٩٧ - التعزير على المعاصي: من المتفق عليه أن التعزير يكون في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، سواء كانت المعصية لله أو لحق آدمي (١)، ومعنى أن المعصية لله أنها تمس حقوق الجماعة أو أمنها أو نظامها، ومعنى لأنها حق آدمي أنها تمس حقوق الأفراد.
والمعاصي: هي إتيان ما حرمته الشريعة من المحرمات، وترك ما اوجبته من الواجبات (٢) .
_________________
(١) المهذب ج٢ ص٣٠٦، مواهب الجليل ج٦ ص٣١٩- ٣٢٠، المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٣٤٧، حاشية ابن عابدين ج٣ ص٢٥١، الزيلعي ج٣ ص ٢٠٧.
(٢) المعنى الفني للمعصية يقابل تمامًا بالمعنى للجريمة في استعمالها القانوني
[ ١ / ١٢٨ ]
ويعرف المحرم: بأنه ما طلب من المكلف الكف عن فعله طلبًا حتمًا، بأن تكون صيغة طلب الكف دالة على الحتم، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، أو أن يكون النهي عن الفعل مقترنًا بما يدل على أنه حتم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]، أو أن يكون الأمر بالاجتناب مقترنًا بذلك، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، أو أن يكون طلب الكف مقترنًا بترتيب عقوبة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] .
ويعرف الواجب: بأنه ما طلب فعله من المكلف طلبًا حتمًا بأن أقترن طلبه بما يدل على تحتيم فعله، مثل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ومثل قوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] .
ويختلف المحرم عن المكروه: فالمكروه هو ما طلب من المكلف الكف عن فعله طلبًا غير حتم، فإن كان الطلب حتمًا فهو محرم.
ويختلف الواجب عن المندوب: فالمندوب هو ما طلب فعله من المكلف طلبًا غير حتم، فإن كان الطلب حتمًا فهو الواجب.
وقد يشتمل المحرم بالمكروه، ويشتبه الواجب بالمندوب، وفي هذه الحالة يعتمد على القرائن لبيان نوع الطلب، فإن دلت القرائن على الكف المحتم فهو المحرم، وإن دلت على الفعل المحتم فهو الواجب، أما إذا دلت على الكف غير المحتم فهو المكروه، وإن دلت على الفعل غير المحتم فهو المندوب. ومن أهم القرائن المعتبرة في حالة الاشتباه قرينة العقوبة، فإن فرضت على مخالفة الطلب عقوبة فالفعل محرم أو واجب، وإن لم تفرض عقوبة فالفعل مكروه أو مندوب، ما لم يستفد الحتم من قرينة أخرى، ولهذا يعرف بعض العلماء الأصول المحرم:
[ ١ / ١٢٩ ]
بأنه ما استحق فاعله العقوبة، ويعرف الواجب: بأنه ما يستحق تاركه العقوبة، ويعرف المكروه: بأنه ما لا يستحق فاعله العقوبة وإن استحق اللوم، بأنه ما لا يستحق تاركه العقوبة وقد يستحق اللوم. وهي تعريفات غير دقيقة كما يرى البعض الآخر (١) .
٩٨ - أنواع المعاصي: يقسم الفقهاء المعاصي إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما فيه الحد (٢)، وقد تضاف إلى الحد الكفارة: مثل القتل والسرقة والزنا وغير ذلك من جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية، ولا يدخل تحت هذا النوع إلا جرائم الحدود وعددها سبع، وجرائم القصاص والدية وعددها خمس؛ لأن هذه الجرائم دون غيرها هي التي تعاقب عليها الشريعة بعقوبة الحد؛ أي بعقوبة مقدرة.
والأصل في هذا النوع من المعاصي أن عقوبة الحد تغني فيه عن التعزير، لكن ليس ثمة ما يمنع أن يجتمع التعزير مع عقوبة الحد إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة، وهذا هو اتجاه المذاهب الأربعة.
فمالك يرى تعزير الجاني مع عقوبة القصاص في الجناية عمدًا على ما دون النفس (٣)، وحجته في هذا أن القصاص جعل مقابلًا للجريمة، وهو حق المجني عليه، وأن التعزير للتأديب وهو حق الجماعة، ولا يرى مالك الجمع بين القصاص والتعزير في القتل العمد؛ لأنه لا فائدة من التعزير مع القتل، ولكنه يرى التعزير كلما سقط القصاص لمانع من الموانع (٤) .
وفي مذهب الشافعي يجيزون اجتماع الحد مع التعزير، كمن قتل من لا يقاد
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج١ ص١٦٠- ١٧٤، علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص٧٩- ٨٩
(٢) المقصود بالحد هنا العقوبة
(٣) مواهب الجليل ج٦ ص ٢٤٧. شرح الدردير ج٤ ص٢٢٤.
(٤) مواهب الجليل ج٦ ص ٢٦٨.
[ ١ / ١٣٠ ]
به، فإن عليه الدية وهي حد وعليه التعزير، وكالزيادة على الأربعين في حد الشرب؛ لأن حد الشرب عند الشافعية أربعون جلدة، وما زاد على ذلك فهو عندهم تعزير، وكتعليق يد السارق في عنقه بعد قطعها؛ فإن القطع هو الحد والتعليق تعزير (١) .
وفي مذهب أحمد يجيزون تعليق يد السارق في عنقه بعد قطعها (٢)، ومعنى هذا أنهم يجيزون أن يجتمع مع الحد التعزير.
وفي مذهب أبي حنيفة يعتبرون التغريب المقرر للزاني غير المحصن تعزيرًا لا حدًا، ويجيزون أن يجتمع التغريب مع الحد بهذه الصفة، ومعنى هذا أنهم يجيزون اجتماع الحد مع التعزير (٣) .
النوع الثاني: ما فيه الكفارة ولا حد فيه: كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام.
والكفارة في أصلها نوع من العبادة؛ لأنها عبارة عن عتق أو صوم أو إطعام مساكين، فإذا فرضت فيما لا يعتبر معصية كانت عبادة خالصة، ومثل ذلك الإطعام بدل الصوم لمن لا يطيق الصوم، وإذا فرضت على معصية فهي عقوبة خالصة، كالكفارة في القتل الخطأ والظهار، والكفارة في هذا تشبه المال، فهو قد يكون عقوبة جنائية كما في حالة الغرامة، وقد يكون تعويضًا إذا حكم به لتعويض الضرر، وقد يكون عقوبة وتعويضًا إذا جمع بين العقوبة والتعويض كالدية.
والمعاصي التي تدخل تحت هذا النوع محدودة، ومحلها إفساد صيام،
_________________
(١) أسنى المطالب ج٤ ص١٦٢، نهاية المحتاج ج٨ ص١٨
(٢) المغني ج١٠ ص٢٦٦
(٣) بدائع الصناع ج٧ ص٣٩. شرح فتح القدير ج٤ ص١٣٦
[ ١ / ١٣١ ]
أو إفساد إحرام، أو حنث يمين، أو وطء في حيض أو ظهار (١) .
ويختلف الفقهاء في جواز التعزير في هذا النوع من المعاصي، فيرى البعض أن لا تعزير فيه؛ اكتفاء بالعقوبة التي حددت له وهي الكفارة، ويرى البعض الآخر - ورأيهم الراجح - أنه لا يجوز أن يجتمع مع الكفارة التعزير (٢) .
النوع الثالث: ما لا حد فيه ولا كفارة: كتقبيل المرأة الأجنبية والخلوة بها، والشروع في السرقة، وأكل الميتة، ويدخل تحت هذا النوع ما لا يدخل تحت النوعين السابقين، فيدخل تحته معظم المعاصي، بل إن المعاصي التي تدخل تحته لا تعد كثرة؛ لأنها غير محصورة.
ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن هذا النوع من المعاصي فيه التعزير، أي لا عقوبة عليه إلا التعزير.
والمعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة متنوعة، ولكنها لا تخرج عن أحد أنواع ثلاثة (٣):
(أ) نوع شرع في جنسه الحد ولكن لا حد فيه: كالسرقة من غير حرز، وسرقة ما دون النصاب، والسرقة غير التامة. فالسرقة شرع فيها الحد بشروط منها: أن تكون من حرز، وأن يكون المسروق نصابًا، وأن تكون السرقة تامة، فإذا لم تتوفر هذه الشروط فلا حد. ومثل ذلك الشروع في الزنا ومقدمات الزنا من خلوة وتقبيل وعناق.
وهكذا كل ما شرع فيه الحد ولم تتوفر فيه شروط الحد فلا حد فيه وإنما فيه تعزير.
_________________
(١) عبرنا بهذه العبارات لنجمع بين مختلف الآراء، فهناك مثلًا من يرى الكفارة على الوطء في الحيض، وهناك من لا يراه، وهناك من يقول بالكفارة في الوطء في الصيام فقط، ومن يقول بها فيما يفطر ويغذي.
(٢) أعلام الموقعين ج٢ ص٢٢١، المقدمات لابن رشد ج٢ ص١٥١، تبصرة الحكام ج٢ ص٢٥٩، أسنى المطالب ج٤ ص١٦٢، نهاية المحتاج ج٨ ص١٨
(٣) بدائع الصنائع ج٧ ص٦٤
[ ١ / ١٣٢ ]
(ب) نوع شرع فيه الحد ولكن امتنع الحد فيه: إما لشبهة درأت الحد؛ كوطء الزوجة في دبرها، وسرقة المال المشترك، وإما لسبب خاص بالجاني؛ كقتل الأب ولده، فإنه لا قصاص فيه، وسرقة الفروع من الأصول فإنها لا تقع فيها، ويحل محل القطع التعزير.
(ج) نوع لم يشرع فيه ولا في جنسه الحد: ومن هذا النوع أكثر المعاصي مثل: أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وخيانة الأمانة ممن ائتمن عليها؛ كأمين بيت المال وناظر الوقف والوصي والوكيل، ومثل تطفيف المكيال والميزان، وشهادة الزور، وأكل الربا، والسب، والرشوة، وغير ذلك.
٩٩ - ما هو السبيل إلى معرفة المعاصي؟: والمعاصي سواء كان فيها حد أو كفارة أو لا حد فيها ولا كفارة، مبينة بيانًا لا خفاء فيه في الشريعة الإسلامية، وكل إنسان يستطيع إذا شاء أن يعرفها ويلم بها لو راجع النصوص من قرآن وسنة، فالسبيل إلى معرفة المعاصي هو نفس السبيل الذي تعرف به الجرائم في القوانين الوضعية، وهو الاطلاع والدراسة؛ فمن اطلع ودرس عرف المعاصي في الشريعة، وعرف الجرائم في القوانين الوضعية، ومن لم يطلع ولم يدرس فهو جاهل بالشريعة، كما هو جاهل بالقوانين وبغيرها من العلوم.
وليس يعيب الشريعة في أي شئ أن المعاصي لم تجمع في كتاب واحد، فإن العبرة ليست بجمع الجرائم، وعلى عقوباتها، على أنه ليس في الشريعة ما يمنع أولي الأمر من جمع المعاصي في كتاب خاص تبين فيه واحدة واحدة، مرتبة بحسب نوعها أو عقوباتها أو محلها أو غير ذلك من أوجه الترتيب والتنظيم، ما دام المقصود من التجميع تسهيل الاطلاع على المعاصي وتيسير العلم بها.
ومن يراجع نصوص الشريعة ويدرسها يستطيع دون شك أن يجد لكل معصية نصًا صريحًا حرمها، ونصًا صريحًا يعاقب عليها إن كانت المعصية معاقبًا
[ ١ / ١٣٣ ]
عليها بالحد أو الكفارة، أما إن كانت معاقبًا عليها بالتعزير فإنه يجد النص الذي حرمها، والنصوص التي فرضت عقوبات التعزير عليها وعلى غيرها.
ولقد استعرضنا جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، فوجدنا لكل هذه الجرائم نصوصًا تحرمها وتحد عقوباتها، وهذه الجرائم تدخل كما علمنا تحت النوع الأول من أنواع المعاصي، وهو النوع الذي فيه الحد أصلًا والكفارة مع الحد أحيانًا، وبقى أن نستعرض النوع الثاني من المعاصي الذي فيه الكفارة، والذي قلنا إن هناك خلافًا على التعزير فيه، وبعد أن نستعرض النصوص التي وردت فيه نستعرض النوع الثالث من المعاصي وهو النوع الذي لا حد فيه ولا كفارة.
١٠٠ - المعاصي التي فيها الكفارة ولا حد فيها: ذكرنا أن هذه المعاصي هي إفساد الصيام، وإفساد الإحرام، والحنث في اليمين، والوطء في حيض، والوطء في ظهار، وسنعرضها واحدة بعد أخرى.
إفساد الصيام: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ويقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] . وروى أبو هريرة، أن رجلًا جاء رسول الله - ﷺ - فقال: "هلكت يا رسول الله. قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينًا؟ قال: لا. ثم جلس فأتى النبي بفرق
[ ١ / ١٣٤ ]
فيه تمر فقال: تصدق بهذا". فهذه نصوص صريحة تفيد وجوب الصوم وتحرم إفساده بجماع أو طعام أو شراب، وتجعل عقوبة من أفسد صيامه بجماع: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، كفارة عن المعصية التي وقع فيها (١) .
إفساد الإحرام: يقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ويقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ويقول: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا
_________________
(١) اختلف الفقهاء في تطبيق النص المقرر للعقوبة، فمالك وأبو حنيفة يريان تطبيقة إذا أفسد الصيام بأكل أو شرب، والشافعي وأحمد يريان مع أهل الظاهر قصر النص على حالة الجماع فقط. وأساس الخلاف بين الفريقين أن الفريق الأول يرى العقوبة على إفساد الصيام، وهو يفسد بالجماع والأكل والشرب، والفريق الثاني يرى أن العقوبة جاءت على الجماع فقط، فلا تنطبق على غير ما جاءت فيه.. وهناك خلافات أخرى أهمها: أن البعض يرى تطبيق النص على المرأة كما ينطبق على الرجل، والبعض لا يرى تطبيقه إلا على الرجل. كذلك يرى البعض أن النص ينطبق على حالة العمد فقط، والبعض يسوي بين المتعمد والناسي. ويرى البعض في حالة تعدد الإفطار تطبيق قاعدة التداخل، ولا يرى البعض تطبيقها. ولكل فريق حججه؛ ولا نرى ما يدعو هنا لسردها فكلها خلافات في تفسير النصوص وتطبيقها. راجع بداية المجتهد ج١ ص٢١٠ وما بعدها، الهداية ج١ ص٩٦، الإقناع ج١ ص٣١٢ وما بعدها، المهذب ج١ ص١٨٣ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٥ ]
الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٢] .
ومن السنة الثابتة ما يرويه كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله - ﷺ - مُحْرِمًا فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله أن يحلق رأسه، وقال له: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة مساكين، مُدَّين لكل إنسان، أو انْسُك بشاة".
ومن المتفق عليه أن المنع من حلق الرأس لم يقصد لذاته، وإنما قصد منه منع الزينة والترفيه، ولذا يأخذ حكمه استعمال الطيب، ولبس المخيط. وروى ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال في المحرم: "لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف، إلا أن يجد نعلين فيقطعهما من أسفل الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران".
ويفسر الرفث بالجماع، والفسوق بأنه الخروج عما يجب على المحرم إلى الأشياء التي كانت مباحة قبل أن يُحْرِم، كالصيد والطَّيب والزينة بلبس المخيط (١) .
هذه هي النصوص التي تحرم ما يفسد الإحرام، وتلك هي العقوبات التي فرضتها على من يفسد إحرامه، وهي نصوص صريحة كانت وما تزال عماد الفقهاء في بيان ما يفسد الإحرام، وما يجب عليه من عقوبة.
الحنث في اليمين: يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، ويقول: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال رسول الله - ﷺ - لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة
_________________
(١) تفسير المنار ج٢ ص٢١٧ وما بعدها، بداية المجتهد ج١ ص٢٨٦ وما بعدها، المهذب ج١ ص٢٠٤ وما بعدها، الهداية ج١ ص١٢٥ وما بعدها، الإقناع ج١ ص٣٥٥ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٦ ]
لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإن حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفَّر عن يمينك"، ولا شك أن هذه النصوص صريحة في تحريم الحِنْث باليمين، وتبيان عقوبة الفعل المحرم (١) .
الوطء في الحيض: يقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وروي عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض: أنه يتصدق بدينار، وروي عنه بنصف دينار، وروي أيضًا في حديث ابن عباس هذا أنه إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينار، وروي هذا الحديث على أنه يتصدق بخمسي دينار.
ونص القرآن صريح في تحريم إتيان المرأة في الحيض، أما الحديث المروي عن ابن عباس فقد صح عند أحمد فأوجب الكفارة دينارًا على من وطئ الحائض (٢) . أما الأئمة الثلاثة فلم يصح عندهم شئ من هذه الأحاديث؛ ولذلك لم يوجبوا الكفارة في وطء الحائض عملًا بالأصل الذي هو سقوط الحكم حتى يثبت بدليل (٣) .
ويترتب على القول بعدم وجوب الكفارة أن الفعل يكون عند القائلين بهذا من المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة، أي من المعاصي التي يمكن التعزير فيها.
الوطء في الظهار: يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ
_________________
(١) بداية المجتهد ج١ ص٣٢٩ وما بعدها، المهذب ج٢ ص١٥٠ وما بعدها، الهداية ج٢ ص٦٣ وما بعدها، الإقناع ج٤ ص٣٣٧ وما بعدها.
(٢) الإقناع ج١ ص٦٤.
(٣) بداية المجتهد ج١ ص٤٦، الهداية ج١ ص١٨ وما بعدها، المهذب ج١ ص٣٦ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٧ ]
يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ* فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣، ٤]، والنص قاطع في تعيين المعصية وتحديد العقوبة (١) .
١٠١ - المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة: بينا فيما سبق أن المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة تنقسم إلى ثلاثة أنواع: نوع شرع في جنسه الحد ولكن لا حد فيه، ونوع شرع في جنسه الحد ولكن امتنع الحد فيه، ونوع لم يشرع فيه ولا في جنسه الحد.
فأما النوع الأول والثاني فقد سبق أن بينا النصوص التي وردت بالتحريم فيهما وذلك عندما تكلمنا على النصوص التي جاءت في جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية.
وأما النوع الثالث فيدخل تحته أكثر المعاصي، ولو كان ما يدخل تحته محدودًا لاستعراضنا النصوص التي وردت فيه كلها كما فعلنا في غيره من الأنواع، ولكن الواقع أن المعاصي التي تدخل تحت هذا النوع غير محدودة، ومن ثم فلن نستعرضها جميعًا، وسنكتفي بعرض النصوص التي تحرم أهم المعاصي؛ تدليلًا على أن الشريعة الإسلامية تطبق قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص في هذا النوع من المعاصي.
١ - تحريم بعض المطاعم: يقول الله التعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾
_________________
(١) اختلف الفقهاء في تفسير معنى ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ ففسرها مالك والشافعي وأحمد بأنه يعود لما حرمه على نفسه بأنه ينوي وطأها أو إمساكها أو هما معًا. وفسرها مجاهد وطاوس وأبو= =حنيفة بأن العود المقصود هو العود في الإسلام إلى ما تقدم من ظهارهم في الجاهلية. وفسرها داود الظاهري بأن العود هو أن يكرر الظهار ثانية، فمن لم يظهر مرتين فليس بعائد ولا كفارة. فالمعصية بحسب تفسير مالك والشافعي وأحمد جريمة بسيطة، وبحسب تفسير الباقين وعلى الأخص داود من جرائم العادة، ولا تتكون إلا بحصول الظهار الثاني، أما الأول وحده فلا يكون المعصية، ومن ثم لم تترتب الكفارة إلا على الثاني. راجع: بداية المجتهد ج٢ ص٨٧ وما بعدها، الهداية ج٣ ص١٤ وما بعدها، المهذب ج٢ ص١٢٠ وما بعدها، الإقناع ج٤ ص٨٢ وما بعدها.
[ ١ / ١٣٨ ]
[البقرة: ١٧٣]، ويقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، ويقول: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:١]، ويقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ويقول رسول الله - ﷺ -: "الكلب خبيث، خبيث ثمنه"، ويروي جابر عن رسول الله - ﷺ - فيقول: ذبحنا يوم حنين الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل. وروى ابن عباس أن النبي نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وأكل كل ذي مخلب من الطير. وروت عائشة عن النبي - ﷺ - أنه قال: "خمس يُقتلن في الحِلَّ والحرَم: الحية، والفأرة، والغراب الأبقع، والحَدَأة، والكلب العقور".
٢ - خيانة الأمانة: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ويقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، ويقول: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، ويقول: ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ﴾ [النساء: ٦]، ويقول: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال الرسول
[ ١ / ١٣٩ ]
﵊: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"، وقال: "لا إيمان لمن لا أمانة له".
٣ - غش المكاييل والموازين وغيرها: يقول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣]، ويقول: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ* وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ* وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣] .
٤ - شهادة الزور: يقول الله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ويقول: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، ويروي أبو بَكْرةَ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " وكررها ثلاثًا. قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله وعقوق الوالدين" وكان متكئًا فجلس فقال: "ألاَ وقول الزور، وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
٥ - أكل الربا: يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ويقول: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨،
[ ١ / ١٤٠ ]
٢٧٩]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، ويقول: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]، وقال الرسول - ﷺ -: "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
٦ - السب: يقول الله تعالى: ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، ويقول: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ويقول: ﴿وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقال الرسول - ﷺ -: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يَحْقِرُه"، وقال: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وعرضه وماله"، وقال: "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"، وقال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".
٧ - الرشوة: يقول الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، ويقول: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقال رسول الله - ﷺ -: "لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما"، وقال: "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم"، وقال: "هدايا الأمراء غُلول، وهدايا الأمراء سُحْت"، ويروي أبو حميد الساعدي أن رسول الله بعث ابن اللتيبة على الصدقة، فلما جاء قال: هذا لكم وهذا أهدى لي،
[ ١ / ١٤١ ]
فقال الرسول - ﷺ -: "ما بال أقوام نستعملهم على ما ولاَّنا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدى لي، فهلاَّ جلس في بيت أبيه فنظر أيهدى له أم لا؟ ".
٨ - ألعاب القمار والميسر: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] .
٩ - دخول المساكن بغير حق: يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧]، ويقول: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩] .
١٠ - التجسس: يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] .
هذه هي عشر جرائم من أهم جرائم التعزير، استعرضناها والنصوص التي وردت فيها، وظاهر بجلاء أن النصوص عينت الجرائم التي حرمتها بما لاسبيل إلى الشك فيه، ويستطيع من له إلمام بالشريعة أن يجد لكل ما حرمته الشريعة نصًا يعين الجريمة ويحددها، وفي هذا وفيما استعرضناه من نصوص وردت في المعاصي التي يعاقب عليها بحد أو كفارة، وفي هذا كله الدليل القاطع على أن الشريعة تطبق قاعدة أن لا جريمة ولا عقوبة بلا نص على كل الأفعال التي حرمتها.
١٠٢ - ظنون لا أساس لها من الحق: ولقد ظن البعض خطأ أن الشريعة الإسلامية لم تعين جرائم التعزير، وأنها تركت للقاضي تلك المهمة، ورتبوا على هذا الظن الخاطئ أن سلطة القاضي في التعزير سلطة تحكمية، وأن جرائم التعازير وعقوباتها غير منصوص عليها وأنها متروكة لتقدير القاضي، فإن رأى أن عاقب على الفعل عاقب ولو أنه لم يحرم من قبل أو لم يسبق العقاب عليه.
ومنطق هؤلاء باطل، لأنه يقوم على ظنون لا أساس لها من الحق أو الواقع.
ولقد وقع هؤلاء في ظنهم الخاطئ؛ نتيجة لسوء الفهم وقلة الاطلاع،
[ ١ / ١٤٢ ]
فكتب الشريعة مركزة العبارة، تصاغ عبارتها عادة في دقة بالغة حتى لتبلغ في تركيزها أكثر مما تبلغه نصوص القوانين الوضعية من التركيز والدقة، وللفقهاء فوق ذلك كله تعبيرات واصطلاحات خاصة ينبغي أن يلم بها المرء قبل دراسة الشريعة، كما ينبغي أن يلم دارس القانون قبل دراسته بالاصطلاحات القانونية، فمن جهل الاصطلاحات الشرعية ولم يدقق في الاطلاع على نصوص الشريعة، فلا شك أنه لم يصل إلى فهم كتب الشريعة فهمًا صحيحًا، وهذا هو الذي حدث فعلًا للقائمين بأن الشريعة لم تحدد جرائم التعزير وعقوباتها، فإنهم لم يفهموا ما كتبه الفقهاء في هذه المسألة على وجهه الصحيح، ولو فهموه على وجهه لعلموا أن الشريعة حددت الأفعال المعتبرة المعاصي وعينتها، وأن الشريعة توجب على القاضي قبل كل شيء أن يبحث عما إذا كان الفعل المنسوب للجاني معصية بحسب نصوص الشريعة أم لا، فإن وجده معصية بحيث إن كانت التهمة ثابتة قبل الجاني أم لا، فإن كانت ثابتة عاقبه بإحدى العقوبات التي وضعتها الشريعة للتعزير، بشرط أن تكون عقوبة ملائمة في نوعها وكَمها للجريمة وللمجرم، أما إذا وجد القاضي أن الفعل ليس معصية فلا جريمة ولا عقوبة.
وليس للقاضي ولا لأحد كائنًا من كان أن يعتبر فعلًا ما معصية ما لم تعتبره الشريعة كذلك، وليس للقاضي ولا لأحد كائنًا من كان أن يعاقب على معصية بعقوبة لم تقررها الشريعة وإلا كان محرمًا ما أحله الله، مبيحًا ما حرمه، وقائلًا على الله بغير علم.
١٠٣ - نماذج مما كتبه الفقهاء في التعزير: ونستطيع أن نتبين صحة ما قلناه من عرض بعض ما كتبه بعض الفقهاء عن التعزير.
فهذا فقيه حنفي يقول: "التعزير يكون في كل معصية إلخ، وليس فيه شيء مقدر، وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايات الناس وأحوالهم" (١) .
وهذا فقيه شافعي يقول: "من أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة عزر حسب ما يراه السلطان" (٢) .
وهذا فقيه
_________________
(١) الزيلعي ج٣ ص٢٠٨.
(٢) المهذب ج٢ ص٣٠٦
[ ١ / ١٤٣ ]
مالكي يقول بعد أن يعدد جرائم القصاص والديات وجرائم الحدود: "وما عداها فيوجب التعزير، وهو موكول لاجتهاد الإمام. ويعزر الإمام لمعصية الله أو لحق آدمي" (١) .
وهذا فقيه حنبلي يقول: "التعزير هو التأديب وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وأقله غير مقدر فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام والحاكم فيما يراه وما يقتضيه حال الشخص" (٢) .
فهذه كلمات القليلة عن التعزير لا يمكن فهمها على حقيقتها إلا إذا فهم معنى المعصية، ومعنى الحد، ومعنى الكفارة، ومعنى العقوبة المقدرة، والعقوبة غير المقدرة.
ولقد بينا معنى المعصية والكفارة فيما سبق فلنبين الآن معنى الحد. والحد: هو العقوبة المقدرة شرعًا، ومعنى أنها مقدرة شرعًا أن الشارع عين نوعها وبين مقدارها بنفسه، ولم يترك للقاضي حق تعيينها أو تقديرها، ولم يجعل له أن ينقص منها أو يزيد فيها، أو يستبدل بها غيرها، أو يوقف تنفيذها، فهي عقوبة لازمة، وهي عقوبة تصبح بتعيينها وتقديرها ذات حد واحد ولو كانت طبيعتها تسمح بأن تكون ذات حدين، فعقوبة الزاني غير المحصن عقوبة مقدرة وهي الجلد مائة جلدة لا تنقص واحدة ولا تزيد واحدة، وقد أصبحت بهذا التعيين والتحديد عقوبة ذات حد واحد، ولو أن طبيعتها تسمح بأن تكون ذات حدين، وعقوبة القذف ثمانون جلدة لا تزيد واحدة ولا تنقص واحدة؛ فهي عقوبة مقدرة.
وعقوبة القصاص مقدرة بطبيعتها؛ لأنها لا تزيد ولا تنقص شيئًا عما فعله الجاني. وعقوبة الدية مقدرة؛ لأنها ذات حد واحد بتعيينها وتحديد مقدارها، بحيث لا يستطيع القاضي أن يزيد فيها أو ينقص منها.
أما العقوبة غير المقدرة فهي: كل عقوبة تُرك للقاضي اختيار نوعها من بين عقوبات متعددة، وتُرك له أن يقدر كمها - إذا لم تكن بطبيعتها ذات حد
_________________
(١) مواهب الجليل ج٦ ص٣١٩
(٢) الإقناع ج٤ ص٢٦٨
[ ١ / ١٤٤ ]
واحد - بحيث لا يرتفع حدها الأعلى ولا ينزل عن حدها الأدنى.
فإذا فهمنا معنى هذه الاصطلاحات سهل علينا أن نفهم ما يقوله الفقهاء عن التعزير، فإذا قالوا: إن التعزير يكون في كل معصية، فمعنى ذلك أن التعزير يكون في كل فعل نصت الشريعة على تحريمه، وإذا قالوا: إن التعزير ليس فيه شيء مقدر، فمعنى ذلك أن جرائم التعازير لم توضع لكل منها عقوبة معينة مقدرة لا محيص من توقيعها على الجاني كما هو الحال في جرائم الحدود أو جرائم القصاص والدية، وإنما وضعت لها عدة عقوبات ليس القاضي ملزم بتطبيق إحداها دون الأخرى، وإنما له أن يختار منها واحدة أو أكثر، فإذا اختار إحداها وكانت ذات حدين بطبيعتها فله أن ينزل بالعقوبة إلى الحد الأدنى، أو يرتفع بها إلى الحد الأعلى، وعلى هذا إذا كانت عقوبة الجريمة التعزيرية ليست مقدرة لعدم النص على حد معين لازم من العقاب.
وإذا قال الفقهاء: إن التعزير مفوض لرأي الإمام أو الحاكم أو اجتهادهما، فمعنى ذلك أن القاضي وهو القائم مقام الإمام أو السلطان أو الحاكم ترك له حق اختيار عقوبة التعزير وتقديرها طبقًا لما يراه من ظروف الجريمة وظروف المجرم، وطبقًا لما يؤديه إليه اجتهاده ورأيه الشخصي في تقدير هذه الظروف.
١٠٤ - كيف فرضت الشريعة عقوبات التعزير؟: بينا فيما سبق أن الشريعة نصت على جرائم التعازير وعينتها، وقدمنا الدليل على ذلك من نصوص الشريعة، ومن قواعدها العامة، ومن النصوص التي حرمت الجرائم وعينتها، وقلنا إن الشريعة كما نصت على جرائم التعزير نصت أيضًا على عقوبات التعزير، والآن نقدم الدليل على هذا القول:
أولًا: عقوبة الوعظ، وعقوبة التهديد، وعقوبة الجلد أو الضرب: هذه العقوبات نص عليها القرآن والسنة، فيقول الله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ
[ ١ / ١٤٥ ]
فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، فهذا النص القرآني يفرض ثلاث عقوبات تعزيرية على المرأة لا تطيع زوجها، وهي الوعظ، والهجر، والضرب، ولما كان النشوز وعدم الطاعة معصية لا حد فيها ولا كفارة، فمعنى ذلك أن هذه العقوبات فرضت لكل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
وإذا كان الهجر في المضاجع عقوبة خاصة بالمرأة لا يملكه إلا الزوج، فإن الهجر في المضاجع ليس إلا نوعًا من الهجر، وقد أمر الرسول بهجر الثلاثة الذين خلفوا، وأمر عمر بهجر صبيع، فالهجر عقوبة عامة معناها المقاطعة وحدها توبة المهجور (١) .
وقال رسول الله - ﷺ -: "رحم الله امرأ علق سوطه بحيث يراه أهله"، وقال: "لا ترفع عصاك عن أهلك"، وقال: "علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر"، وقال: "من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين"، فهذه النصوص تفرض عقوبتين: أولاهما: التهديد بالعقاب والتخويف منه، وهذا ما يستفاد من تعليق السوط بحيث يرى وعدم رفع العصا.
والثانية: هي الضرب بالعصا أو الجلد بالسوط، والنص الأخير صريح في جواز الجلد في غير الحدود، كما أنه يعين الحد الأعلى بعقوبة الجلد على رأى.
فالقرآن والسنة يفرضان عقوبات الوعظ والهجر والتهديد والجلد، وعقوبة الجلد والضرب ذات حدين بطبيعتها، ويرى البعض أن الحديث السابق عين الحد الأعلى للعقوبة، بينما يرى البعض أن الحد الأعلى يعينه ولي الأمر (٢) .
أما عقوبة الوعظ والتهديد فكلاهما عقوبة ذات حد واحد بطبيعتها، أما حد عقوبة الهجر فهو توبة المهجور، كما قلنا من قبل.
_________________
(١) تراجع الفقرات ٤٨١، ٤٨٧، ٤٨٨.
(٢) راجع الفقرة ٤٨١.
[ ١ / ١٤٦ ]
ثانيًا: عقوبة التوبيخ: يروى عن أبي ذر أنه قال: ساببت رجلًا فعيرته بأمه، فقال رسول الله - ﷺ -: "يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية". فهذا هو الرسول يعاقب أبا ذر بتوبيخه، ومن ثم يكون التوبيخ عقوبة تعزيرية، وسنة سنها الرسول، والسنة هي المصدر الثاني للشريعة سواء كانت عملية أو قولية.
ثالثًا: الحبس والصلب: ومصدر هاتين العقوبتين هو السنة العملية أيضًا، فمما يروى عن الرسول أنه حبس شخصًا في تهمة، وأنه صلب رجلًا حيًا على جبل يقال له أبو ناب (١) .
رابعًا: القتل: مصدر هذه العقوبة السنة القولية، فيروى عن الرسول - ﷺ - أنه قال: "من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه"، وفي رواية: "ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان" (٢) . والمفروض أن عقوبة القتل مقررة للجرائم الخطيرة.
خامسا: ً الغرامة والتشهير والنفي: ومصدر هذه العقوبات الإجماع والإجماع مصدر من مصادر الشريعة كالقرآن والسنة (٣) .
وظاهر مما سبق أن العقوبات التعزيرية مصدرها القرآن والسنة والإجماع، ومن ثم فهي عقوبات شرعية مقررة بطريقة شرعية لا شك فيها (٤) .
وفي الوقت الذي حددت فيه النصوص وفعل الرسول وإجماع الأمة أنواع العقوبات التعزيرية انعقد الإجماع على أن يترك للقاضي اختيار العقوبة الملائمة
_________________
(١) راجع الفقرتين ٤٨٢، ٤٨٦.
(٢) راجع الفقرة ٤٨٠.
(٣) راجع الفقرات ٤٨٥، ٤٩١، ٤٩٣.
(٤) تكلمنا هنا عن العقوبات بغاية الاختصار، ولكننا فصلنا القول عن العقوبات الشرعية في كتاب العقوبة.
[ ١ / ١٤٧ ]
وتقديرها، كما ترك له أن يمضي العقوبة أو يوقف تنفيذها.
١٠٥ - لا جريمة ولا عقوبة في التعزير بغير نص: وظاهر مما سبق أن الشريعة الإسلامية نصت على جرائم التعزير وعقوباتها، وعينت الجرائم وحددت العقوبات تحديدًا دقيقًا بحيث لا يستطيع القاضي أن يعاقب على فعل لم تحرمه الشريعة، ولا يستطيع أن يعاقب بغير العقوبات المقررة للتعازير، ولا أن يخرج على حدودها.
وإذا كانت هذه هي شهادة النصوص الصريحة، وشهادة الواقع الملموس، فإن القول بأن للقاضي سلطة تحكمية في جرائم التعزير هو قول لا أساس له، ولا نكون مغالين إذن إذا قلنا: إن أساس هذا القول هو قلة الاطلاع أو سوء الفهم، فالحقيقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر أن كل من أوتي حظًا من الاطلاع على نصوص الشريعة، وقدرة على تفهم أساليب الفقهاء واصطلاحاتهم، يعلم حق العلم أن القاضي ليس له سلطة تحكمية ولا غير تحكمية في تعيين الجرائم والعقوبات، وأن نصوص الشريعة تكفلت ببيان الجريمة والعقوبة، وأن سلطة القاضي منحصرة في تطبيق النص على الواقعة المعروضة عليه، فإن انطبق وقع على الجاني العقوبة، ولكن الشريعة أعطت القاضي سلطة واسعة في اختيار العقوبة التي يراها ملائمة من بين عقوبات مقررة للجريمة، وجعلت له أن ينظر في اختيار العقوبة إلى شخصية المتهم وسوابقه، ودرجة تأثره بالعقوبة، كما ينظر إلى الجريمة وأثرها في الجماعة، وجعلت للقاضي أن يعاقب بعقوبة واحدة أو بأكثر منها، وأن يصعد بالعقوبة إلى حدها الأعلى، أو ينزل بها إلى حدها الأدنى، وله أن يعاقب المتهم بوعظه أو توبيخه أو تهديده، فينذره بأن لا يعود لمثل ما فعل، وله أن يعاقب بأشد من ذلك، بحبس أو بغرامة، وله أن يمضي العقوبة أو يوقف تنفيذها.
هذه هي سلطة القاضي في الشريعة، وهي ليست سلطة تحكمية، وإنما هي
[ ١ / ١٤٨ ]
سلطة أعطيها ليتمكن من علاج المجرم والجريمة، وهي سلطة الاختيار وتقدير لا سلطة تحكم واستعلاء، قصد منها تمكين القاضي من تقدير خطورة الجريمة والمجرم واختيار العلاج المناسب لهما، وإنها لسلطة قمينة أن تحقق العدل، وترفع الرحج، وتضع الأمور في مواضعها، وتعاقب كلًا بما يستحقه.
وهذه الطريقة التي ابتكرتها الشريعة من ثلاثة عشر قرنًا لمعالجة جرائم التعزير هي الطريقة التي اتجهت إليها القوانين الوضعية أخيرًا، فهي تنجو نحو توسيع سلطان القضاء في اختيار العقوبة الملائمة للمجرم وللجريمة وتقدير هذه العقوبة، فتجعل للقاضي أن يختار في الغالب بين عقوبتين، أو يوقعهما معًا، وأن يرتفع بالعقوبة إلى حدها الأعلى، أو ينزل بها إلى الحد الأدنى، وتجعل للقاضي أيضًا أن يوقف تنفيذ العقوبة أو يمضيها بشروط معينة، ولكن سلطة القاضي في القوانين الوضعية لا تزال أضيق بكثير من سلطة القاضي في الشريعة الإسلامية، وكثيرًا ما يتعرض الأول للحرج حيث يجد نفسه عاجزًا عن توقيع العقوبة التي تتلاءم مع الحالة المعروضة عليه، ولقد كان هذا سببًا دعا الكثيرين من علماء القانون إلى أن يطالبوا بتوسيع سلطان القاضي، واقترح بعضهما حلًا للمشكلة ألا ينص القانون على عقوبة كل جريمة بذاتها، بل تعين الجرائم دون تعيين عقوبتها، ثم تعين العقوبات التي يستطيع القاضي تطبيقها، ويترك له أن يختار هو لكل جريمة العقوبة الملائمة بعد تقدير ظروف الجريمة وظروف الجاني. وهذه الطريقة التي يقترحها بعض علماء القانون هي نفس الطريقة التي تسير عليها الشريعة في جرائم التعزير.
* * *