إن أمة الإسلام مكلفة بتبليغ الحق الذي جاء من عند الله، وإرشاد البشرية بذلك إلى ما يسعدهم، ويجلب لهم الفلاح في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال جعلهم من أنفسهم، وهم يقومون بهذا التكليف نموذجًا تُحتذى أفعاله، وتسمع أقواله.
ومن أجل ذلك، فلم تنقطع مسيرة الدعوة إلى الله، ومحاولة إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، ومن عبودية العباد إلى عبادة رب العباد، هذا من جهة، ومن جهة ثانية بترسيخ مفاهيم الإسلام بين أتباعه الذين يدينون به.
[ ١٤٨ ]
ورغم استمرار الدعوة الإسلامية على مر العصور الإسلامية الماضية إلا أنها، وباعتبارها جهودًا بشرية محدودة تتعرض من حين لآخر للقوة والضعف؛ ولهذا فإن عناية الله -﷾- بهذه الأمة تتجلى في فترة الضعف بالذات؛ حيث يقيض الله للمسلمين من يقوم منهم ليعيد للدين نضارته، وينتشل المسلمين من كبوتهم، ويزيل الغبش الذي قد يكون علق بأذهانهم، وفكرهم، فلبس عليهم دينهم.
وتأتي عناية الله -كما نوهنا من قبل- فتقيض للأمة من داخل نفسها، ومن أبنائها البررة من يحاول إعادة الأمة إلى جادة الصواب. والأمة اليوم تعج الساحة الإسلامية بحركات إسلامية، لا شك في أنها مثلت مظهرًا من مظاهر الرجعة إلى الدين، والتي أعادت -وبحق- جريان الإسلام في عروق وقلوب الأمة بعد أن تكالبت كل الشرور من الأعداء؛ لوقف الدين، ودفن ينابيعه.
لكننا نريد أن نؤكد على أن الإسلام هو دين الوحدة شعاره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، وشعاره: التواثق، والترابط، والبروز صفًّا واحدًا، كما قال النبي -ﷺ-: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
وقد كثرت النصوص في الأمر بالاجتماع، والنهي عن التفرق، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، إلى أن قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٠٥)، وقال تعالى في ذم الخلاف والفرقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٩).
[ ١٤٩ ]
وقد كثرت كتابات العلماء المخلصين في الحث على الاجتماع، والنهي عن التفرقة، ودعوة كل الأحزاب الإسلامية، والجماعات الإسلامية إلى الاجتماع على كتاب الله، وسنة رسول الله بفهم أصحاب رسول الله -ﷺ.
ومن أبرز هذه الكتابات: ما قاله الشيخ بكر أبو زيد -﵀- في كتاب (حلية طالب العلم)، فإنه يقول محذرًا من التحزب: "إن الحزبية ذات المسارات والقوالب المستحدثة التي يعدها السلف من أعظم العوائق عن طلب العلم، والتفريق عن الجماعة، فكم وهنت حبل الاتحاد الإسلامي، وغشيت المسلمين بسبب الغواشي، فاحذر -رحمك الله- أحزابًا وطوائف طاف طائفها، ونجم بالشر ناجمها، فما هي إلا كالميازيب، تجمع ماء كدرًا، وتفرقه هدر ً ا، إلا ما رحم ربك".
ويقول الشيخ سعد الحصين: "وكيف تتجمع الصفوف، ويتحد المسلمون بواسطة جماعات، وطوائف، وأحزاب متفرقة، يحاول كل طرف فيها أن يثبت أنه على الحق، وغيره على الباطل، يؤيد حزبه، ويعارض الأحزاب الأخرى، ثم يضيف متسائلًا مرة أخرى: أم كيف تتجمع الصفوف، ويتحد المسلمون على عقائد مختلفة، وعلى مناهج مبتدعة، وعلى عبادات لم يكن عليها أمر محمد -ﷺ- وصحبه -رضوان الله عليهم أجمعين-؟!
ولقد أفتت اللجنة الدائمة بالرياض: بأنه لا يجوز التفرق، وأن على المسلمين أن يجتمعوا على كتاب الله، وسنة رسول الله. ففي الفتوى رقم ١٦٧٤ بتاريخ ٧/ ١٠/ ١٣٩٧، قالت اللجنة: لا يجوز أن يتفرق المسلمون في دينهم شيعًا وأحزابًا، يلعن بعضهم بعضًا، ويضرب بعضهم رقاب بعض، فإن هذا التفرق
[ ١٥٠ ]
مما نهي عنه ونعي على من أحدثه أو تابع أهله، وتوعد فاعلوه بالعذاب العظيم.
وقد برئ رسول الله -ﷺ- منه، قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ١٥٩)، وثبت عن الرسول -ﷺ- أنه قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، والآيات والأحاديث في ذم التفرق كثيرة.
وعليه، فإنها دعوة مخلصة نوجهها إلى جميع العاملين في الحركات الإسلامية، والجماعات الإسلامية ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤)، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، اجتمعوا على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله بفهم أصحاب رسول الله -ﷺ- فإنهم الذين تلقوا القرآن والسنة من في رسول الله -ﷺ- غضين طريين، وقد قال -﵊-: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا بعدي كتاب الله، وسنتي».
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٥١ ]