وها نحن نضرب بعض الأمثلة لعهد كل خليفة على حدة ليتبين لنا كيف كانت الحسبة في عهدهم -رضوان الله عليهم أجمعين.
الحسبة في عهد أبي بكر -﵁-:
فعلى الرغم من قصر فترة خلافته إلا أن ما قام به في هذه الفترة القصير عمل عظيم يُسجل له في الخالدين، الذين حفظوا للإسلام عزه وسؤدده وانتشاره، وكان في رأس كل أعماله موقفه الصلب القوي في حروب الردة؛ إذ جعل منه أعظم المحتسبين في التاريخ الإسلامي، فلولا توفيق الله أولًا، ثم ذلك الموقف الذي لم يرضخ فيه لبعض آراء الصحابة بألا يقاتل المرتدين؛ لما قامت للإسلام بعد ذلك قائمة، وكانت تلك الردة بداية سوسة تنخر في عظم الأمة حتى تقضي على دينها، ولكن لقوته -﵁- في الحق وقف وقفة مشهورة في وجه تيار الهجمة وحاربهم، وألزمهم الحق بالقوة، وقال قولته المشهورة: "والله لو منعوني عناق بعير كان يؤدونه لرسول الله -صلى الله عليه وسل م- لقاتلتهم على منعه".
ولقد كان ظهور فتنة الارتداد على ثلاث صور:
الأولى: الامتناع عن أداء الزكاة.
[ ٥٧ ]
والثانية: ادعاء النبوة ..
والثالثة: الارتداد مطلقًا.
وأمام هذه الفتنة العمياء اشتدت الأهوال بالصديق وبسائر المؤمنين، تقول أم المؤمنين عائشة -﵂- وهي تصف ذلك الكرب الذي حل بالمسلمين: "لما قبض رسول الله -صلى الله عليه وسل م- ارتدت العرب قاطبة، واشرأبت الأعناق، والله قد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسي ات لهاضها، وص ار أصحاب محمد -صلى الله عليه وسل م- كأنهم معزى مطيرة في حُشٍّ في ليلة مطيرة بأرض مسبعة".
ولو أردنا أن نقف على جانب من احتساب الصديق بنفسه على هذا المنكر العظيم، وهذه الفتنة العمياء إلى جانب إسناده أمر الاحتساب في شأنها إلى رجال آخرين؛ لوجدنا أنه -﵁- قد خرج شاهرًا سيفه إلى ذي القصة لقتال القبائل المرتدة الذين جاءوا لمهاجمة المدينة النبوية. ولما طلب منه المسلمون البقاء في المدينة، وإرسال من ينوب عنه قال: "لا والله لا أفعل، ولأواسينَّكم بنفسي".
ومن صور احتسابه -﵁-: ما قام به مع أحد الصحابة -وهو عبد الرحمن بن عوف، ﵄- وهو ينازع جار له قائلًا له: "لا تماض جارك، فإنه يبقى ويذهب عنك الناس" أي: لا تشاتم جارك.
ومنها: احتسابه على عمر بن الخطاب -﵁- حينما بلغه طلب الأنصار بتأمير شخص غير أسامة -﵁- عليهم، فقد نقل الطبري أن عمر بن الخطاب -﵁- قال لأبي بكر الصديق -﵁-: "إن الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلًا أقدم سنًّا من أسامة، فوثب أبو بكر -﵁- وكان جالسًا فأخذ
[ ٥٨ ]
بلحية عمر فقال: ثكلت أمك وعدمتك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله -صلى الله عليه وسل م- وتأمرني أن أعزله".
ومنها: احتسابه في شأن مخنث وُجد في عهده بالمدينة النبوية، فلقد علم برجل مخنث فأمر بإخراجه فأخرج من المدينة، أخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: "أمر النبي -صلى الله عليه وسل م- برجل من المخنثين فأُخرج من المدينة، وأمر أبو بكر ﵁ برجل منهم فأخرج أيضًا".
ومن صور احتسابه أيضًا: أنه ظهر في عهده -﵁- أن بعض النساء قُمن بقطع شعورهن، فسئل عن ذلك فقال: "على من فعلت ذلك أن تستغفر الله وتتوب، ولا تعود إلى مثله، قيل: فإن فعلت ذلك بإذن زوجها؟ قال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قيل له: ولم لا يجوز لها ذلك؟ قال: لأنها شبَّهت نفسها بالرجال، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسل م-: «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال»، ولأن الشعر للمرأة بمنزلة اللحية للرجل، فكما أنه لا يحل للرجل أن يقطع لحيته، فكذلك لا يحل للمرأة أن تقطع شعرها، قيل له: وإذا وصلت شعرها بشعر غيرها؟ قال: لا يحل لها ذلك".