أما الحكمة من مشروعيتها؛ فقد قال فيها الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه (أصول الدعوة): "وحكمة مشروعيتها ظاهرة؛ لأن تبليغ الدعوة الإسلامية بجميع معانيها يندرج تحت المفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن من حكمة مشروعيتها توقي العذاب، واستنزال رحمة الله -﷿- وبيان ذلك أن المعاصي سبب المصائب، وما ينزل على الناس من عذاب التأديب أو الانتقام أو الاستئصال، وبهذا جرت سنة الله تعالى، فقد قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى: ٣٠)، وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب للمصائب والهلاك فقط يذنب الرجل أو الطائفة، ويسقط الآخرون فلا يأمرون ولا ينهون فيكون ذلك من ذنوبهم فتصيبه المصائب.
وفي الحديث الشريف قال النبي -ﷺ-: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعذاب منه».
[ ٣٩ ]
وفي الصحيح أن النبي -ﷺ- دخل على زينب بنت جحش -﵂- ذات ليلة وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه، قالت: قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث»، وقد قال الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ٢٥).
وكما أن المعصية سبب المصيبة والعذاب، فإن الطاعة سبب النعمة والرخاء ورضوان الله تعالى، وبذلك جرت سنة الله -﷿- كما قال -﷿-: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: ٧)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: ٤١، ٤٢)، وقال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٨).
فالطاعة تجلب الخير والبركة والرحمة، والمعصية تجلب العذاب واللعنة، ولن تدفع اللعنة، ولن تستجلب الرحمة إلا بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه هي الحكمة من مشروعية الحسبة.