أ - عهود الخلفاء عن الخلفاء: لم تجر عادة سلف الفضلاء الكتاب أن يستفتحها بما يذكر، هو: (هذا ما عهد بع عبد الله ووليه فلان أبو فلان، الإمام الفلاني، أمير المؤمنين. عهد إلى ولده (أو إلى أخيه) الأمير السيد الجليل، ذخيرة الدين، وولي عهد المسلمين، أبي فلان وفلان، أيده الله بالتمكين، وأمده بالنصر المبين، وأقر به عين أمير المؤمنين). ثم ينفق كل كاتب بعد هذا على قدر سعته، ثم يقول: (أما بعد، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويصلي على نبيه سيدنا محمد) ويخطب في ذلك خطبة يكثر فيها التحميد وينتهي فيه إلى سبعة، ثم يأتي بعد ذلك بما يناسب من القول، ووصف فكر الذي يعهد فيمن بعده، ويصف المعهود إليه بما يليق من الصفات الجليلة. ثم يقول: (عهد إليه وقلده بعده جميع ما هو مقلده، لم رآه من صلاح الأمة، ومصالح الخلق، بعد أن استخار الله تعالى في ذلك، ومكث مدة يتدبر ذلك، ويروي فيه فكره وخاطره، ويستشير أهل الرأي والنظر، فلم ير أقوم منه بأمور الأمة ومصالح الدنيا والدين) ومن هذا ومثله، ثم يقال: (إن
[ ١٢٠ ]
المعهود إليه قبل منه ذلك) ويأتي في ذلك بما يليق من محاسن العبارة وأحاسن الكلام.
ب - ما يكتب عن الخلفاء للملوك: وطريق القدماء فيه على قريب من هذا النحو؛ وعليه كتب القاضي الفاضل عهدي أسد الدين شيركوه، وابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين؛ وهكذا كتب شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي عهدي العادل كتبغا والمنصور لاجين. فأما ابن لقمان فقد استفتح العهد المكتتب للملك الظاهر بيبرس بخطبة، وليس ابن لقمان بحجة، وإنما ذكرناه لكي لئلا يتمسك به من لم يعرف حقائق الأقدار. على أن الفاضل محيي الدين بن عبد الظاهر تبعه فيما كتب به للمنصور قلاوون.
[ ١٢١ ]
ج - وما يكتب للملوك عن الملوك مثل ولاة العهود والمنفردين بصغار البلاد: فإنه لا تستفتح عهودهم إلا بالخطب. وكلما كثرت التحميدات في الخطب كان أكبر لأنها تدل على عظم قدر النعمة.
وللناس مذهبان فيما يكتب للملوك عن الخلفاء من الألقاب:
فالأول: أن يكتب (السلطان، السيد، الأجل، الملك الفلاني، العالم، العادل) مع بقية ما يناسب من الألقاب المفردة والمركبة.
والثاني: فعلى أن يكتب لهم: (المقام الشريف أو الكريم أو العالي) مجردا عنهما، ويقتصر
على المفردة دون المركبة. وأنا إلى رأي الأول أجنح، وعليه أعمل.
د - وأما ما يكتب عن الملوك لأولياء العهود والمفردين بصغار البلاد فيكتب لهم: (المقام الشريف أو الكريم أو العالي) مجردا عنهما، ويقتصر على المفردة دون المركبة. على أن في هذا ضابطا كان في القديم وهو أنه لا يكتب لملك إلا ما كان يلقب به من ديوان الخلافة بالنص من غير زيادة ولا نقص.