أما الحسبة في عهد الفاروق عمر -﵁- فصورها كثيرة جدًّا:
ومن صور احتسابه -﵁- في مجال العبادات: أنه جمع الناس على إمام لصلاة التراويح في رمضان حتى أصبحت بين المسلمين سنة يُعمل بها، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب -﵁- ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع
[ ٥٩ ]
متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ﵁، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون" يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
ومنها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر -﵄- قال: "دخل رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسل م- المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب الناس، فقال عمر -﵁-: أية ساعة هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: الوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- كان يأمر بالغسل".
فهذه صور من صور احتساب عمر -﵁- على الناس في العبادات.
أما احتسابه على عماله؛ فقد خطب -﵁- يومًا فقال: "أيها الناس، إني ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقتصنَّ منه".
وكان -﵁- إذا استعمل عاملًا اشترط عليه ألا يركب برذونًا، ولا ولا يلبس رقيقًا، ولا يأكل نقيًّا، ولا يتخذ بابًا دون حوائج الناس، فإن فعل شيئًا من ذلك جلب إليه العقوبة".
وكتب -﵁- إلى عماله يحثُّهم على الصلاة فقال: "إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها وحفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواه أضيع".
[ ٦٠ ]
ومن اهتمامه -﵁- بأمر الأسواق: أنه كان يطوف في الأسواق حاملًا درته م عه يؤدب بها من رآه مستحقًّا لذلك، روى ابن سعد عن أن س بن مالك -﵁- قال: "رأيت على عمر -﵁- إزارًا في أربع عشرة رقعة وما عليه قميص ولا رداء معتم معه الدرة يطوف في سوق المدينة".
أما احتسابه -﵁- فيما يتعلق بالآداب العامة والأخلاق؛ فمنها: ما حكاه الماوردي عن إبراهيم النخعي: "أن عمر بن الخطاب -﵁- نهى الرجال أن يطوفوا مع النساء، فرأى رجلًا يصلي مع النساء فضربه بالدرة، فقال الرجل: والله إن كنت أحسنت لقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فما علمتني، فقال عمر: أما شهدت عزمتي؟ قال: ما شهدت لك عزمة، فألقى عمر الدرة إليه وقال: اقتص. قال: لا أقتص منك اليوم. قال: فاعفُ عني. قال: لا أعفو، فافترقا على ذلك ثم لقيه من الغد فتغير لون عمر، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين كأني أرى ما كان مني قد أسرع فيك. قال: أجل، قال: فأشهد الله أني قد عفوت عنك".
وبلغه أن رجلًا يعقل النساء إذا أردن القيام فإذا قمن سقطن، فتتكشف الواحدة منهن فيضحك عليه بقية النساء، فدعاه وكلمه فأقر فضربه مائة، وهو معقول، ونهاه أن يدخل على النساء المغيبات.
وأما احتسابه -﵁- فيما يتعلق بالحيوان؛ فقد روى المسيب بن دار قال: "رأيت عمر بن الخطاب -﵁- يضرب رجلًا ويقول: حملت جملك ما لا يطيق".
[ ٦١ ]