رُوِيَ عَن النَّبِي _[ﷺ]_ أَنه قَالَ: " أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة رجلٌ أشركه الله فِي سُلْطَانه فجار فِي حكمه ".
وَقَالَ النَّبِي [ﷺ]: " من استرعاه الله رعية فَلم يحطهَا بنصيحة لم يرح رَائِحَة الْجنَّة، وَإِن رِيحهَا لتوجد من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام ".
وَقَالَ النَّبِي [ﷺ]: " كلكُمْ راعٍ وكلكم مسئول عَن رَعيته "، قَالَ رجل للرشيد - ﵀ - فِي بعض غَزَوَاته، وَقد ألح
[ ١٢٦ ]
عَلَيْهِم الثَّلج: " أما ترى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا نَحن فِيهِ والرعية وَادعَة؟ فَقَالَ: اسْكُتْ على الرّعية الْمَنَام وعلينا الْقيام، وَلَا بُد لِلرَّاعِي من حراسة رَعيته ".
فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي ذَلِك: // (الْكَامِل) //:
(غضِبت لغضبتك القواطع والقنا لما نهضت لنصرة الْإِسْلَام)
(نَامُوا إِلَى كنفٍ بعد لَك وَاسع وسهرت تحرس غَفلَة النوام)
وَقَالَ بَعضهم: " طلب الرياسة صَبر على مضض السياسة " وَقَالَ زِيَاد: " جمال الْولَايَة شدَّة فِي غير إفراط ولين فِي غير إهمال ".
وَقَالَ زِيَاد لحاجبه عجلَان: " قد وليتك بَابي وعزلتك عَن أَربع: طَارق ليل شَرّ مَا جَاءَ بِهِ أم خير، وَرَسُول صَاحب الثغر فَإِنَّهُ إِن تَأَخّر سَاعَة بَطل عمل
[ ١٢٧ ]
سنة، وَهَذَا الْمُنَادِي بِالصَّلَاةِ وَصَاحب الطَّعَام إِذا أدْرك، فَإِن الطَّعَام إِذا أُعِيد عَلَيْهِ التسخين فسد ".
قَالَ أَبُو الْحسن: " لما ولي زِيَاد الْكُوفَة صعد الْمِنْبَر بعد صَلَاة الظّهْر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس إِنِّي قد رَأَيْت إعظام ذَوي الشّرف، وإجلال أهل الْعلم، وتوقير ذَوي الْأَسْنَان، وَإِنِّي أعَاهد الله لَا يأتيني شرِيف بوضيع لم يعرف لَهُ شرفه على ضعته إِلَّا عاقبته، وَلَا يأتني كهلٌ بحدثٍ لم يعرف لَهُ فضل سنة إِلَّا عاقبته، وَلَا يأتيني عَالم بجاهل لاحاه فِي علمه ليهجنه عَلَيْهِ إِلَّا عاقبته، فَإِنَّمَا النَّاس بأشرافهم وعلمائهم وَذَوي أسنانهم، ثمَّ تمثل بقول الأفوه الأودي: // (الْبَسِيط) //:
(تهدى الْأُمُور بِأَهْل الرَّأْي مَا صلحت وَإِن تولت فبالأشرار تنقاد)
[ ١٢٨ ]
(لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم وَلَا سراة إِذا جهالهم سادوا)
قَالَ أَعْرَابِي: " إِذا كَانَ الرَّأْي عِنْد من لَا يقبله، وَالسِّلَاح عِنْد من لَا يَسْتَعْمِلهُ، وَالْمَال عِنْد من لَا يُنْفِقهُ ضَاعَت الْأُمُور "، وَبلغ بعض الْمُلُوك حسن سياسة ملكٍ، فَكتب إِلَيْهِ: " أفدني بِمَا بلغت هَذَا فَكتب إِلَيْهِ: لم أهزل فِي أمرٍ وَلَا نهيٍ وَلَا وعدٍ وَلَا وعيدٍ، واستكفيت على الْكِفَايَة، وَأثبت على العناء، لَا على الْهوى، وأودعت الْقُلُوب هَيْبَة لم يشبها مقت، وودًا لم يشبه كدرٌ، وعممت بالقوت، ومنعت الفضول ".
[ ١٢٩ ]
وَلما أَرَادَ الاسكندر الْخُرُوج إِلَى أقاصي الأَرْض قَالَ لأرسطاطاليس: " أخرج معي قَالَ: قد كل بدني، وضعفت عَن الْحَرَكَة، فَلَا تزعجني، قَالَ: فأوصني فِي عمالي خَاصَّة قَالَ: انْظُر من كَانَ لَهُ مِنْهُم عبيدٌ فَأحْسن سياستهم فوله الْجند، وَمن كَانَت لَهُ ضَيْعَة، فَأحْسن تدبيرها فوله الْخراج ".
وَقَالَ زِيَادٌ: " مَا غلبني مُعَاوِيَة فِي شَيْء من أَمر السياسة إِلَّا فِي شَيْء وَاحِد، وَذَاكَ أَنِّي اسْتعْملت رجلا على " دستميسان " فَكسر الْخراج وَلحق بِمُعَاوِيَة، فَكتبت إِلَيْهِ أسأله أَن يبْعَث بِهِ إِلَيّ فَكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، أما بعد: فَإِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي لمثلي وَمثلك أَن نسوس النَّاس جَمِيعًا بسياسة وَاحِدَة،
[ ١٣٠ ]
وَأَن نشتد جَمِيعًا فنخرهم، أَو نلين جَمِيعًا فنمرجهم وَلَكِن تكون أَنْت إِلَى الفظاظة والغلظة وأكون أَنا أَلِي الرأفة وَالرَّحْمَة، فَإِذا هرب هارب من بَاب وَاحِد وجد بَابا يدْخل فِيهِ، وَالسَّلَام.
سَأَلَ ملك من مُلُوك الْفرس موبذان: " مَا شَيْء وَاحِد يعز بِهِ السُّلْطَان؟ قَالَ: الطَّاعَة، قَالَ: فَمَا سَبَب الطَّاعَة؟ قَالَ: تقريب الْخَاصَّة، وَالْعدْل على الْعَامَّة، قَالَ: فَمَا صَلَاح الْملك؟ قَالَ: الرِّفْق بالرعية، وَأخذ الْحق مِنْهُم، وأداؤه إِلَيْهِم عِنْد أَوَانه، وسد الْفروج، وَأمن السبل، وإنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم، وَأَن يحرص الْقوي على الضَّعِيف، قَالَ فَمَا صَلَاح الْملك؟ قَالَ: وزراؤه وأعوانه فَإِنَّهُم إِن صلحوا صلح، وَإِن فسدوا فسد.
[ ١٣١ ]
قَالَ: فأية خصْلَة تكون فِي الْملك أَنْفَع؟ قَالَ: صدق النِّيَّة " وَقَالَ الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب ﵇: " يَنْبَغِي للْملك أَن يعْمل بخصال ثَلَاث: تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب، وتعجيل الْمُكَافَأَة للمحسن، وَالْعَمَل بالأناة فِيمَا يحدث فَإِن لَهُ فِي تَأْخِير الْعقُوبَة إِمْكَان الْعَفو، وَفِي تَعْجِيل الْمُكَافَأَة بِالْإِحْسَانِ المسارعة فِي الطَّاعَة من الرّعية، وَفِي الأناة انفساح الرَّأْي، واتضاح الصَّوَاب ".
وَقَالَ أنو شرْوَان: النَّاس ثَلَاث طَبَقَات، تسوسهم ثَلَاث سياسات: طبقَة من خَاصَّة الْأَبْرَار، نسوسهم بالْعَطْف واللين وَالْإِحْسَان.
وطبقة من خَاصَّة الأشرار نسوسهم بالغلظة، والشدة.
وطبقة بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء، نسوسهم بالغلظة مرّة وباللين مرّة، لِئَلَّا تخرجهم الغلظة وَلَا يبطرهم اللين.
رفع إِلَى المعتضد - ﵀ - أَن قوما يَجْتَمعُونَ ويرجفون ويخوضون فِي الفضول، وَقد تفاقم فسادهم، فَرمى بالرقعة إِلَى وزيره عبيد الله بن سُلَيْمَان، فَقَالَ: " الرَّأْي قتل بَعضهم وإحراق بَعضهم، فَقَالَ المعتضد: وَالله لقد بردت لهيب غَضَبي بقسوتك هَذِه، ونقلتني إِلَى اللين من حَيْثُ أَشرت بِالْقَتْلِ والحرق، وَمَا علمت أَنَّك تستجيز هَذَا فِي دينك، أما علمت أَن الرّعية وَدِيعَة الله
[ ١٣٢ ]
عِنْد سلطانها وَأَن الله تَعَالَى سائله عَنْهَا، أما تَدْرِي أَن أحدا من الرّعية لَا يَقُول إِلَّا لظلم لحقه أَو داهية نالته، أَو نَالَتْ صاحبًا لَهُ، ثمَّ قَالَ: سل عَن الْقَوْم فَمن كَانَ سيئ الْحَال فَصله، وَمن كَانَ يُخرجهُ إِلَى هَذَا البطر خَوفه " فَفعل فصلحت الْحَال، قَالَ بعض الْحُكَمَاء: " من تغدى بسيئ السِّيرَة تعشى بِزَوَال الْقُدْرَة ".
وَقَالَ آخر: " من ساءت سيرته لم يَأْمَن أبدا، وَمن حسنت سيرته لم يخف أحدا ".
وَقَالَ آخر: " من أحسن فبنفسه بدا، وَمن أَسَاءَ فعلى نَفسه جنى، وَمن طَال تعديه كثر أعاديه ".
وَقَالَ آخر: " أفضل الْمُلُوك من أحسن فِي فعله وَنِيَّته، وَعدل فِي جنده ورعيته ".
قيل للإسكندر: " لَو استكثرت من النِّسَاء ليكْثر ولدك، فيدوم بهم ذكرك، فَقَالَ: دوَام الذّكر تَحْسِين السِّيرَة وَالسّنَن، وَلَا يحسن بِمن غلب الرِّجَال أَن يغلبه النِّسَاء ".
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: " مَا أعلم شَيْئا بعد الْإِخْلَاص بِاللَّه أفضل من نصيحه الْوَالِي لرعيته ".
[ ١٣٣ ]