التطبيب
٣٦٢ - إباحة التطبيب: من المتفق عليه في الشريعة أن تعلم فن الطب فرض من فروض الكفاية، وأنه واجب حتمًا على كل شخص لا يسقط عنه إلا إذا قام به غيره، وقد اعتبر تعلم الطب فرضًا لحاجة الجماعة للتطبيب، ولأنه ضرورة اجتماعية، وإذا كان الغرض من تعلم الطب هي التطبيب وكان تعلم الطب واجبًا فيترتب على هذا أن يكون التطبيب واجبًا على الطبيب لا مفر له من أدائه، على أن التطبيب يعتبر واجبًا كفائيًا كلما أكثر من طبيب في بلدة واحدة، فإذا لم يوجد إلا واحد فالتطبيب فرض عين عليه؛ أي أنه واجب غير قابل للسقوط.
والنتيجة البديهية لاعتبار التطبيب واجبًا أن لا يكون الطبيب مسئولًا عما يؤدي إليه عمله قيامًا بواجب التطبيب؛ لأن القاعدة أن الواجب لا يقيد بشرط السلامة، لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده ولاجتهاده العلمي والعملي، فقد دعا ذلك إلى البحث فيما إذا كان يسأل جنائيًا عن نتائج عمله إذا أدى إلى نتائج ضارة بالمريض باعتبار أنه حين يؤدي واجب
[ ١ / ٥٢٠ ]
التطبيب أشبه بصاحب الحق منه بمؤدي الواجب لما له من السلطان الواسع وحرية الاختيار في الطريقة والكيفية التي يؤدي بها عمله.
وقد اجتمع الفقهاء على عدم مسئولية الطبيب إذا أدى عمله إلى نتائج ضارة بالمريض، ولكنهم اختلفوا في تعليل رفع المسئولية، فأبو حنيفة يرى أن المسئولية ترتفع لسببين: أولهما الضرورة الاجتماعية إذ الحاجة ماسة إلى عمل الطبيب وهذا يقتضي تشجيعه وإباحة العمل له ورفع المسئولية عنه حتى لا يحمله الخوف من المسئولية الجنائية أو المدنية على عدم مباشرة فنه، وفي هذا ضرر عظيم بالجماعة. ثانيهما: إذن المجني عليه أو وليه، فاجتماع الإذن مع الضرورة الاجتماعية أدى لرفع المسئولية (١) .
ويرى الشافعي أن علة رفع المسئولية عن الطبيب أنه يأتي فعله بإذن المجني عليه وأنه يقصد صلاح المفعول ولا يقصد الإضرار به، فإذا اجتمع هذان الشرطان كان العمل مباحًا للطبيب وانتفت مسئوليته عن العمل إذا كان ما فعله موافقًا لما يقول به أهل العلم بصناعة الطب (٢) . ويتفق رأي أحمد مع رأي الشافعي (٣) .
أما مالك فيرى أن سبب رفع المسئولية هو إذن الحاكم أولًا وإذن المريض ثانيًا، فإذن الحاكم يبيح للطبيب الاشتغال بالتطبيب، وإذن المريض يبيح للطبيب أن يفعل بالمريض ما يرى في صلاحه، فإذا اجتمع هذان الإذنان فلا مسئولية على الطبيب ما لم يخالف أصول الفن أو يخطئ في فعله (٤) .
وعلى هذا فالطبيب غير مسئول عن عمله؛ لأن من واجبه أن يؤديه، ولا يسأل عن نتائج عمله ولو أن له حرية كاملة في اختيار هذا العمل وفي اختيار الطريقة التي
_________________
(١) بدائع الصنائع ج٧ ص٣٠٥.
(٢) نهاية المجتاج ج٨ ص٢.
(٣) المغني ج١٠ ص٣٤٩، ٣٥٠.
(٤) مواهب الجليل ج٦ ص٣٢١.
[ ١ / ٥٢١ ]
يؤدي بها هذا العمل، ولو جرح الطبيب شخصًا فمات، أو أعطاه دواء فأحدث له تسممًا أدى إلى موته، فلا مسئولية على الطبيب من الناحية الجنائية والمدنية.
٣٦٣ - حسن النية: والمفروض في الطبيب أنه يؤدي عمله بقصد نفع المريض وبحسن نية، فإذا قصد قتل المريض أو كان سيئ النية في عمله فهو مسئول عن فعله جنائيًا ومدنيًا، ولو لم يؤد فعله إلى الوفاة أو إحداث عاهة، بل ولو أدى فعله إلى إصلاح المريض؛ لأن فعل الطبيب في هذه الحالة يقع فعلًا محرمًا معاقبًا عليه.
٣٦٤ - خطأ الطبيب: إذا اخطأ الطبيب في عمله فإنه لا يسأل عن خطئه إلا إذا كان خطأ فاحشًا، والخطأ الفاحش هو ما لا تقره أصول فن الطب ولا يقره أهل العمل بفن الطب، ويضرب الفقهاء مثلًا على الخطأ غير الفاحش قصة صبية سقطت من سطح فانتفخ رأسها فقال كثير من الجراحين إن شققتم رأسها تموت، وقال واحد منهم إن لم تشقوه اليوم تموت وأنا أشقه وأبريها، فشقه فماتت بعد يوم أو يومين، ولما سؤل في ذلك أحد الفقهاء المشهورين أفتى بأنه ما دام الشق بإذن وما دام الشق معتادًا ولم يكن فاحشًا خارج الرسم؛ أي لم يكن هناك خروج فاحش على القواعد الفنية المرسومة لهذا الشق، فإن الطبيب لا يضمن؛ أي لا يسأل جنائيًا ولا مدنيًا، فقيل له: فإن قال الطبيب إن ماتت فأنا ضامن هل يضمن؟ فقال: إنه لا يضمن؛ أن ضمان الطبيب يترتب على خطئه الفاحش لا على تعهده بنجاح العملية (١) .
٣٦٥ - إذن المريض: ويشترط لرفع المسئولية عن الطبيب أن يأتي الفعل بإذن المريض أو بإذن وليه أو وصيه، فإن لم يكن للمريض ولي أو وصي
_________________
(١) حاشية الطهطاوي ج٤ ص٢٧٦.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وجب إذن الحاكم باعتباره ولي من لا ولي له، وإذن الحاكم في إجراء جراحة لمريض لا ولي له يختلف عن إذن الحاكم للطبيب في مباشرة التطبيب بصفة عامة.
٣٦٦ - إذن ولي الأمر: وليس في الشريعة ما يمنع ولي الأمر من أن يشترط في الطبيب أن يكون على درجة معينة من العلم، وأن تتوفر فيه مؤهلات خاصة، وأن لا يباشر التطبيب إلا إذا رخص له ولي الأمر بمباشرته، وقد جعل مالك إذن الحاكم في التطبيب شرطًا في انتفاء المسئولية عن الطبيب كما قدمنا.
ومن تطبب وهو غير طبيب كان مسئولًا عن عمله لقوله ﵊: "من تطبب ولم يعرف الطب فهو ضامن". فإن قصد العدوان والإضرار فهو متعمد، وإن لم يقصد الإضرار بالمريض ولا العدوان فهو مخطئ على رأي ومتعمد على رأي (١)، والرأي الأول هو الراجح.
٣٦٧ - شروط عدم المسئولية: يستنتج مما سبق أنه يشترط لعدم المسئولية عن التطبيب الشروط الآتية:
١ - أن يكون الفاعل طبيبًا.
٢ - أن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية.
٣ - أن يعمل طبقًا للأصول الطبية.
٤ - أن يأذن له المريض أو من يقوم مقامه كالولي.
فإذا توفرت هذه الشروط في التطبيب فلا مسئولية، وإن انعدم أحدها كان الفاعل مسئولًا.
٣٦٨ - الملحقون بالأطباء: ويلحق بالطبيب البيطار والحجام والخاتن،
_________________
(١) شرح الزرقاني علي مختصر خليل ج٨ ص١١٦، ١١٧، نهاية المحتاج ج٨ ص٣٢.
[ ١ / ٥٢٣ ]
وحكمهم جميعًا حكم الطبيب من حيث المسئولية، ويشترط في عملهم ما يشترط في عمل الطبيب، فيجب في الختان مثلًا أن يكون الفاعل خاتنًا، وأن يأتي الفعل بحسن نية وبقصد الختان، وأن يعمل طبقًا للأصول الفنية، وأن يأذن له المختون أو من يقوم مقامه كالولي.
٣٦٩ - بين الشريعة والقوانين الوضعية: تتفق القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية في اعتبار التطبيب عملًا مباحًا كما تتفق مع الشريعة في الشروط التي تمنع من المسئولية، فتستلزم أن يكون الفاعل طبيبًا، وأن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن نية، وأن يعمل طبقًا للأصول الفنية، وأن يأذن له المريض في الفعل.
وتعتبر القوانين الوضعية التطبيب حقًا بينما تعتبره الشريعة واجبًا، ولا شك أن نظرية الشريعة أفضل؛ لأنها تلزم الطبيب بأن يضع مواهبه في خدمة الجماعة، كما أنها أكثر انسجامًا مع حياتنا الاجتماعية القائمة على التعاون والتكاتف وتسخير كل القوى لخدمة الجماعة.
وقد اختلف شراح القوانين ورجال القضاء في تعليل ارتفاع المسئولية عن الطبيب (١)، فذهب الفقه والقضاء في إنجلترا إلى أن سبب عدم المسئولية هو رضاء المريض بالفعل، وأخذ بهذا الرأي بعض الشراح في ألمانيا وفرنسا، وحكمت به المحاكم في فرنسا ومصر قديما (ً (٢)، وذهب كثير من الشراح الفرنسيين إلى أن سبب ارتفاع المسئولية هو انعدام القصد الجنائي؛ لأن الطبيب يفعل الفعل بقصد شفاء المريض، وقد أخذ القضاء المصري وقتًا ما بهذا الرأي (٣) .
والرأي
_________________
(١) القانون الجنائي لعلي بدوي ص٤٠٠ وما بعدها، شرح قانون العقوبات للدكتورين كامل مرسي والسعيد مصطفى ص٤٢٢.
(٢) نقض في ٢٤ أبريل سنة ١٨٩٧، القضاء السنة الرابعة ص٢٥١.
(٣) نقض في ١٨ يناير سنة ١٩١٨ المجموعة الرسمية س١٨ رقم ١٨ ص٣١.
[ ١ / ٥٢٤ ]
الأخير الذي يسود اليوم في مصر وفرنسا هو أن التطبيب عمل مشروع تبيحه الدولة وتنظمه وتشجع عليه؛ لأن الحياة الاجتماعية تقتضي ذلك. وهذه التعليلات على اختلافها هي نفس التعليلات التي ذكرها الفقهاء الإسلاميون لعدم مسئولية الطبيب إذا أدى عمله إلى نتائج ضارة بالمريض.
* * *