهات الصحيحة، وتمكينهم من المحافظة على مصالح الجماعة والدفاع عنها ومعالجة الظروف الطارئة.
والفرق بين الجريمة التي نصت عليها الشريعة والعمل الذي يحرمه أولو الأمر: أن ما نصت عليه الشريعة محرم دائمًا فلا يصح أن يعتبر فعلًا مباحًا، أما ما يحرمه أولو الأمر اليوم فيجوز أن يباح غدًا إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة.
٥٢ - أهمية هذا التقسيم: تظهر أهمية تقسيم الجرائم إلى حدود، وقصاص أو دية، وتعازير، من عدة وجوه سنبينها فيما يلي:
أولًا: من حيث العفو: جرائم الحدود لا يجوز فيها العفو مطلقًا، سواء من المجني عليه أو ولي الأمر أي الرئيس الأعلى للدولة، فإذا عفا أحدهما كان عفوه لغوًا لا أثر له على الجريمة ولا على العقوبة.
أما في جرائم القصاص فالعفو جائز من المجني عليه، فإذا عفا ترتب على العفو أثره، فللمجني عليه أن يعفو عن القصاص مقابل الدية، وله أن يعفو عن الدية أيضًا، فإذا عفا عن أحدهما أعفى منه الجاني. وليس لرئيس الدولة الأعلى أن يعفو عن العقوبة في جرائم القصاص بصفته هذه، لأن العفو عن هذا النوع من الجرائم مقرر للمجني عليه أو وليه، لكن إذا كان المجني عليه قاصرًا ولم يكن له أولياء كان الرئيس الأعلى للدولة وليه، إذ القاعدة الشرعية أن السلطان ولي من لا ولي له، وفي هذه الحالة يجوز لرئيس الدولة العفو بصفته ولي المجني عليه، لا بأي صفة أخرى، وبشرط ألا يكون العفو مجانًا.
وفي جرائم التعازير لولي الأمر - أي رئيس الدولة الأعلى - حق العفو عن الجريمة، وحق العفو عن العقوبة، فإذا عفا كان لعفوه أثره بشرط أن لا يمس عفوه حقوق المجني عليه الشخصية. وليس للمجني عليه أن يعفو في التعازير إلا عما يمس حقوقه الشخصية المحضة. ولما كانت الجرائم تمس الجماعة فإن عفو المجني
[ ١ / ٨١ ]
عليه من العقوبة أو الجريمة لا يكون نافذًا وإن أدى في الواقع إلى تخفيف العقوبة على الجاني، لأن للقاضي سلطة واسعة في جرائم التعازير من حيث تقدير الظروف المخففة، وتخفيف العقوبة.
ولا شك أن عفو المجني عليه يعتبر ظرفًا مخففًا.
ثانيًا: من حيث سلطة القاضي: في جرائم الحدود إذا ثبتت الجريمة وجب على القاضي أن يحكم بعقوبتها المقررة لا ينقص منها شيئًا ولا يزيد عليها شيئًا، وليس له أن يستبدل بالعقوبة المقررة عقوبة أخرى، ولا أن يوقف تنفيذ العقوبة، فسلطة القاضي في جرائم الحدود قاصرة على النطق بالعقوبة المقررة للجريمة.
وفي جرائم القصاص سلطة القاضي قاصرة على توقيع العقوبة المقررة إذا كانت الجريمة ثابتة قبل الجاني، فإذا كانت العقوبة القصاص وعفا المجني عليه عن القصاص أو تعذر الحكم به لسبب شرعي وجب على القاضي أن يحكم بالدية ما لم يعف المجني عليه عنها؛ فإذا عفا كان على القاضي أن يحكم بعقوبة تعزير.
وله في التعازير - كما سنبين - سلطة واسعة.
أما جرائم التعازير فللقاضي فيها سلطة واسعة في اختيار نوع العقوبة ومقدارها، فله أن يختار عقوبة شديدة أو خفيفة بحسب ظروف الجريمة والمجرم، وله أن ينزل بالعقوبة إلى أدنى درجاتها، وله أن يرتفع بها إلى حدها الأقصى، وله أن يأمر بتنفيذ العقوبة أو إيقاف تنفيذها.
ثالثًا: من حيث قبول الظروف المخففة: ليس للظروف المخففة أي أثر على جرائم الحدود والقصاص والدية، فالعقوبة المقررة لازمة مهما كانت ظروف الجاني. أما في جرائم التعازير فللظروف المخففة أثرها على نوع العقوبة ومقدارها، فللقاضي أن يختار عقوبة خفيفة، وأن ينزل بها إلى أدنى حدودها، وله أن يوقف تنفيذها.
رابعًا: من حيث إثبات الجريمة: تشترط الشريعة لإثبات جرائم الحدود
[ ١ / ٨٢ ]
والقصاص عددًا معينًا من الشهود، إذا لم يكن دليل إلا الشهادة، فجريمة الزنا لا تثبت إلا بشهادة أربعة شهود يشهدون الجريمة وقت وقوعها، وبقية جرائم الحدود والقصاص لا تثبت إلا بشهادة شاهدين على الأقل.
أما جرائم التعازير فتثبت بشهادة شاهد واحد.
ولا تعرف القوانين الوضعية هذا التقسيم، وإنما هي تقسم الجرائم غالبًا إلى جنايات وجنح ومخالفات.
* * *