في بيان الغش وما يعاقب به من ظهر عليه، أو اتهم به
"قال" خليل، وتصدق بما غش، ولو كثر، إلا أن يكون اشترى كذلك إلا للعالم بغشه، كبل الخمر بالنشاء وسبك ذهب جيد ورديء. ونفخ اللحم.
"قال" ابن حبيب. قلت لمطرف وابن الماجشون: فما الصواب عندكم فيمن يغش أو ينقص الوزن فالا الصواب عندنا والأوجه في ذلك، أن يعاقبه السلطان بالضرب والسجن، والإخراج من السوق، وإن كان قد عرف بالغش والفجور في عمله. ولا أري أن ينتهب ماله ولا يفرق، إلا ما خف قدره من الخبز إذا نقص، واللبن إذا شيب بالماء، فلم أر بأسًا أن يفرق على المساكين، تأديبًا له، مع الذي يؤدب به من الضرب والسجن والإخراج من السوق، إذا كان يعتاد الفجور فيه بالغش، فأما ما كثر من اللبن، والخبز، أو غش من المسك والزعفران فلا بفرق ولا ينتهب. قال عبد الملك (بن حبيب) ولا ينبغي للإمام أن يرد إليه ما غش من المسك والزعفران، فلا يفرق، ولا ينتهب وغير ذلك مما عظم قدره بل يبيع ذلك من أهل الطيب، على بيان لما فيه من الغش،
[ ٨١ ]
ممن لا يريد أن يغش به وممن يستعمله في وجوه مصارفه من الطيب، لأنه أن أسلم إلى الذي غشه أو بيع من مثله، من أهل الاستحلال للغش، فقد أبيح لهم العمل به وما كثر من اللحم والشحم والسمن والعسل واللبن "إذا غش، والخبر إذا نقص فلا أرى أن ينتهب، ولكن يكسر الخبز ثم يرد إلى صاحبه، ويباع عليه السمن والعسل واللبن" على ما فيه من الغش، لمن يأكله أو يؤمن في بيعه، ولا يسلم إلى الذي غشه، ولا يباع من مثله فيباح لهم أو يغشوا به المسلمين. هكذا "جرى" العمل في كل من غش تجارات السوق، أو يجيز بيعها. قال يحيى بن عمر كالخبز إذا نقص وقد تقدم إليه النهي فلم ينته، يتصدق به ويقام من السوق، واللبن إذا مزج بالماء تصدق به ولا يطرح. وسئل عن الخبز يوجد مرمولا بالحجارة فقال يرد على صاحبه، وأرى أن يؤمر الخباز ألا يطحن قمحه "٨ ب" حتى يغربله "وينقيه" ولا يرميه إثر النقش، فإن فعل شيئًا من ذلك تصدق بخبره. والخبر يوجد ناقصًا في الحوانيت يؤدب صاحبه ويخرج من السوق، ويتصدق به، وصاحب الرحي يرمي القمح إثر النقش، فيضمن مثل القمح، إلا أن يعلم ربه بذلك، فلا غرم "قال" يحيى أن
[ ٨٢ ]
ظهرت في السوق دراهم مبهرجة أو مخلوطة بالنحاس فليشتد الوالي فيها جهده، ويبحث عمن أحدثها، فإذا ظفر به أناله من شدة العقوبة. وأمر أن يطاف به في الأسواق وينكله ويشرد به من خلفه لعلهم يتقون عظيم ما نزل به من العقوبة، ويحبسه بعد على قدر ما يرى ويأمر أوثق من يجد بتعاهد ذلك من السوق، حتى تطيب دراهمهم ودنانيرهم فهذا "أفضل" ما يحوط به رعيته، ويعمهم به نفعه في دينهم ودنياهم وترجى لهم بذلك الزلفى عند ربهم، والقربة إن شاء الله. وليحيى "بن عمر": من اشترى خبزة فكسرها فأخذ منها لقمة، فوجد فيها حجارة "فله أن يرد ما بقي منها، وعليه قيمة مثل ما أكل على أن فيه حجارة" وينهى صاحب الفرن عن هذا فإن عاد لمثله حبس وأخرج من السوق، ويتصدق بخبزه، وسئل يحيى عمن يخلط قمحًا جيدًا برديء فقال يتقدم إليه فإن عاد عوقب بالضرب والطرد وكذا ينهي عن دهن التين بالزيت، فإن عاد إلى مثله بعد النهي تصدق بالتين المدهون أدباله، ولا تباع سائر الحبوب إلا بعد غربلتها وانظر ما عمت به البلوى، من عجن
[ ٨٣ ]
الخبز بغير ملح، هل هو غش يتصدق به، ويعاقب فاعله أم لا، وسئل يحيى بن عمر عمن خلط اللحم السمين بالمهزول في الوزن، فقال: إن كان ذلك أرطالا يسيرة كالخمسة والستة، تباع بالدرهم والدرهمين، فلا أرى بذلك بأسًا وإن كان كثيرًا كالعشرين والثلاثين، فلا خير في ذلك لأنه من الغرور، وأرى أن يمنع من الغش الذي لا يحل قاله أصبغ.
وسئل يحيى بن عمر عن نفخ اللحم وعن خلط الضأن بالمعز، فقال: أما الأول فمكروه عند أهل العلم فلينهو عنه أشد النهي فإن عادوا أخرجوا من السوق وأما خلطة فالأولى أن يجعل كل واحد على حدة فيباع كل بسعره. فهذا الذي أرى، وبالله التوفيق قال ابن وهب: سئل مالك، عن الرجل ينفخ اللحم فقال: أني أكره ذلك، وأرى أن يمنع منه. وسئل يحيى بن عمر عن الجزارين، والبقالين، يخلون السوق لواحد منهم، يبيع فيه وحده، يومًا أو يومين، ولا ينقص من السعر شيئًا وإنما صنعوا ذلك، للرفق به إذا فتي ما بيده، وأراد أن يتزوج مثلا فأجاب: إذا أخلوا السوق لهذا الرجل كما ذكرتم وكان في ذلك مضرة على العامة فنهوا عن ذلك، وإن لم ينقص من السعر، "ولم يكن على العامة ضرر فلا بأس به" وتأمل هذا فإنه كثير ما يخلون
[ ٨٤ ]
السوق لأمناء كل حرفة، كالخباز، والسفاج، وغيرهما يومًا معلومًا، وقد شوهد في ذلك ضرر على العامة، فينبغي زجرهم، ونهيهم عن العود إليه فمن عاد إلى مثله، عوقب أشد العقوبة، وسئل عبد الله بن أحمد "بن طالب" عن الجزارين يخلطون المهزول بالسمين، وعن الخباز يوجد خبزه ناقصًا فيهربان بعد الاطلاع عليهما. فأجاب بأن ذلك يغلق عليه ويترك، فإن خيف فساده بيع مع البيان لما فيه من الغش، ويوقف له الثمن، وسئل يحيى "بن عمر" عن احتكار الطعام، إذا كان فيه ضرر على الناس في أسواقهم. فقال: أرى أن يباع عليهم ويكون لهم رأس مالهم، والربح يتصدق به أدبًا لهم، وينهون عن ذلك، فمن عاد ضرب وطيف به، وسجن. وسئل ابن القاسم عن قول مالك، ينبغي للناس إذا غلا السعر واحتاج الناس أن يبيع الوالي ما عندهم من فضل الطعام. قال إنما يريد مالك، طعام التجار الذي خزنوه للبيع، من طعام جميع الناس إذا اشتدت السنة واحتاج الناس إلى ذلك يباع عليهم، ولكن قال يأمر "الوالي" بإخراجه وإظهاره للناس، ثم يبيعون ما عندهم مما فضل عن قوت عيالهم كيف شاوؤا، ولا يسعر عليهم.