الباب الأول: جناية القتل:
ونجعل هذا الباب في تمهيد وثلاثة فصول، نبين في التمهيد حكم جناية الإنسان على نفسه أو على غيره، وفي الفصل الأول: القتل العمد، وفي الثاني: القتل شبه العمد، وفي الثالث: القتل الخطأ وما يجب فيه.
تمهيد:
أ- أول جناية قتل وقعت في التاريخ:
لقد وجدت الجناية بوجود الإنسان نتيجة للصراع الذي يجري بين الرغبات والإمكانات المتاحة العاجزة عن تحقيق هذه الرغبات، وبين الآمال الضخمة والواقع الناكص عن تحقيق هذه الآمال، وبين الأنانية والمصلحة العامة.
وقد كانت أول جريمة قتل وقعت في التاريخ١ هي تلك الجريمة التي
_________________
(١) ١ فقد سبق هذه الجناية عصيان إبليس أمر ربه؛ حيث أمره أن يسجد لآدم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الآية ٣٤ من سورة البقرة، كما سبقها أيضا عصيان آدم وزوجه، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ الآيتان ٣٥، ٣٦ من سورة البقرة، ثم تاب الله عليه، قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الآية ٣٧ من سورة البقرة.
[ ٤٦ ]
تحدث عنها القرآن الكريم، والتي وقعت بين ابني آدم ﵇ نتيجة رغبة جامحة وشهوة عمياء، لم تعتد بنظم ولا شرائع.. فأرادت أن تحقق لنفسها ما لا يعطيه لها الحق والشرع عن طريق القتل، فكانت من الخاسرين.
وذلك أن آدم ﵇وهو أول البشر- كانت تلد لو زوجه "حواء" في كل بطن ذكرًا وأنثى، وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر، ولا تحل لأخ توءمته، فولدت حواء مع "قابيل" أختا جميلة اسمها "إقليميا" ومع "هابيل" أختا اسمها "ليوذا" ليست جميلة، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره آدم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على التقرب إلى الله بأن يقدم كل منهما قربانا، ثم تقدم كل منهما بقربان، وكان قربان "قابيل" حزمة من سنبل -لأنه كان صاحب زرع- واختارها من أردأ زرعه.. وكان قربان "هابيل" كبشا -لأنه كان صاحب غنم- أخذه من أجود غنمه، فتقبل الله تعالى قربان "هابيل" لأنه كان مؤمنا، فقال له قابيل حسدا -لأنه كان كافرًا: "لأقتلنك" حتى لا يراك الناس أفضل مني، ثم قتله.
وفي هذا يقص علينا القرآن الكريم بأسلوبه المعجز البليغ ما دار من حوار بين الأخوين، وما انتهى إليه أمرهما من قتل الأخ أخاه ثم ندمه وحسرته ومواراة رفاته التراب، فيقول جل شأنه:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ،
[ ٤٧ ]
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ١ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ ٢.
وهذه الحادثة تمثل لنا حقيقة الصراع الدائر بين العقل والشهوات، بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، بين الخير والشر.
ب- حكم الجناية على الإنسان:
حرمت الشريعة الإسلامية الاعتداء على النفس الإنسانية كلا أو بعضا، سواء كان الاعتداء صادرًا من الإنسان على نفسه، أو منه على غيره، وقد أفاضت في ذلك نصوص الكتاب والسنة.
١- أما اعتداء الإنسان على نفسه، فقد نهى الله ﷾ عنه، سواء كان إهلاكا للنفس، أو تعريضا لها للهلاك.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ٤.
_________________
(١) طوعت له نفسه: أي سولت وسهلت نفسه عليه القتل وشجعته، وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل. ٢ الآيات "٢٧-٣١" من سورة المائدة. ٣ الآية رقم ١٩٥ من سورة البقرة. ٤ الآية رقم ٢٩ من سورة النساء.
[ ٤٨ ]
وأيضا فإن عموم النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ١ يندرج تحته قتل الإنسان نفسه.
فإن هذا البنيان الذي شيده الله -جل شأنه- وبعث فيه الحياة وميزه بالعقل؛ ليباشر مهامه في المجتمع، ويؤدي دوره في الحياة الدنيا.. لايرضى الله تعالى عمن يهدمه، أو يناله بأي أذى، سواء كان هذا الأذى واقعا على النفس أم على جزء منها، وسواء كان الجاني جانيا على نفسه أم على غيره، كل ذلك منهي عنه، وكل مرتكب لشيء من ذلك معاقب، حتى وإن قتل نفسه أو قتر عليها في الإنفاق، أو حجب العقل عن أن يباشر مهامه التي خلق من أجلها؛ لأن هذا البنيان هو بنيان الله لا يملكه أحد سواه، ولا يهدمه إلا مالكه، قال رسول الله ﷺ: "إن هذا الإنسان بنيان الله ملعون من هدم بنيانه".
ولذلك نجد أن عقوبة قاتل نفسه عقوبة متناهية في الشدة، أوضحها الرسول -ﷺ- بقوله: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدًا، ومن تحسى سُما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدًا فيها أبدًا" رواه البخاري ومسلم٢.
كما روي عن جندب البجلي عن النبي -ﷺ- قال: "كان ممن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا، فجز بها يده، فسال الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة" أخرجه البخاري ومسلم.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية ٣٣. ٢ راجع الترغيب والترهيب للمنذري ج٣ ص٣٠٠.
[ ٤٩ ]
٢- وأما اعتداء الإنسان على غيره فقد حرمه الله تعالى في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله -صلى الله علي وسلم- وأجمعت عليه الأمة.
أما الكتاب الكريم:
فقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ ١.
وقوله تعالى في وصفه لعباد الرحمن: ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ٢.
وقوله جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية ٣٣. ٢ سورة لقمان الآيات من ٦٨-٧٠. ٣ سورة النساء الآيتان ٩٢، ٩٣.
[ ٥٠ ]
أما السُّنة النبوية الشريفة١:
فروي عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه الجماعة.
وعن عائشة: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا من ثلاثة: إلا من زنى بعدما أحصن، أو كفر بعدما أسلم، أو قتل نفسا فقتل بها" رواه أحمد والنسائي ومسلم بمعناه.
وفي لفظ: "لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلما متعمدا، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ﷿ ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض" رواه النسائي.
وأما الإجماع:
فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريمه، فإن فعله إنسان متعمدا فسق أمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له٢.
ويتضح لنا من هذه النصوص ما يأتي:
أولا: حرمة قتل النفس بغير حق.
ثانيا: قتل النفس بالحق يكون في الحالات التالية:
_________________
(١) ١ راجع: نيل الأوطار للشوكاني ج٧، ص٥. وراجع أيضًا: سبل السلام للصنعاني ج٣، ص٣٠٢. ٢ سيأتي إيضاح عقوبة القتل العمد وغيره في الدنيا والآخرة.
[ ٥١ ]
١- الزاني المحصن: فقد رجم رسول الله -ﷺ- ماعزا والغامدية وكانا محصنين.
٢- المرتد عن دينه: لقوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه"، وللأحاديث الواردة آنفا.
٣- قتل نفس الغير عمدا: فإن من قتل غيره عمدا يقتل به، وهذا قتل بحق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ الآية١، وقوله جل شأنه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ الآية٢.
٤- الخارجون على حكم الإمام "المحاربون" الذين حددت عقوبتهم الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
٥- الحربيون: وهم الكفار الذين يحاربون المسلمين فإن قتلهم قتل بحق، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ١٧٨. ٢ سورة المائدة الآية ٣٣.
[ ٥٢ ]