أثر الرضاء بالجريمة على المسئولية الجنائية
٣٠٦ - أثر الرضاء على المسئولية الجنائية: الأصل في الشرعية الإسلامية أن رضاء المجني عليه بالجريمة وإذنه فيها لا يبيح الجريمة ولا يؤثر على المسئولية الجنائية إلا إذا هدم الرضا ركنًا من أركان الجريمة كالسرقة والغصب مثلًا، فإن الركن الأساسي في الجريمتين هو أخذ المال على غير رغبة المجني عليه، فإذا رضي المجني عليه بأخذ المال كان الفعل مباحًا لا جريمة.
وهذه القاعدة العامة تطبقها الشريعة بدقة على كل الجرائم ما عدا جرائم الاعتداء على لنفس وما دونها، أي جرائم القتل والجرح والضرب، وكان المنطق يقضي أن تطبيق القاعدة على هذه الجرائم أيضًا؛ لأن الرضا لا يهدم ركنًا من أركان جريمة القتل أو الجرح أو الضرب، ولكن الذي منع من تطبيق هذه العاقدة هو وجود قاعدة أخرى خاصة بهذه الجرائم، وهي أن للمجني عليه وأوليائه حق العفو عن العقوبة الأصلية في الجناية على النفس وما دون النفس، فلهم أن يعفوا عن القصاص إلى الدية، ولهم أن يعفوا عن القصاص والدية معًا، فلا يبقى بعد ذلك إلا تعزير الجاني إن رأى ذلك أولو الأمر، أي من لهم حق التشريع.
[ ١ / ٤٤٠ ]
وقد أدى وجود القاعدتين معًا إلى اختلاف الفقهاء على المدى الذي تطبق فيه كل قاعدة، كما جعل آراء الفقهاء في القتل تختلف عن آرائهم في القطع والجرح، ولهذا سنتكلم أولًا عن الرضاء بالقتل، ثم نتكلم بعد ذلك عن الرضاء بالقطع والجرح.
٣٠٧ - الرضاء بالقتل: يرى أبو حنيفة وأصحابه أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل؛ لأن عصمة النفس لا تباح إلا بما نص عليه الشرع، والإذن بالقتل ليس منها، فكان الإذن عدمًا لا أثر له على الفعل، فيبقى الفعل محرمًا معاقبًا عليه باعتباره قتلًا عمدًا، لكنهم اختلفوا فيما بينهم على العقوبة التي توقع على الجاني، فرأى أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد أن يدرءوا عقوبة القصاص عن الجاني، وأن تكون العقوبة الدية على أساس أن الإذن بالقتل شبهة، وأن الرسول - ﷺ - يقول: "ادرأوا الحدود بالشبهات"، والقصاص معتبر حدًا، فكل شبهة تقوم في فعل مكون لجريمة عقوبتها القصاص يدرأ بها الحد عن الجاني، ورأى زفر أن الإذن لا يصلح أن يكون شبهة، ومن ثم فهو لا يدرأ القصاص، فوجب أن يكون القصاص هو العقوبة (١) .
والرأي الراجح في مذهب مالك أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل ولا يسقط العقوبة، ولو أبرأ المجني عليه الجاني من دمه مقدمًا؛ لأنه أبرأه من حق لم يستحقه بعد، وعلى هذا يعتبر الجاني قاتلًا عمدًا. وبعض أصحاب هذا الرأي يرى أن تكون العقوبة القصاص حيث لا يعتبر الإذن شبهة تدرأ القصاص ويوجب الدية بدلًا من القصاص.
أما الرأي المرجوح في مذهب مالك - وينسبه ابن عرفة لسحنون - فهو أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل، ولكنه يسقط عقوبتي القصاص والدية معًا، وإن
_________________
(١) بدائع الصنائع ج٧ ص٢٣٦.
[ ١ / ٤٤١ ]
كان لا يمنع من التعزير. ولكن الرأي المعروف عن سحنون في العتيبة (١) أنه يدرأ القصاص عن الجاني للشبهة ويوجب الدية (٢) .
وفي مذهب الشافعي رأيان: أولهما: أن الإذن في القتل يسقط عقوبتي القصاص والدية ولا يبيح الفعل. وثانيهما: أن الإذن في القتل لا يبيح الفعل ولا يسقط العقوبة، وبعض أصحاب هذا الرأي يرى في الإذن شبهة تدرأ القصاص وتوجب الدية، وبعضهم الآخر يوجب القصاص ولا يرى في الإذن شبهة (٣) .
ويرى أحمد وأصحابه أن الإذن في القتل يسقط العقوبة على الجاني؛ لأن من حق المجني عليه العفو عن العقوبة، والإذن بالقتل يساوي العفو عن عقوبة القتل (٤) . وهذا التعليل هو نفس ما يقول به أصحاب الرأي الأول في مذهب الشافعي.
٣٠٨ - الرضاء بالجرح والقطع: يرى أبو حنيفة وأصحابه أن الإذن بالقطع والجرح يترتب عليه منع العقوبة؛ لأن الأطراف عندهم يسلك مسلك الأموال، وعصمة المال تثبت حقًا لصاحبه، فكانت العقوبة على القطع والجرح محتملة السقوط بالإباحة والإذن. ولكنهم اختلفوا فيما إذا أدى الجرح أو القطع للموت، فأبو حنيفة يرى الفعل قتلًا عمدًا؛ لأن الإذن كان عن الجرح أو القطع فلما مات تبين أن الفعل وقع قتلًا لا جرحًا ولا قطعًا، ومن ثم فعليه عقوبة القتل العمد، ولما كان الإذن يعتبر شبهة تدرأ القصاص فيتعين أن تكون العقوبة الدية، أما أبو يوسف ومحمد فمن رأيهما أنه إذا أدى الجرح
_________________
(١) اسم كتاب في فقه مذهب مالك.
(٢) مواهب الجليل للحطاب ج٦ ص٢٣٥، ٢٣٦، الشرح الكبير للدردير ج٤ ص٢١٣.
(٣) نهاية المحتاج ج٧ ص٤٢٨.
(٤) الإقناع ج٤ ص١٧١.
[ ١ / ٤٤٢ ]
أو القطع للموت فلا شئ على الجاني إلا التعزير؛ لأن العفو عن الجرح أو القطع عفو عما تولد منه وهو القتل (١) .
ومذهب مالك هو أن الإذن بالقطع أو الجرح لا عبرة به إلا إذا استمر المجني عليه مبرئًا له بعد الجرح أو القطع، فإن لم يبرئ المجني عليه الجاني بعد الجرح أو القطع فقد وجبت العقوبة المقررة وهي القصاص أو الدية إذا امتنع القصاص لسبب شرعي، أما إذا استمر المجني عليه مبرئًا للجاني فإن العقوبة المقررة أصلًا وهي القصاص والدية تسقط ويحل محلها التعزير، هذا إذا لم يؤدي الجرح أو القطع للموت، فإذا أدى إليه اعتبر الجاني قاتلًا عمدًا ووجبت عقوبة القتل العمد (٢) .
والإذن بالجرح والقطع يسقط العقوبة في مذهب الشافعي ما لم تر الجماعة عقابه تعزيرًا، فإذا أدى الجرح أو القطع إلى الموت فمن فقهاء المذهب من يرى مسئولية الجاني عن القتل العمد، ولكنه يدرأ القصاص لشبهة الإذن، فتكون الدية هي العقوبة، ومن فقهاء المذهب من يرى امتناع العقاب؛ لأن الموت تولد عن فعل مأذون فيه (٣)، والإذن يسقط العقوبة.
والإذن بالجرح والقطع عن أحمد كالإذن بالقتل مسقط للعقوبة وإن كان الإذن لا يبيح الفعل؛ لأن للمجني عليه الحق في إسقاط العقوبة، وقد أسقطها بإذنه (٤) .
٣٠٩ - أسباب الخلاف بين الفقهاء في الإذن بالقتل والجرح: أساس الاختلاف في هذه المسألة أن المجني عليه وأوليائه العفو عن العقوبة في القتل والجرح، والعقوبة أصلًا هي القصاص، فإذا امتنع لسبب شرعي حلت
_________________
(١) بدائع الصنائع ج٧ ص٢٣٦، ٢٣٧.
(٢) الشرح الكبير للدردير ج٤ ص٢١٣.
(٣) نهاية المحتاج ج٧ ص٢٤٨، ٢٩٦، تحفة المحتاج ج٤ ص٣٠، ٣١.
(٤) الإقناع ج٤ ص٣٧١.
[ ١ / ٤٤٣ ]
محله الدية، وللمجني عليه وأوليائه أن يعفو عن القصاص إلى الدية، وأن يعفو عن الدية والقصاص معًا، فإذا عفوا سقطت العقوبة المقررة للقتل أو الجرح ولم يبق إلا عقوبة التعزير إن رأى ولاة الأمور تقريرها في حالة العفو.
وعلى هذا الأساس قام اختلافهم في القتل، فمن قال بأن الإذن يمنع من العقاب اعتبر الإذن عفوًا مقدمًا ورتب عليه سقوط العقوبة، ومن قال بأن الإذن لا يمنع من العقاب رأى أن الإذن لا يعتبر عفوًا؛ لأن العفو عن القتل يستدعي وجود القتل، فإذا جاء العفو قبل القتل فهو عفو غير صحيح؛ لأنه لم يصادف محله، ومعنى ذلك أن حق المجني عليه في العفو لا ينشأ إلا بعد وقوع الجريمة، فإذا عفا قبل وقوعها فقد وقع عفوه لغوًا؛ لأن حقه لم يكن نشأ بعد حتى يعفو عنه، ومن جعل العقوبة الدية اعتبر الإذن شبهة تدرأ الحد أي القصاص، ومن قال بالقصاص لم يجعل الإذن شبهة دارئة القصاص.
أما في حالة الجرح الذي لم يؤد إلى موت المجني عليه فمن قال بإسقاط العقوبة اعتبر الإذن بالجرح أو القطع عفوًا مقدمًا، واعتبره عفوًا صحيحًا؛ لأنه استمر حتى تم إحداث الجرح أو القطع، ومن قال بعدم سقوط العقوبة اعتبر الإذن السابق باطلًا؛ لأنه لم يصادف محله واشترط لإسقاط العقاب أن يبرئ المجني عليه الجاني بعد الجرح أو القطع.
ومن أسقط العقاب في الجرح المؤدي للموت اعتبر الموت متولدًا عن الجرح وهو مأذون فيه، وما تولد عن عفو عنه أخذ حكمه. ومن رأى العقاب أعتبر الإذن عن جرح لا عن قتل، فإذا ظهر أن الفعل قتل فهو غير مأذون فيه، ولكنه مع ذلك اعتبر الإذن الباطل شبهة تدرأ القصاص.
٣١٠ - بين الشريعة والقانون: القاعدة العامة من القوانين أن رضاء المجني عليه بالجريمة لا يبيح القتل ولا يرفع العقاب إلا إذا كان الرضاء يعدم ركنًا من أركان الجريمة، وفي هذا تتفق القوانين مع الشريعة إلا أن القوانين الوضعية
[ ١ / ٤٤٤ ]
تجعل الرضاء ركنًا في بعض الجرائم التي لا يغير الرضاء من طبيعتها شيئًا، كالزنا فإن الرضاء به لا يغير من طبيعة الجريمة، ولا يحي لمن عمل الفعل مناف للأخلاق خارج على المألوف إلى عمل متفع مع الأخلاق والعادات المألوفة، ومثل ذلك اللواط، وهتك العرض. وهذا لا يتفق مع مبادئ الشريعة، كما أنه خروج من القوانين على القاعدة العامة التي ذكرناها، إذ المفروض في الرضاء أن يؤثر على أركان الجريمة الطبيعية، كما هو الحال في السرقة؛ إذ أن الرضاء يعدم الجريمة، أما الرضاء في الزنا فلا أثر له إطلاقًا، والفعل في حالة الرضاء وعدمه زنًا لا شك فيه، في لسان العرف، والعادات، والأخلاق، وآداب الجماعة.
ويلاحظ أن رضاء المجني عليه بالجرح والقطع والقتل في الشريعة الإسلامية لا أثر له على تكوين الجريمة، وإنما أثره قاصر على إسقاط العقوبة، لا لأن المجني عليه أو أولياءه رضوا بالجريمة، وإنما لأن من حقهم العفو عن العقوبة.
والشريعة حين تقرر للمجني عليه ووليه حق العفو في الجرائم التي ذكرناها لا يأتي بمبدأ غريب على القوانين، وطبقته في الجرائم التي تمس العرض، فالقانون المصري مثلًا يعطي للزوج حق العفو عن عقاب زوجته الزانية، فإذا عفا سقطت عنها العقوبة ولو كان قد حكم بها وبدئ في تنفيذها. على أن هناك فرقًا بين الشريعة والقوانين في هذه المسألة، فالشريعة إذا أعطت للمجني عليه أو وليه حق العفو عن العقوبة، فإنما أعطته حق العفو عن العقوبة الأصلية فقط، وهي القصاص أو الدية، ولم ترتب على عفوه سقوط حق الجماعة في العقاب بصفة مطلقة، بل تركت للجماعة أن تعاقب الجاني إذا شاءت بعقوبة أقل شدة من العقوبة الأصلية، فالعفو في جرائم القتل والجرح يؤدي إلى إسقاط حق المجني عليه في التعويض، وإلى استبدال عقوبة مخففة بعقوبة مغلظة، ولكنه لا يؤدي إلى إسقاط العقوبة كلية، بينما العفو عن الزوجة الزانية طبقًا للقانون المصري يمنع من عقابها بأية عقوبة أخرى، ومعنى
[ ١ / ٤٤٥ ]
ذلك أن حق العفو الذي منحته الشريعة للمجني عليه مقيد بمصلحة الجماعة، بينما حق العفو الذي تمنحه القوانين للمجني عليه غير مقيد بقيد ما.
وإذا كانت القوانين الوضعية لا تعطي المجني عليه أو وليه حق العفو في جرائم القتل والجرح والضرب، فإن عفو المجني عليه أو وليه يؤدي عملًا إلى مثل ما أدت إليه نظرية الشريعة في هذه المسألة، إذ القوانين الوضعية تجعل للقتل والجرح عادة عقوبتين، وتترك للقاضي أن يختار إحداهما، كما أنها تترك للقاضي أن يستبدل بالعقوبات الأصلية عقوبات أخف منها إذا اقتضت ظروف الجاني والجانية هذا التخفيف، ولا شك في أن عفو المجني عليه وأوليائه من أهم الظروف التي تدعو إلى تخفيف العقوبة على الجاني، كما أن العفو يؤدي بطبيعته إلى إسقاط التعويض المدني، وبهذا ينتهي العفو في دائرة القوانين من الوجهة العملية إلى مثل النتائج التي يؤدي إليها العفو في الشريعة الإسلامية.
على أن بعض القوانين الوضعية كالقانون الألماني تجعل لرضاء المجني عليه في حالة القتل والشروع فيه أثرًا على العقوبة، وتفرق بين هذه الحالة وحالة القتل العمد بدون رضاء المجني عليه، وتجعل القتل برضاء المجني عليه جريمة من نوع خاص، وتعاقب عليها بعقوبة تقل عن عقوبة القتل العمد. وما هذه المبادئ القانونية إلا تطبيق لنظرية الشريعة الإسلامية.
وتمتاز نظرية الشريعة بأن فيها أسهل الحلول للمعضلة التي تواجه المحاكم وشراح القانون اليوم، وهي قتل المريض الميئوس منه لتخليصه من آلامه.
٣١١ - الانتحار والمسئولية الجنائية: تحرم الشريعة الإسلامية الانتاحر كما تحرم القتل، وقد جاء التحريم في القرآن، كما جاءت به السنة، فالله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]، والانتحار قتل نفس، ويقول جل شأنه: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ويقول الرسول - ﷺ -: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا
[ ١ / ٤٤٦ ]
مخلدًا فيها أبدًان ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا"، والانتحار قد يكون عمدًا، وقد يكون خطأ، وكلاهما محرم.
وإذا نجحت عملية الانتحار ومات المنتحر، فلا عقوبة عليه؛ لأن العقوبة تسقط بالموت، ولكن الفقهاء اختلفوا في الكفارة، فرأى مالك وأبو حنيفة أن لا كفارة في قتل النفس مطلقًا، ويظاهرهما على هذا الرأي في مذهب أحمد. أما الشافعي فيرى أن قتل نفسه عمدًا أو خطأ وجبت الكفارة في ماله ويرى بعض الفقهاء في مذهب أحمد ما يراه الشافعي من وجوب الكفارة في قتل النفس، ولكنهم لا يوجبون الكفارة إلا في مال من قتل نفسه خطأ (١) . والكفارة عقوبة تعبدية يقصد منها مصلحة الجاني نفسه، فمن أوجبها في مال المنتحر فقد راعى هذه الناحية.
ويترتب على تحريم الانتحار أن يعاقب شريك المنتحر؛ سواء كان الاشتراك بالتحريض، أو الاتفاق، أو العون.
وإذا لم يمت من حاول الانتحار عوقب على محاولته الانتحار، وعوقب معه شركاؤه في الجريمة، وعقوبة الجميع هي التعزير.
وطريقة الشريعة في تحريمها الانتحار والعقاب على الاشتراك والشروع فيه تتفق مع ما يأخذ به الكثير من القوانين الوضعية الحديثة، كالقانون الإنجليزي، والسوداني، والإيطالي، وغيرهم. أما القانون المصري، والقانون الفرنسي، فلا يعتبر الانتحار فيهما جريمة، وكذلك لا يعتبر الاشتراك في الانتحار.
٣١٢ - إصابة الشخص نفسه: وتحرم الشريعة على الإنسان أن يصيب نفسه بأذى عمدًا أو خطأ؛ فليس له أن يجرح نفسه أو يقطع طرفه أو غير ذلك، فإن فعل عوقب على ذلك بعقوبة تعزيرية، وإذا كان من المحرم أن يصيب
_________________
(١) أسنى المطالب ج٤ ص٩٥، نهاية المحتاج ج٧ ص٣٦٥، ٣٦٦، المغني ج١٠ ص٣٨، ٣٩، بدائع الصنائع ج٧ ص٢٥٢، شرح الدردير ج٤ ص٢٥٤، مواهب الجليل ج٦ ص٢٦٨.
[ ١ / ٤٤٧ ]
الإنسان نفسه، فإن من المحرم على غيره أن يشترك معه في تلك الجريمة.
وتتفق الشريعة في هذا مع كثير من القوانين الوضعية، وإن كانت بعض القوانين كالقانون المصري تجعل التحريم مقصورًا على أشخاص معينين، وفي حالات معينة.
٣١٣ - المبارزة والمسئولية الجنائية: المبارزة قتال ين شخصين قد يكون متفقًا عليه من قبل، وقد ينشب دون سابقة اتفاق. وقد يحرص كل من المتبارزين على قتل صاحبه، وقد ينوي أن يخرجه حتى يعجزه عن المبارزة ولا يشترط في المبارزة أن يكون بسلاح معين، فيصح أن تكون بالسيوف أو الخناجر، ويصح أن تكون بالأسلحة النارية، ويصح أن تكون بالعصا، ويصح أن تكون بالأيدي، والمهم في المبارزة أن يحرص كل على قتل صاحبه، أو جرحه، أو إيذائه، فإن كانت المبارزة مقصودًا بها مجرد إظهار المهارة والتفوق، ولم يقصد بها الإيذاء، فهي نوع من أنواع الفروسية التي تبيحها الشريعة، وسنتكلم عليها فيما بعد. أما المبارزة المقصود بها الإيذاء أو الجرح أو القتل، فهي محرمة شرعًا؛ لأنها ليست إلا قتلًا أو جرحًا أو إيذاء، وهذه أفعال تحرمها الشريعة تحريمًا قاطعًا، فمن تبارز مع آخر فقتله، فهو قاتل متعمد إذا تعمد قتله، وإذا جرحه وهو يقصد قتله فأدى الجرح لموته، فهو قاتل متعمد، أما إذا جرحه بقصد تعطيله فقط، ولم يقصد قتله، فهو جارح عمدًا، فإن أدى الجرح لموته فهو قاتل شبه متعمد.
ولا تبيح الشريعة المبارزة لإيذاء الخصم إلا في الحرب، ففي الحرب تجوز المبارزة مع المحارب، ويباح قتله، وجرحه، وإيذاؤه؛ لأن دمه مهدرن كذلك تجوز مبارزة الباغي وقت الحرب ولو أنه مسلم؛ لأن البغاه تهدر دماؤهم وقت الحرب. ولقد دعى رسول الله - ﷺ - يوم أحد للبراز فأجاب، وأذن لأصحابه للبراز يوم بدر، ويوم الخندق، والفقهاء يبيحون البراز، سواء دعا إليه المقاتل ابتداء أو كان إجابة لدعوة غيره، ولكن أبا حنيفة لا يبيح للمقاتل أن يدعو
[ ١ / ٤٤٨ ]
للبراز مبتدئًا؛ لأن ذلك تطاول وبغي في رأيه، بينما بقية الفقهاء يرون الدعوة للبراز ابتداء نوعًا من إظهار القوة وإرهاب العدو (١) .
ويجب أن نفرق في المبارزة المحرمة بين حالتين. الأولى: ما إذا أحل كل من المتبارزين زميله من دمه، وفي هذه الحالة تطبق القواعد الخاصة برضاء المجني عليه بالقتل والجرح، وقد سبق أن بينا هذه القواعد. الثانية: إذا لم يحل أحد المتبارزين الآخر من دمه، وفي هذه الحالة تطبق على القاتل أو الجارح النصوص الخاصة بالقتل والجرح، ولا يكون لاتفاق المتبارزين أثر على العقوبة الواجبة؛ لأن الاتفاق على المبارزة ليس معناه الرضاء بالقتل والجرح.
فالمبارزة في الشريعة تخضع للنصوص العامة التي تحرم القتل والجرح؛ لأن المبارزة تؤدي إلى القتل والجرح. وهناك نصوص يمكن أن يستدل بها على تحريم المبارزة، ومن ذلك ما رواه أبو بكرة حيث يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" فقلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". ومن ذلك قوله - ﷺ -: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، ولكننا لسنا في حاجة لهذه النصوص الخاصة لتحريم المبارزة؛ لأن النصوص العامة التي حرمت القتل والجرح كفيلة بهذا التحريم.
وإذا أدت المبارزة إلى قتل أحد المتبارزين أو جرحه فإن القتل والجرح ينسب لفاعله فقط ولا ينسب للمتبارزين معًا، ولا يعتبر اتفاقهما على المبارزة ونشوء القتل والجرح عن التقائهما اشتراكًا منهما في القتل أو الجرح قياسًا على التصادم؛ لأن القتل أو الجرح الناشئ عن التصادم مترتب عن فعل المتصادمين معًا، وعلى القوة الناشئة من اصطدامهما، أما القتل والجرح في حالة البراز فناشئ عن فعل أحد
_________________
(١) الأحكام السلطانية ص٣١ وما بعدها، مواهب الجليل للحطاب ج٣ ص٣٥٩، أسنى المطالب ج٤ ص١٩٢، المغني ج١٠ ص٣٩٤ وما بعدها.
[ ١ / ٤٤٩ ]
المتبارزين وقوته ولا أثر لفعل الآخر وقوته في إحداث القتل أو الجرح. فإذا تصادمت سيارتان ونشأ عن اصطدامهما قتل شخص أو جرحه، فإن القوة التي أدت للقتل أو الجرح ترجع إلى قوة اندفاع السيارتين معًا والتقاء هاتين القوتين، ولو لم تلتق هاتان القوتان لما حدث القتل أو الجرح. أما في المبارزة فقدرة كل مبارز وقوته هي التي ينشأ عنها فعله؛ فإذا ضرب أحدهما الآخر فجرحه أو أطلق عليه رصاصة فأصابته، فليس لقوة المصاب أو عمله دخل في إصابته (١) .
وتتفق نظرية الشريعة الإسلامية في المبارزة مع أغلب القوانين الوضعية الحديثة، فإنها تحرم المبارزة وتعاقب عليها باعتبار ما يحدث عنها قتلًا أو جرحا أو إيذاء، ومن هذه القوانين القانون المصري والقانون الفرنسي. وهناك قوانين أخرى تحرم المبارزة ولكنها تعاقب على ما ينشأ عنها بعقوبات خاصة، بدلًا من تطبيق عقوبة القتل والجرح، ومن هذه القوانين القانون الإيطالي، والقانون البولندي (٢) .
* * *