أثر الجهل والخطأ والنسيان على المسئولية
٢٩٨ - أثر الجهل على المسئولية الجنائية: من المبادئ الأولية في الشريعة الإسلامية أن الجاني لا يؤاخذ على الفعل المحرم إلا إذا كان عالمًا علمًا تامًا بتحريمه، فإذا جهل التحريم ارتفعت عنه المسئولية.
ويكفي في العلم بالتحريم إمكانه، فمتى بلغ الإنسان عاقلًا وكان ميسرًا له أن يعلم ما حرم عليه: إما برجوعه للنصوص الموجبة للتحريم، وإما بسؤال أهل الذكر، اعتبر عالمًا بالأفعال المحرمة، ولم يكن له أن يعتذر بالجهل أو يحتج بعدم العلم، ولهذا يقول الفقهاء: "لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام".
ويعتبر المكلف عالمًا بالأحكام بإمكان العلم لا بتحقق العلم فعلًا، ومن ثم يعتبر النص المحرم معلومًا للكافة ولو أن أغلبهم لم يطلع عليه أو يعلم عنه شيئًا
[ ١ / ٤٣٠ ]
ما دام العلم به كان ممكنًا لهم. ولم تشترط الشريعة تحقق العلم فعلًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى الحرج ويفتح باب الادعاء بالجهل على مصراعيه ويعطل تنفيذ النصوص.
هذه هي القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية ولا استثناء لها، وإذا كان الفقهاء يرون قبول الاحتجاج بجهل الأحكام ممن عاش في بادية لا يختلط بمسلمين، أو ممن أسلم حديثًا ولم يكن مقيمًا بين المسلمين، فإن هذا ليس استثناء في الواقع وإنما هو تطبيق للقاعدة الأصلية التي تمنع مؤاخذة من يجهل التحريم حتى يصبح العلم ميسرًا له، فمثل هؤلاء لم يكن العلم ميسرًا لهم، ولا يعتبرون عالمين بأحكام الشريعة. أما إذا كان مدعي الجهل ناشئًا بين المسلمين أو أهل العلم فلا يقبل منه الادعاء بالجهل.
ويلحق الجهل بمعنى النصوص الحقيقي بالجهل بذات النصوص، فحكمهما واحد، فلو ادعى الجاني أن النص لا يدل على التحريم أو أن نصًا آخر أباح الفعل المحرم، فإن جهله بالمعنى الحقيقي للنصوص لا يرفع عنه المسئولية الجنائية. وهذا هو الخطأ في التفسير كما نسميه اليوم في لغتنا القانونية.
ومن الأمثلة المشهورة في الشريعة على الخطأ في التفسير: أن جماعة من المسلمين شربوا الخمر في الشام مستحلين لها مستدلين بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣] فأقيم عليهم حد الخمر.
وتتفق القوانين الوضعية تمام الاتفاق مع الشريعة فيما يختص بأثر الجهل بالقانون على المسئولية الجنائية، فالقاعدة في القوانين الوضعية أن الإنسان لا يعذر بجهل القانون، وأن عبارة الجهل بالقانون تشمل العلم به والخطأ في فهمه وتفسيره، ولكن إذا كان الإنسان في ظروف يستحيل معها العلم بصدور قانون فله أن يحتج بالجهل، ويضربون لذلك مثلًا حالة المحاصرين في قلعة إذا خرجوا منها وخالفوا قوانين صدرت أثناء ضرب الحصار عليهم، وأساس الخروج على القاعدة أن هؤلاء لم يتيسر لهم العلم بالقانون.
[ ١ / ٤٣١ ]
٢٩٩ - أثر الخطأ على المسئولية الجنائية: الخطأ هو وقوع الشيء على غير إرادة فاعله. فالفاعل في جرائم الخطأ لا يأتي الفعل عن قصد ولا يريده، وإنما يقع الفعل منه على غير إرادته وبخلاف قصده، وفي بعض الأحيان يقصد الجاني فعلًا معينًا ليس جريمة ليس ذاته، فيتولد من هذا الفعل المباح ما يعتبر جريمة دون أن يقصد الجاني ما تولد عن فعله. وتعتبر الجريمة المتولدة عن الفعل المباح جريمة غير عمدية ولو أن الجاني قصد الفعل المباح؛ لأنه قصد بفعله محلًا غير المحل المحرم أي غير محل الجريمة. ومثال ذلك أن يتمضمض صائم فيسري الماء إلى حلقه، أو يرمي صائد طيرًا فيصيب إنسانًا. فالصائم قصد إدخال الماء إلى فمه ليتمضمض ولم يقصد إدخاله إلى حلقه ليفطر، فهو قد قصد فعلًا مباحًا، ولكن تولد عن الفعل المباح الذي قصده فعل آخر غير مباح لم يقصده وإنما وقع على غير إرادته. والصائد قصد صيد الطائر ولم يقصد إصابة المجني عليه، فهو قد قصد فعلًا مباحًا ولكن تولد عن الفعل المباح الذي قصده فعل آخر غير مباح لم يقصده وهو إصابة المجني عليه، ومحل الفعل المقصود هو الطائر ومحل الفعل الغير مقصود هو الإنسان.
والمخطئ كالعامد مسئول جنائيًا كلما وقع منه فعل يحرمه الشارع، ولكن سبب مسئوليتهما مختلف، فمسئولية العامد سببها أنه قصد عصيان أمر الشارع وتعمد إتيان ما حرمه أو ترك ما أوجبه، ومسئولية المخطئ سببها أنه عصى الشارع لا عن قصد ولكن عن تقصير وعدم تثبت واحتياط (١) .
٣٠٠ - المسئولية عن الخطأ استثناء: والأصل في الشريعة أن المسئولية الجنائية لا تكون إلا عن فعل متعمد حرمه الشارع ولا تكون عن الخطأ، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
_________________
(١) أصول الفقه للخضري ص١٣١.
[ ١ / ٤٣٢ ]
[الأحزاب: ٥]، ولقول الرسول ﵊: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، ولكن الشريعة أجازت العقاب على الخطأ استثناء من هذا الأصل (١)، من ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ [النساء: ٩٢] .
ولما كان الأصل هو العقاب على العمد، والاستثناء هو العقاب على الخطأ، فإنه يترتب على ذلك أن كل جريمة عمدية يعاقب عليها فاعلها إذا أتاها عامدًا، ولا يعاقب عليها إذا أتاها مخطئًا، ما لم يكن الشارع قد قرر عقوبة لمن أتاها مخطئًا؛ لأن الجريمة بهذا تصبح من جرائم العمد وجرائم الخطأ في أن واحد. فمن زنا عامدًا عوقب بعقوبة الزنا، ولكن من أتى امرأة أجنبية زفت إليه على أنها امرأته لا عقاب عليه؛ لأنه أخطأ والجريمة عمدية. ومن سرق عامدًا عوقب بعقوبة السرقة، ولكن من أخذ مال غيره سهوًا أو خطأ مع مال له لا عقاب عليه؛ لأنه أخطأ ولم يتعمد الفعل المحرم والجريمة عمدية. ومن شرب الخمر عوقب بعقوبة الشرب، ولكن من شربها يظنها ماء لا عقاب عليه؛ لأنه شربها من غير عمد والجريمة عمدية.
وهكذا كل جريمة عمدية أتاها الجاني عامدًا فعليه عقوبتها فإذا أتاها مخطئًا فلا عقاب عليه. ويمكن تعليل عدم العقاب بأن الخطأ يعدم ركنًا من أركان الجريمة العمدية فلا تتكون الجريمة، على أن انتفاء المسئولية الجنائية لانعدام ركن من أركان الجريمة لا يمنع من مسئولية الفاعل مسئولية مدنية، إذ القاعدة في الشريعة أن الدماء والأموال معصومة، وأن الاعذار الشريعة لا تنافي عصمة المحل، فمن زقت إليه امرأة على أنها زوجته فوطئها يحسبها زوجته لا يعاقب جنائيًا وإنما عليه مهرها؛ لأن الوطء في دا الإسلام لا يخلو من حد أو
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج٥ ص١٤٩ وما بعدها، وص١٥٤ وما بعدها.
[ ١ / ٤٣٣ ]
مهر. ومن أخذ خفية مالًا للغير وهو يحسبه ماله ثم صرف فيه لا يعتبر سارقًا لانعدام القصد الجنائي، ولكنه يلتزم بضمان هذا المال لصاحبه.
أما إذا كانت الجريمة مما يحرم إثباته عمدًا أو خطأ، كالقتل والجرح، فإن العامد يعاقب على فعله بالعقوبة المقررة للعمد، بينما يعاقب المخطئ بالعقوبة المقررة للخطأ، وقد بينا من قبل أن الشارع يفرق بين عقوبة العامد وعقوبة المخطئ، فيغلظ عقوبة الأول ويخفف عقوبة الثاني (١) .
ويلاحظ أن الصالح العام هو الذي اقتضى العقاب على الخطأ، فهناك من جرائم الخطأ ما له خطورته ويكثر وقوعه، كالقتل والجرح خطأ، ولما كان أساس الخطأ هو التقصير وعدم الاحتياط فقد عاقب الشارع على الجرائم الخطأ التي يكثر وقوعها ولا يخفى خطرها؛ لأن العقاب عليها يحقق مصلحة عامة إذ يحمل الأفراد على التثبت والاحتياط فيقل هذا النوع من الجرائم.
ولقد نصت الشريعة الإسلامية على جرائم معينة واعتبرت أغلب هذه الجرائم عمدية وأقلها من جرائم الخطأ، ولما كان الأصل هو العقاب على الجرائم العمدية والاستثناء هو العقاب على الخطأ فإنه لا يجوز لولي الأمر أن يعاقب من ارتكب خطأ جريمة عمدية إلا إذا كان في ذلك تحقيق مصلحة عامة، وهذا يصدق على الجرائم متى حرمتها الشريعة، أما الجرائم التي حرمها أولو الأمر فلهم فيها أن يعاقبوا على العمد والخطأ مع مراعاة الشريعة الأصلية، وهي أن العقاب على العمد هو الأصل، وأن العقاب على الخطأ هو الاستثناء، وأن العقاب على الخطأ لا محل له ما لم يحقق مصلحة عامة (٢) .
_________________
(١) راجع الفقرة ٢٨٥.
(٢) لا يجيز المعتزلة العقاب على الخطأ إلا ما نص عليه، وحجتهم أن المؤاخذة تكون بالجناية، والجناية لا تكون إلا بالقصد، والخطأ لا قصد فيه فلا جناية فيه ولا مؤاخذة عليه، ولكن الجمهور يرى أن في الخطأ عدم تثبت والاحتياط الواجبين، فمن تسبب في خطأ أو باشره فقد أتى بجناية وجازت مؤاخذته، راجع: فواتح الرحموت لعبد العلي الأنصاري ج١ ص١٦٦.
[ ١ / ٤٣٤ ]
٣٠١ - أنواع الخطأ: الخطأ في الشريعة على نوعين: خطأ متولد، وخطأ غير متولد. الخطأ المتولد: هو ما تولد عن فعل مباح أو فعل أتاه الفاعل وهو يعتقد أنه مباح. والخطأ المتولد إما أن يكون مباشرًا، كمن يرمي طائرًا فيصيب شخصًا، وكمن يرمي جنديًا في صفوف الأعداء أو عليه لباسهم معتقدًا أنه من العدو ثم يتبين أنه من جنود الوطن. وإما أن يكون بالتسبب، كمن يحفر بئرًا في الطريق العام بإذن من ولي الأمر ولا يتخذ الاحتياطات لمنع المارة من السقوط فيه.
الخطأ غير المتولد: هو كل ما عدا الخطأ المتولد، وهو إما أن يكون خطأ مباشرًا فيقع من المخطئ مباشرة دون واسطة، كما لو انقلب نائم على صغير بجواره فقتله، وإنما أن يكون خطأ بالتسبب، وهو ما يتسبب فيه المخطئ دون أن يقع منه مباشرة، كما لو حفر شخصًا بئرًا في الطريق العام دون إذن ولي الأمر فوقع فيه أحد المارة، وكما لو وضع شخص أحجارًا في الشارع العام دون إذن فاصطدم فيها شخص وأصيب.
ويطلق بعض الفقهاء على الخطأ المتولد المباشر لفظ الخطأ مطلقًا من كل قيد، ويسميه بعضهم: الخطأ المحض، أما الخطأ المباشر غير المتولد، والخطأ بالتسبب متولدًا وغير متولد، فيسمونه اصطلاحًا: ما جرى مجرى الخطأ (١)، ومن الفقهاء من لا ينوع الخطأ ولا يفرق بين صوره المختلفة ويسميها جميعًا خطأ.
٣٠٢ - أساس الخطأ: أساس الخطأ في الشريعة هو في الأصل عدم التثبت والاحتياط، ولكن لا يشترط مع هذا لمسئولية المخطئ أن يقع منه تقصير في كل الأحوال، وإنما يشترط وقوع التقصير في الخطأ المتولد، أما فيما عداه فالتقصير
_________________
(١) راجع الفقرة ٢٨٥.
[ ١ / ٤٣٥ ]
مفترض في الجاني ولا يعفي من المسئولية إلا إذا ثبت أنه ألجئ إليه إلجاء.
ويسير الفقهاء على قاعدتين عامتين يحكمان الخطأ، وبتطبيقهما نستطيع أن نقول إن شخصًا ما أخطأ أو لم يخطئ (١):
القاعدة الأولى: إذا أتى الجاني فعلًا مباحًا أو يعتقد أنه مباح فتولد عنه ما ليس مباحًا فهو مسئول عنه جنائيًا، سواء مباشره أو تسبب فيه، إذا ثبت أنه كان يمكنه التحرز منه، فإذا كان لا يمكنه التحرز منه إطلاقًا فلا مسئولية.
القاعدة الثانية: إذا كان الفعل غير مباح فأتاه الجاني أو تسبب فيه دون ضرورة ملجئة، فهو تعد من غير ضرورة، وما نتج عنه يسأل الجاني عنه جنائيًا، سواء كان مما يمكن التحرز عنه أو مما لا يمكن التحرز عنه.
٣٠٣ - نوع من الخطأ عند مالك: ويعتبر مالك من الخطأ الأفعال التي يأتيها الجاني بقصد التأديب أو اللعب إذا أدت لموت المجني عليه أو جرحه، وقد أخذ بهذا الرأي نتيجه لعدم اعترافه بشبه العمد؛ لأن القتل عنده ليس إلا عمدًا أو خطأ، والعمد ما قصد فيه الجاني العدوان، والخطأ هو ما عدا ذلك، ومن يأت الفعل بقصد التأديب أو اللعب لا يتوفر لديه قصد العدوان بحسب رأي مالك ومن ثم أعتبر فعله خطأ لا عمدًا.
٣٠٤ - الخطأ في الشخص والخطأ في الشخصية: يراد بالخطأ في الشخص أن يقصد الجاني قتل شخص معين فيصيب غيره، ويراد بالخطأ في الشخصية أن يقصد الجاني قتل شخص على أنه زيد فيتبين أنه عمرو. والخطأ في الشخص والخطأ في الشخصية نوعان من الخطأ المتولد، فالخطأ في الشخص هو الخطأ في الفعل، فمن يرمي شخصًا معينًا فيخطئه ويصيب غيره فقد أخطأ في فعله، والخطأ الذي وقع فيه متولد عن فعله الذي قصده. أما الخطأ في الشخصية فهو خطأ في ظن
_________________
(١) بدائع الصنائع ج٧ ص٢٧١، ٢٧٢.
[ ١ / ٤٣٦ ]
الفاعل وقصده، فمن رمى شخصًا على أنه زيد ثم تبين أنه رمى عمرًا فقد أخطأ في قصده، والخطأ الذي وقع فيه تولد عما ظنه صحيحًا وقصده.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الخطأ في الشخص والشخصية، فرأى البعض أن الجاني يسأل عن الجريمة باعتباره متعمدًا، ورأى البعض أن الجاني يسأل عن الجريمة باعتباره مخطئًا.
فأما القائلون بأن الجاني يعتبر عامدًا فهم أغلب الفقهاء في مذهب مالك وبعض فقهاء المذهب الحنبلي، وهؤلاء يفرقون بين ما إذا كان الفعل المقصود أصلًا محرمًا أو غير محرم، فإن كان الفعل المقصود أصلًا محرمًا فإن الخطأ في الفعل أو في الظن لا يؤثر على مسئولية الجاني شيئًا؛ لأنه قصد في الأصل فعلًا محرمًا فهو جان متعمد، فمن أراد قتل زيد فأخطأه وقتل عمرًا يعتبر قاتلًا عمدًا لعمرو، ومن قتل عمرًا حاسبًا أنه زيد يعتبر قاتلًا عمدًا عمرو. أما إذا كان الفعل المقصود أصلًا غير محرم فإن الخطأ في الفعل أو في الظن يكون له أثره على مسئولية الجاني؛ لأنه قصد فعلًا مباحًا فإذا أخطأ في فعله أو في ظنه فهو جان مخطئ لا متعمد، فمن رمى صيدًا أو غرضًا فأخطأه وقتل آدميًا يعتبر قاتلًا خطأ، ومن رمى حربيًا أو مهدر الدم فأخطأه وقتل معصومًا يعتبر كذلك قاتلًا خطأ، ومن قتل عمرًا وهو يحسبه زيدًا المهدر الدم يعتبر أيضًا قاتلًا خطأ (١) .
وأما القائلون بأن الجاني يعتبر مخطئًا فهم فقهاء مذهبي أبي حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة، وهؤلاء جميعًا يرون أن من قصد قتل شخص أو إصابته فأخطأ في فعله وقتل أو أصاب غيره، أو أخطأ في ظنه، وتبين أنه قتل أو أصاب غير من قصده، فإن الجاني يكون مسئولًا عن القتل أو الجرح الخطأ فقط، سواء كان الفعل
_________________
(١) مواهب الجليل ج٦ ص٢٤٠- ٢٤٣، الشرح الكبير للدردير ج٤ ص٢١٥، المغني ج٩ ص٣٣٩.
[ ١ / ٤٣٧ ]
الذي قصده أصلًا مباحًا أو محرمًا؛ لأن الجاني لم يقصد قتل من قتل ولا إصابة من أصيب، ولو علم بأنه يخطئ ما أقدم على الفعل (١) .
ويفرق بعض الفقهاء في مذهب مالك بين الخطأ في الشخص والخطأ في الشخصية، ويرون أن الجاني يسأل باعتباره مخطئًا في حالة الخطأ في الشخص سواء كان الفعل الذي قصده أصلًا مباحًا أو محرمًا، أما في حالة الخطأ في الشخصية فيسأل الجاني باعتباره عامدًا كلما كان الفعل الذي قصده أصلًا محرمًا.
ورأى القائلين باعتبار الجاني عامدًا إذا كان الفعل المقصود أصلًا محرمًا يتفق مع رأي شراح القانون المصري، ورأى أغلب الشراح الفرنسيين، ورأى القائلين باعتبار الجاني مخطئًا في كل الأحوال يتفق مع النظرية الألمانية، أما القائلون بالتفرقة بين الخطأ في الشخص والخطأ في الشخصية فيتفق رأيهم مع ما يقول به بعض الشراح الفرنسيين (٢) .
٣٠٥ - أثر النسيان على المسئولية: النسيان هو عدم استحضار الشيء في وقت الحاجة إليه. وقد قرنت الشريعة الإسلامية النسيان بالخطأ في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وفي قول الرسول - ﷺ -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان".
وقد اختلف الفقهاء في حكم النسيان، فرأى البعض أن النسيان عذر عام في العبادات والعقوبات، وأن القاعدة العامة في الشريعة أن من فعل محظورًا ناسيًا فلا إثم عليه ولا عقاب، لكن الناسي إذا أعفي من المسئولية الجنائية فإنه
_________________
(١) بدائع الصنائع ج٧ ص٢٣٤، نهاية المحتاج ج٧ ص٢٣٧، الإقناع ج٤ ص١٦٨، المغني ج٩ ص٣٣٩.
(٢) شرح قانون العقوبات للدكتورين كامل مرسي والسعيد مصطفى ص٣٥٦ وما بعدها، القانون الجنائي لعلي بدوي ص٣٥٦.
[ ١ / ٤٣٨ ]
لا يعفى من المسئولية المدنية؛ لأن الأموال والدماء معصومة والأعذار الشريعة لا تتنافى مع عصمة المحل (١)، وطبقًا لهذا الرأي لا يعاقب الناسي إذا ارتكب فعلًا محرمًا ما دام قد أتى الفعل وهو لا يذكر أنه محرم، ولكن النسيان لا يسقط الواجبات بل على الناسي إتيانها حين يذكرها أو يذكر بها، وإلا وجبت عليه العقوبة المقررة.
ويرى البعض أن النسيان عذر بالنسبة للمؤاخذة في الآخرة؛ لأن العقوبة الأخروية تنقضي على القصد ولا قصد للناسي. أما بالنسبة لأحكام الدنيا فلا يعتبر النسيان عذرًا معفيًا من العقوبة الدنيوية إلا فيما يتعلق بحقوق الله تعالى، فإنه يعتبر عذر فيها بشرط أن يكون هناك داع طبيعي للفعل، وأن لا يكون هناك ما يذكر الناسي بما نساه. ويضربون مثل لذلك أكل الصائم ناسيًا فإن طبع الإنسان يدعوه للأكل وليس هناك ما يذكره بالصوم. أما ما يتعلق بحقوق الأفراد فالنسيان لا يعتبر فيها عذرًا بأي حال (٢) .
وإذا كانت بعض الجرائم مما يمس حقوق الله كالزنا وشرب الخمر وما أشبه، إلا أنه يمكن القول بأن الجرائم التي يعتبر النسيان فيها عذرًا يندر وقوعها؛ لأن نسيان الفعل المحرم نادر في ذاته؛ ولأن الجريمة التي تنسى يجب أن يندفع إليها الناسي بدوافع طبيعية كما يجب أن لا يكون هناك ما يذكره بالتحريم. ويمكننا أن نتصور من أسلم حديثًا يعطش فيشرب الخمر ناسيًا، ومن طلق امرأته طلاقًا بائنًا يأتيها وهي في العدة ناسيًا.
وسواء أخذ بهذا الرأي أو بالرأي السابق فإن ادعاء النسيان وحده لا يعفي من العقاب، وإنما يبقى قبل كل شئ أن يثبت الجاني أنه ارتكب الجريمة ناسيًا،
_________________
(١) أعلام الموقعين ج٢ ص١٤٠، المستصفى للغزالي ج١ ص٨٤، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج١ ص٢١٧، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ج٥ ص١٤٩ وما بعدها.
(٢) أصول الفقه للخضري ص١١٩، مجلة القانون والاقتصاد السنة الأولى ص٣٧٤، الأشباه والنظائر ص١٦٦، ١٦٧.
[ ١ / ٤٣٩ ]
وهذا عمل من الصعوبة بمكان، ومن ثم كان مبحث النسيان في الجرائم مبحثًا قليل الأهمية، إذ يندر أن يستطيع شخص أن يثبت بدليل مقنع أنه ارتكب الجريمة ناسيًا.
والنسيان عند أصحاب الرأي الأخير لا يسقط الواجبات أيضًا، فالواجب يظل واجبًا على الناسي وعليه أن يفعله، كما أن النسيان يعتبر شبهة تدرأ العقوبة كلما وجبت عقوبة الحد على الناسي، وإذا درأت عقوبة الحد حل محلها التعزير، فأثر النسيان على الجرائم طبقًا للرأي الأخير قاصر على إعفاء الناسي من العقوبة في بعض الأحوال ودرء عقوبة الحد عنه في حالات أخرى.
* * *