[تقسيم الجرائم بحسب طريقة ارتكابها]
جرائم إيجابية - وجرائم سلبية
٥٧ - تنقسم الجرائم إلى إيجابية وسلبية: بحسب ما إذا كان الفعل قد ارتكب بطريق الإيجاب أو السلب، أو بحسب ما إذا كان الفعل مأمورًا به أو منهيًا عنه.
_________________
(١) المدونة ج٦ ص٤٥.
(٢) بدائع الصناع ج٧ ص٤٩، نهاية المحتاج ج٨ ص٣٠٧، الإقناع ج٤ ص٤٠٧.
[ ١ / ٨٦ ]
والجريمة الإيجابية: تتكون من إتيان فعل منهي عنه كالسرقة والزنا والضرب.
والجريمة السلبية: تتكون من الامتناع عن إتيان فعل مأمور به، كامتناع الشاهد عن أداء الشهادة والامتناع عن إخراج الزكاة. وأكثر الجرائم إيجابية وأقلها الجرائم السلبية.
٥٨ - الجريمة الإيجابية تقع بطريق السلب: ومن المتفق عليه بين الفقهاء أن الجريمة الإيجابية قد تقع بطريق السلب، فإذا وقعت على هذا الوجه استحق فاعلها العقوبة، فمن حبس إنسانًا ومنعه الطعام أو الشراب أو الدفء في الليالي الباردة حتى مات جوعًا أو عطشًا أو بردًا فهو قاتل عمدًا إن قصد بالمنع قتله، وذلك ما يراه مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣)، أما أبو حنيفة (٤) فلا يرى الفعل قتلًا، لأن الهلاك حصل بالجوع والعطش والبرد ولم يحصل بالحبس، ولا صنع لأحد في الجوع والعطش والبرد، ولكن أبا يوسف ومحمدًا يريان الفعل قتلًا عمدًا، لأنه لا بقاء لآدمي إلا بالأكل والشرب والدفء. فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش والبرد على الممنوع يكون إهلاكًا له.
والأم التي تمنع ولدها الرضاع قاصدة قتله تعتبر قاتلة عمدًا، ولو أنها لم تأت بعمل إيجابي (٥) .
ومن منع فضل مائه مسافرًا، عالمًا بأنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه،
_________________
(١) الشرح الكبير للدردير ج٤ ص٢١٥.
(٢) نهاية المحتاج ج٧ ص٢٣٩.
(٣) المغني ج٩ ص٣٢٧.
(٤) بدائع الصنائع ج٧ ص٢٣٤، البحر الرائق ج٨ ص٢٩٥.
(٥) الشرح الكبير للدردير ج٤ ص٢١٥.
[ ١ / ٨٧ ]
اعتبر قاتلًا له عمدًا وإن لم يَلِ قتله بيده، وهو رأي في مذهب مالك (١) .
ويرى بعض فقهاء مذهب أحمد أنه قتل شبه عمد (٢) .
وإذا حضر نساء ولادة فقطعت إحداهن الحبل السُّري ولم تربطه بعد قطعه متعمدة الامتناع عن ربطه فمات الوليد بسبب ذلك فهي قاتلة له، ومن الممكن اعتبار بقية الحاضرات قاتلات إذا لم يرون أيضًا ربط الحبل السري، لأن القطع غير مهلك في ذاته، وإنما المهلك ترك الربط، ولما كن جميعًا قد تعمدن ترك الربط فالهلاك ينسب إليهن جميعًا (٣) .
٥٩ - متى يعتبر الممتنع مسئولًا؟: والظاهر من تتبع أمثلة الفقهاء أن الممتنع لا يعتبر مسئولًا عن كل جريمة ترتبت على امتناعه، وإنما يسأل فقط حيث يجب عليه شرعًا أو عرفًا أن لا يمتنع. وإذا كان هذا هو القاعدة فهناك اختلاف على ما يوجبه الشرع والعرف، ومن الطبيعي أن يكون هذا الخلاف ما دامت وجهات النظر مختلفة، فمثلًا: يرى بعض الحنابلة أن من أمكنه إنجاء آدمي من هلكة كماء ونار أو سبع فلم يفعل حتى هلك فلا مسئولية عليه (٤)، ويرى بعض الحنابلة أنه مسئول (٥)، وأساس هذا الخلاف هو: هل الإنجاء واجب أم غير واجب؟ ومن هذا القبيل المثل الذي ضربناه عن منع الماء.
٦٠ - الشريعة والقوانين الوضعية: واتجاه فقهاء الشريعة في القتل بالترك هو نفس الاتجاه الذي سار عليه أغلب شراح القوانين الوضعية ابتداء من القرن التاسع عشر، أما قبل ذلك فقد كانت غالبية الشراح ترى أنه لا يمكن إحداث الجريمة بالترك، لأن الترك عدم ولا ينشأ عن العدم وجود، وكانت
_________________
(١) مواهب الجليل للحطاب ج٦ ص٢٤٠.
(٢) المغني ج٩ ص٥٨١.
(٣) الفتاوي الكبرى لابن حجر ج٤ ص٢٢٠، ٢٢١.
(٤) الإقناع ج٤ ص٢٠٥.
(٥) المغني ج٩ ص٥٨١.
[ ١ / ٨٨ ]
أقلية الشراح ترى أن الترك يصلح سببًا للجريمة كالفعل تمامًا، لأن كليهما يرجع إلى إرادة الإنسان، وقد انتهت الغالبية إلى التسليم بأن الترك يصلح سببًا للجريمة، ولكنهم لم يأخذوا بهذا المبدأ على إطلاقه، وقيدوه بأن يكون الشخص مكلفًا في الأصل بالعمل، وأن يكون الامتناع أو الترك مخالفة لهذا التكليف، ويستوي عندهم أن يكون مصدر التكليف بالعمل القانون أو الاتفاق. ومن الأمثلة التي يضربها شراح القوانين على القتل بالترك: حبس شخص دون حق ومنع الطعام عنه بقصد قتله، وامتناع الأم عمدًا عن إرضاع ولدها بقصد قتله. ويضربون مثلًا على الحالة التي لا مسئولية فيها: الامتناع عن إنقاذ مشرف على الغرق، أو إنسان أحاطت به النار، أو أقدم على افتراسه سبع. والأمثلة في الحالين تكاد تكون نفس الأمثلة التي يضربها فقهاء الشريعة الإسلامية.
٦١ - الفرق بين الشريعة والقانون: ويلاحظ أن اشتراط شراح القوانين أن يكون العمل واجبًا بمقتضى القانون أو الاتفاق يساوي تمامًا ما يشترطه فقهاء الشريعة من أن يكون العمل واجبًا بمقتضى الشريعة، لأن الشريعة توجب الوفاء بالعقود والاتفاقات طبقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فمن كان عليه واجب طبقًا لاتفاق فهو واجب أيضًا طبقًا للشريعة ما دام لا يخرج على نصوصها أو روحها فالشريعة والقانون يتفقان تمامًا في هذه النقطة.
ولكن الشريعة تخالف القوانين الوضعية في أنها تجعل الجاني مسئولًا عن الترك والامتناع إذا كان العرف يوجب على الشخص أن يعمل ولا يمتنع، ولا شك أن الشريعة منطقية في هذا التوسع، لأن الشرائع والقوانين جميعًا بل واتفاقات الأفراد تفترض أن ما يفرضه العرف يجب اتباعه، ولا معنى لأن ينص في الاتفاقات على واجبات مقررة بمقتضى العرف ومتعارف عليها من الجميع، فإذا سئل الشخص عن واجب يفرضه اتفاق دولي فأولى به أن يسأل عن
[ ١ / ٨٩ ]
واجب يفرضه العرف ويعترف به الناس دون حاجة لاتفاق أو إثبات.
وتمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بأنها عرفت هذه النظرية من القرن السابع، بينما لم تبدأ القوانين الوضعية بمعرفتها إلا في القرن التاسع عشر، فكأن القوانين لم تجئ إلا بما سبقتها إليه الشريعة.
* * *