رُوِيَ عَن النَّبِي _[ﷺ]_ أَنه قَالَ: " أَشد الْأَشْيَاء ثَلَاثَة: إنصاف النَّاس من نَفسك، ومواساة الْأَخ من مَالك، وَذكر الله - ﵎ - على كل حَال ".
أوحى الله - تَعَالَى - إِلَى مُوسَى ﵇: " لَا تقتل السامري فَإِنَّهُ سخي ".
وَقَالَ عَلِيُّ ﵇: " إِنَّمَا أمْهل فِرْعَوْن من دَعْوَاهُ لسُهُولَة إِذْنه وبذل طَعَامه ".
وَقيل لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ ﵀: " من الْجواد؟ قَالَ: الَّذِي لَو كَانَت الدُّنْيَا لَهُ، فأنفقها لرَأى بعد ذَلِك عَلَيْهِ حقوقًا ".
قَالَ الشَّاعِر: // (الوافر) //
(يرى حَقًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ حقٌ وَمهما قَالَ فالحسن الْجَمِيل)
(وَقد كَانَ الرَّسُول يرى حقوقًا عَلَيْهِ لأَهْلهَا وَهُوَ الرَّسُول)
[ ١٦٩ ]
وَقَالَ النَّبِي [ﷺ]: " مَا من صباح إِلَّا وملكان يناديان: وَاحِد بالمشرق، وَآخر بالمغرب: الله أعْط منفق مَاله خلفا وممسك مَاله تلفًا ".
قَالَ المَدَائِنِيُّ: " تحمل الْهُذيْل بن زفر بن الْحَارِث دياتٍ، فَأتى يزِيد بن الْمُهلب، فَقَالَ: أصلحك الله إِنَّه قد عظم شَأْنك عَن أَن يستعان عَلَيْك وَلست تصنع شَيْئا من الْمَعْرُوف إِلَّا وَأَنت أعظم مِنْهُ، وَلَيْسَ الْعجب أَن تفعل، وَإِنَّمَا الْعجب أَلا تفعل، قَالَ: حَاجَتك فَسَأَلَهُ أَن يُعينهُ فِي الدِّيات الَّتِي تحملهَا، فتحملها عَنهُ كلهَا، وَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم، فَقبل الدِّيات، وَلم يقبل الْمِائَة ألف، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا موضعهَا ".
وَكَانَ يُقَال: " اعتذار من منع أحسن من وعدٍ ممطول ".
وَقَالَ حُذَيفة بْنُ اليَمانِ: رب رجل فَاجر فِي دينه، أخرق فِي معيشته، دخل الْجنَّة بسماحته ".
[ ١٧٠ ]
دَعَا الْحسن الْبَصْرِيّ - ﵀ - حجامًا بِالدَّار يُسَوِّي شَاربه، فَأعْطَاهُ دِرْهَمَيْنِ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: لَا تدنقوا، فيدنق عَلَيْكُم ".
قَالَ الأصْمَعِيُّ: " كتب الْحسن إِلَى الْحُسَيْن - ﵉ - يعيب عَلَيْهِ إِعْطَاء الشُّعَرَاء، فَكتب إِلَيْهِ: خير المَال مَا وقِي بِهِ الْعرض ".
اسْتعْمل الْوَلِيد بن عبد الْملك عُثْمَان بن حَيَّان الْمُزنِيّ على غزَاة الْبَحْر وَأمره بِالنَّفَقَةِ، فَلَمَّا ولي أَخُوهُ سُلَيْمَان بن عبد الْملك عَزله، وأغرمه من ذَلِك المَال ألف ألف دِرْهَم، قَالَ: فاجتمعت رجال من قيسٍ لذَلِك الْغرم، فَقَالُوا: إِلَى أَيْن تذهبون؟ وبمن تستعينون؟، قَالَ: فَقَالَ لَهُم قَائِل: هَل لكم فِي يزِيد بن الْمُهلب قَالَ: وَيزِيد يومئذٍ على شرطة سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَمَا وَرَاء بَابه، قَالَ: فَخَرجُوا حَتَّى دخلُوا عَلَيْهِ، فَتقدم عُثْمَان بن حَيَّان الْمُزنِيّ صَاحب الْغرم فَقَالَ: زَاد الله فِي توفيقك، وسرورك إِن الْوَلِيد - ﵁ - استعملني على غزَاة الْبَحْر، وَأَمرَنِي بِالنَّفَقَةِ فأنفقت، وَإِن سُلَيْمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ - مد الله فِي بَقَائِهِ - أغرمني من ذَلِك المَال ألف ألف دِرْهَم، وَالله مَا يَسعهَا مَالِي، وَلَا يبلغهَا أملي، وَقلت: يزِيد بن الْمُهلب سيد أهل " الْعرَاق " وَصَاحب الْمشرق، ووزير الْخَلِيفَة، وَأَتَيْتُك لتحمل عني من ذَلِك مَا سهل عَلَيْك، وَمَا يبْقى وَالله عَليّ ثقيل، قَالَ: ثمَّ سكت وَتقدم
[ ١٧١ ]
فلَان الْقَيْسِي خَال الْوَلِيد بن عبد الْملك فَقَالَ: أصلحك الله إِنَّه مَا خص هَذَا عمنَا، وَقد أَتَيْنَاك فِي أَمر لم نجد أحدا ينْفَرد بِهِ، وَلَا يساعد من يعين عَلَيْهِ، فَإِن تكف فَلَيْسَ بِأَكْثَرَ مَا فِيك، وَإِن تدفعني فَمَاله سواك، قَالَ: ثمَّ سكت وَتقدم عمر بن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ فَقَالَ: أصلحك الله إِنَّا وَالله لَو وجدنَا أحدا دُونك لاخترناه، أَو خَلفك لتخطينا إِلَيْهِ، وَالله مَا الدُّخان بأدل على أَنه من النَّار، وَلَا العجاج أَنه من الرِّيَاح من ظَاهر أَمرك على بَاطِنه، وَقد أَتَيْنَاك شُفَعَاء لِابْنِ حَيَّان فِي هَذَا المَال، فَإِن تستكثره فقد يطلع مَا هُوَ دونه، وَإِن تستقله فقد ترجى لما هُوَ أَكثر مِنْهُ، قَالَ: ثمَّ سكت وَتقدم زفر الْكلابِي، فَقَالَ: أصلحك الله إِنَّا وَالله لم نزنك بِأحد من الْمُلُوك إِلَّا رجحت بِهِ، وَلم نقسك بِأحد مِنْهُم إِلَّا ارْتَفَعت عَلَيْهِ، وَلَا غَايَة يبلغهَا أحد إِلَّا وَقد بلغتهَا، أَنْت فِيهَا مقدم وحقك فِيهَا مُعظم، وَقد أَتَيْنَاك شُفَعَاء لِابْنِ حَيَّان فِي هَذَا المَال، وَالله مَا الْعجب من أَن تفعل، وَلَكِن الْعجب من أَلا تفعل، وَأَنت أَنْت: قَالَ: فَقَالَ أَبُو خَالِد: مرْحَبًا بكم وَأهلا إِن خير المَال مَا وقِي بِهِ الْعرض، وَإِنَّمَا لي من مَالِي مَا فضل عَن النوائب، وَلَو علمت أحدا أملأ بحاجتكم مني لأرشدتكم إِلَيْهِ فاحتكموا قَالُوا: نصف المَال، قَالَ: يَا غُلَام ادْفَعْ إِلَيْهِم خَمْسمِائَة ألف دِرْهَم قَالَ: فَأخذُوا وَخَرجُوا، فَلَمَّا كَانُوا على بَاب السرادق قَالَ لَهُم قَائِل: إِلَى أَيْن تذهبون، وبمن تستعينون، وَالله مَا يُبَالِي يزِيد أنصفًا حمل أم المَال، فَارْجِعُوا فَرَجَعُوا، فَقَالَ: مَه، قَالُوا: قُلْنَا - أصلحك الله - قَالَ: قد
[ ١٧٢ ]
أقلتكم، قَالَ: المَال كُله، قَالَ المَال كُله، قَالَ: فَبعث إِلَيْهِ ابْن الرّقاع العاملي بِأَبْيَات فِيهَا: // (الطَّوِيل) //
(فَلم ترعيناي كَمثل حمالَة تحملهَا كَبْش الْعرَاق يزِيد)
(وَقَالُوا: أقل يَا بن الْمُهلب زلَّة فَقَالَ: أقلتم إِن ذَاك العتيد)
(تحمل عَنْهُم ألف ألف برسله وَلَو أَنهم سالوا الْمَزِيد لزيدوا)
(رأى عمر أَن لَيْسَ يحمل ثقلهَا سواهُ وَمَا عَن قَول تِلْكَ يحيد)
روى أَبُو هُرَيْرَة - ﵁ - عَن النَّبِي _[ﷺ]_ أَنه قَالَ: " مَا من رجل إِلَّا وَله صيت فِي السَّمَاء، فَإِذا كَانَ صيته فِي السَّمَاء حسنا وضع فِي الأَرْض، وَإِذا كَانَ صيته سَيِّئًا وضع فِي الأَرْض ".
كَانَ عبد الله بن جَعْفَر يَقُول: " لَيْسَ الْجواد الَّذِي يُعْطي بعد الْمَسْأَلَة وَلَكِن
[ ١٧٣ ]
الْجواد الَّذِي يبتدى؛ لِأَن فِي بذل الْوَجْه أَكثر مِمَّا يصل إِلَيْهِ ".
وَخرج رجل من بني جَعْفَر بن كلاب مُتَوَجها إِلَى عبد الله بن عَامر بن كريز، فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ الْحَاجِب: إِن الْأَمِير نَائِم، فأقم بموضعك حَتَّى ينتبه قَالَ: فَأَنْشَأَ الْجَعْفَرِي يَقُول: // (الْبَسِيط) //
(لَا يحجب الْجُود عَن كف الْجواد وَلَا ترمى البوازي على أم الشواهين)
(إِن الْجواد إِذا مَا جَاءَ سائله لم ينظر الْبَذْل أَفْوَاه الموازين)
(لم ينفض المَال نفض الطل ينْقضه طير السَّمَاء بأعواد الْبَسَاتِين)
[ ١٧٤ ]
فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَامرٍ لخازنه: كم ورد عَلَيْك الْيَوْم من المَال؟ قَالَ: مائَة ألف من جندي " سَابُور "، قَالَ: ادفعها إِلَى الْجَعْفَرِي بِلَا ميزَان كَمَا قَالَ: فقبضها وَأَنْشَأَ يَقُول: // (الْكَامِل) //
(لله عبد الله من رجلٍ ضخم الدسيعة طَاهِر الأثواب)
(يهب المئين من الألوف وَلَا يرى لي العداة ودسعة الْحجاب)
(بل بَابه أَعلَى الْبِقَاع مبرزًا للمرملين وَسَائِر الْخطاب)
عوتب عبد الله بن جَعْفَر على كَثْرَة إفضاله فَقَالَ: " إِن الله عودني أَن يفضل عَليّ، وعودته أَن أفضل على عباده، فأكره أَن أقطع الْعَادة عَنْهُم، فتقطع الْعَادة عني ".
قدم رجل من أهل الْمَدِينَة على عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ " بِفَارِس "، فَأَقَامَ بِبَابِهِ لَا يُؤذن لَهُ، فارتحل وَهُوَ يَقُول: // (الطَّوِيل) //
[ ١٧٥ ]
(رَأَيْت أَبَا حَفْص تجهم مقدمي ولط بقول عذره ومواربا)
(فَلَا تحسبني أَن تجهمت مقدمي أرى ذَاك عارًا أَو أرى ذَاك ذَاهِبًا)
(ومثلي إِذا مَا بَلْدَة لم تواسه تيَمّم أُخْرَى واستدام العواقبا)
فبلغت أبياته ابْن معمر، فَأرْسل فِي طلبه حَتَّى رد، فَأدْخل عَلَيْهِ، فَقَالَ: حَدثنِي عَنْك أتضربني برحمٍ ٍ بيني وَبَيْنك؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَل من يَد تَعْتَد بهَا عِنْدِي؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنِّي كنت إِذا دخلت مَسْجِد رَسُول الله _[ﷺ]_ تركت النَّاس يمنة وشأمةً، وجئتك حَتَّى أَجْلِس إِلَيْك، قَالَ: وَأَبِيك إِنَّهَا ليد، كم أَقمت ببابي؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ: أعْطه أَرْبَعِينَ ألفا لكل يَوْم ألف دِرْهَم.
كتب مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ إِلَى الْمَأْمُون - ﵀ - يشكو غَلَبَة الدّين وضيق الْيَد، فَوَقع على كِتَابه: فِيك خلَّتَانِ: الْحيَاء والسخاء.
فَأَما الْحيَاء فَهُوَ الَّذِي مَنعك عَن أَن ترفع إِلَيْنَا خبرك.
وَأما السخاء فَهُوَ الَّذِي أنفذ مَا بِيَدِك، وَأَنت كنت حَدَّثتنِي وَأَنت على قَضَاء الرشيد ﵀: أَن النَّبِي _[ﷺ]_ قَالَ للزبير: " يَا
[ ١٧٦ ]
زبير إِن بَاب الرزق بِإِزَاءِ الْعَرْش ينزل الله على عباده على قدر نفقاتهم، فَمن كثر لَهُ، وَمن قلل قلل عَلَيْهِ ".
وَقد أمرنَا لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم، فاتسع فِي ذَات يدك، فَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَالله لمذاكرته إيَّايَ الحَدِيث، وَقد نَسِيته أحب إِلَيّ من جائزته.
مدح ابْن حيوس الشَّاعِر نصر بن مَحْمُود بن نصر صَاحب " حلب " بقصيدة فَكَانَ مِمَّا قَالَ فِيهَا: // (الطَّوِيل) //
(ثَمَانِيَة لم تفترق مذ جمعتها وَلَا افْتَرَقت مَا فر عَن نَاظر شفر)
(ضميرك وَالتَّقوى وجودك والغنى ولفظك وَالْمعْنَى وعزمك والنصر)
[ ١٧٧ ]
(وَكَانَ لمحمود بن نصر سجية وغالب ظَنِّي أَن سيخلفها نصر)
فَقَالَ: وَالله لَو قَالَ: سيضعفها نصر لأضعفتها لَهُ، وَأمر لَهُ بِمَا أَمر لَهُ أَبوهُ، وَهُوَ ألف دِينَار فِي طبق فضَّة، وَكَانَ على بَابه جمَاعَة من الشُّعَرَاء فَقَالَ أحدهم: // (الطَّوِيل) //
(على بابك الْمَعْمُور منا عصابةٌ مفاليس فَانْظُر فِي أُمُور المفاليس)
(وَقد قنعت مِنْك الْعِصَابَة كلهَا بِعشر الَّذِي أَعْطيته لِابْنِ حيوس)
(وَمَا بَيْننَا هَذَا التَّفَاوُت كُله وَلَكِن سعيدٌ لَا يُقَاس بمنحوس)
فَقَالَ: وَالله لَو قَالَ: بِمثل الَّذِي أَعْطيته لِابْنِ حيوس لأعطيتهم ذَلِك، وَأمر لَهُم بِنصفِهِ.
قَالَ مُحَمِّدُ بْنُ أيُّوْبَ البَجَلِيُّ: اجْتمع النَّاس بِبَاب أبان بن الْوَلِيد البَجلِيّ، وَفِيهِمْ أَن بيض، فتذاكروا الْجُود وأجواد الْعَرَب، فَقَالَ بَعضهم: حَاتِم، وَقَالَ
[ ١٧٨ ]
بَعضهم: كَعْب بن مامة، وَقَالَ: فَقَالَ بَعضهم: طَلْحَة الطلحات أَجود أهل الْإِسْلَام، وَأَبَان مشرف عَلَيْهِم يسمع كَلَامهم، فَهَيَّأَ ابْن بيض أبياتًا، ثمَّ أذن لَهُم أبان فَدَخَلُوا فَقَالَ: فيمَ كُنْتُم تتحدثون؟ فقالم ابْن بيض فَقَالَ: // (الْخَفِيف) //
(زعم النَّضر والمغيرة مِنْهُم وَكَذَا البخْترِي وَابْن عِيَاض)
(أَن جود الْعرَاق بَاب فولى يَوْم بانوا بطلحة الْفَيَّاض)
فَقَالَ لَهُ إبان: فَمَاذَا قلت؟
(كذبُوا وَالَّذِي يحجّ لَهُ الرك ب سرَاعًا منفضاتٍ عراض)
(لَا يَمُوت الندى وَلَا مَادًّا م أبان مناخ ذِي الإنفاض)
[ ١٧٩ ]
(فَإِذا مَا المليك نَادَى أَبَانَا أذن الْجُود والندى بانقباض)
فَقَالَ لَهُ إِبَانُ: احتكم، فحسده رجل فَقَالَ: أصلحك الله لَا تفْسد على الْأَمِير عطيته، يَعْنِي خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، فَإِنَّهُ أعْطى رجلا على بَيْتَيْنِ عشْرين ألف دِرْهَم، فَقَالَ: لَوْلَا مَا قلت لأعطيته عشْرين وَعشْرين فَأعْطَاهُ عشْرين ألف دِرْهَم.
كَانَ يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ سخيًا، وَكَانَ بِخِلَاف أَبِيه، وَكَانَ أَبوهُ بَخِيلًا فَحَضَرَ مهرجان، فَجَلَسَ يزِيد فِي قصر الْحجَّاج، وَأمر بِطَعَام يتَّخذ لَهُ يطعمهُ أَصْحَابه ثمَّ جلس على سَرِير فِي وسط الدَّار فِي صحن دَار الْحجَّاج، وَأذن لأَصْحَابه فَدخل فِيمَن دخل خلف بن خَليفَة الأقطع، فَجَلَسَ حِيَال وَجهه يذكر بِنَفسِهِ، وَجَاء الدهاقون بوظائف المهرجان من المَال وآنية الذَّهَب وَالْفِضَّة واللباس والفرش فملئوا بهَا الدَّار، فَأقبل ابْن هُبَيْرَة يَقُول لأَصْحَابه: يَا فلَان خُذ يَا فلَان، ويومئ إِلَى الْأَشْيَاء ويعطيهم المَال، وَيفْعل ذَلِك بِمن إِلَى جنب خلفٍ، وَيَتَعَدَّى خلفا، فَأقبل خلف يرفع رَأسه إِلَيْهِ يرِيه أَنه يسبح، فَلَمَّا كثر ذَلِك عَلَيْهِ، وَنظر إِلَى مَا فِي الدَّار ينفذ ويولى قَامَ فَقَالَ: // (المتقارب) //
(ظللنا نُسَبِّح فِي المهرجان فِي الدَّار من حسن جاماتها)
(فسبحت ألفا فَلَمَّا انْقَضتْ عجبت لنَفْسي وإخباتها)
(وشرعت رَأْسِي فَوق الرُّءُوس لأرفعه فَوق هاماتها)
(لأكسب صَاحِبَتي صَحْفَة تغيظ بهَا بعض جاراتها)
(وأبدلها بصحاف الْأَمِير قَوَارِير كَانَت لجداتها)
قَالَ: فَضَحِك ابْن هُبَيْرَة، وَقَالَ: خُذ ذَاك الْجَام فَأعْطَاهُ جَام ذهبٍ كثير
[ ١٨٠ ]
الْوَزْن، فَأَخذه فِي يَده ثمَّ قَامَ وَقَالَ: // (الرمل) //
(أَصبَحت صَحْفَة بَيْتِي من ذهب وصحاف النَّاس حَولي من خشب)
(شفني الْجَام فَلَمَّا نلته زين الشَّيْطَان لي مَا فِي الجرب)
(إِن مَا أنفقت باقٍ كُله يذهب الْبَاقِي وَيبقى مَا ذهب)
قَالَ: فَضَحِك ابْن هُبَيْرَة وَقَالَ: خُذ خُذ فَأعْطَاهُ حَتَّى أرضاه.
قَالَ النَّبِي [ﷺ]: " اطْلُبُوا الرزق إِلَى الرُّحَمَاء من أمتِي تعيشوا فِي أَكْنَافهم، وَلَا تَطْلُبُوا إِلَى القاسية قُلُوبهم، فَإِن عَلَيْهِم تنزل اللَّعْنَة ".
نزل بأعرابي ضيف فتذمرت امْرَأَته وضجرت، فَقَالَ لَهَا: اسكتي وَيلك، ثمَّ قَالَ: // (الْبَسِيط) //
(من شَرّ أيامك اللَّاتِي خلقت لَهَا إِذا فقدت ندا صوتي وزواري)
فَأَنْشد الْأَعرَابِي يَقُول: // (الْبَسِيط) //
(إِذا تكرهت أَن تُعْطِي الْقَلِيل وَلم تقدر على سعةٍ لم يظْهر الْجُود)
(أَوْرَق بِخَير ترجى للنوال فَمَا ترجى الثِّمَار إِذا لم يورق الْعود)
(بَث النوال وَلَا يمنعك قلته فَكلما سد فقرا فَهُوَ مَحْمُود)
[ ١٨١ ]
(إِن الْكَرِيم ليخفي عَنْك عسرته حَتَّى ترَاهُ غَنِيا وَهُوَ مجهود)
كَانَ لبيد بن ربيعَة لَا يمر يَوْم إِلَّا هرق فِيهِ دَمًا، فَكَانَ يفعل ذَلِك إِذا هبت الرِّيَاح، قَالَ: وَرُبمَا ذبح الشَّاة إِذا ضَاقَ، فَبعث إِلَيْهِ الْوَلِيد بن عقبَة بِمِائَة نَاقَة، فَلَمَّا جَاءَتْهُ، قَالَ لابنته: أُجِيبهُ عني، وَكَانَ لبيد قد ترك نظم الشّعْر، وَكَانَ الْوَلِيد كتب إِلَيْهِ بأبياتٍ من الشّعْر يمدحه بهَا، ويحثه على فعل الْخَيْر. // (الوافر) //
(أرى الْحداد يشحذ شفرتيه إِذا هبت ريَاح أبي عقيل)
(أغر الْوَجْه أَبيض عامري طَوِيل الباع كالسيف الصَّقِيل)
[ ١٨٢ ]
(وفى ابْن الْجَعْفَرِي بحلفتيه على العلات وَالْمَال الْقَلِيل)
فَقَالَت الصبية مجيبة لَهُ: // (الوافر) //
(إِذا هبت ريَاح أبي عقيل دَعونَا عِنْد هبتها الوليدا)
(طَوِيل الباع أَبيض عبشميًا أعَان على مروءته لبيدا)
(بأمثال الهضاب كَأَن ركبًا عَلَيْهَا من بني حامٍ قعُودا)
(أَبَا وهبٍ جَزَاك الله خيرا نحرناها وأطعمنا الثريدا)
(فعد إِن الْكَرِيم لَهُ معاد وظني بِابْن أروى أَن يعودا)
فَقَالَ: أَحْسَنت لَوْلَا أَنَّك سَأَلت، فَقَالَت: إِن الْمُلُوك لَا يستحيا من مسألتهم، فَقَالَ: وَأَنت فِي هَذَا أشعر.
قَالَ بعض الْعلمَاء: " أقوى النَّاس أعودهم بقوته على الضُّعَفَاء، وأبلغهم أنطقهم عَن أهل الغي، وأحقهم بِالنعْمَةِ أشكرهم لَهَا، وأجودهم أصوبهم بعطيته موضعا.
وَقَالَ عَلِيُّ ﵇: " حسب الْبَخِيل من بخله سوء ظَنّه بربه، وَمن
[ ١٨٣ ]
أَيقَن بالخلف جاد بِالْعَطِيَّةِ ".
وَكَانَ المَأمُونُ يَقُول: " سادة النَّاس فِي الدُّنْيَا الأسخياء، وَفِي الْآخِرَة الأتقياء، وَأَن الرزق الْوَاسِع لمن لَا يسْتَمْتع بِهِ بِمَنْزِلَة طَعَام مَوْضُوع على قبر، أُفٍّ للبخل، لَو كَانَ طَرِيقا مَا سلكته، وَلَو كَانَ قَمِيصًا مَا لبسته ".
قَالَ أبُو مَعْيوفٍ الحِمْصِيُّ: " حَدثنِي أبي أَنه حضر الحكم بن الْمطلب حِين مَاتَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هون عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ وَكَانَ، قَالَ: فَذكرت محاسنه، فأفاق فَقَالَ من الْمُتَكَلّم؟ فَقلت لَهُ: أَنا، فَقَالَ: إِن ملك الْمَوْت يَقُول: إِنِّي بِكُل سخي رَفِيق، ثمَّ كَأَنَّهُ كَانَ فَتِيلَة انطفأت ".
آخر الْكتاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَوَافَقَ الْفَرَاغ مِنْهُ على يَد جَامعه الْفَقِير إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى مُحَمَّد ابْن مَنْصُور بن جَيش الْوَاعِظ الْمَعْرُوف بِابْن الْحداد عَفا الله عَنهُ، وَذَلِكَ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر من جُمَادَى الآخر من سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة حامدًا الله تَعَالَى، ومصليًا على نبيه مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا.
[ ١٨٤ ]