وقد يتشبث البعض بعدم استجابة الناس وأنه يأمر ولا يطيعونه، وينهى ولا يطيعونه.
والجواب على هذه الشبهة: أن المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله، وهذا هو الواجب عليه، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِل اَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤).
فإذا كان الرسول غير مكلف إلا بالتبليغ فغيره من آحاد الأمة أولى ألا يكلف بغير التبليغ، وتعليل ذلك من وجهين:
[ ٣٦٥ ]
الأول: أن القاعدة الأصولية تقول: إن الإنسان لا يكلف بفعل غيره أي: لا يكلف أن يفعل غيره فعلًا معينًا أو يترك فعلًا معينًا؛ لأن هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق، وإنما يكلف الإنسان أن يفعل هو فعلًا معينًا يتعلق بغيره، وقد يحمله على الفعل كالدعوة إلى الله، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالمسلم مطالب ومكلف بأن يأمر بالمعروف، وقد يستجيب المأمور، فيكون أمر الآمر سببًا لفعل المأمور، وقد لا يستجيب المأمور، وبهذا مدح الله تعالى إسماعيل -﵇- بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْض ِيًّا﴾ (مريم: ٥٤، ٥٥).
فالذي يملكه المسلم ويكلف به أن يأمر غيره بالمعروف، ويدعوه إلى عبادة الله ولا يكلف بأن يفعل الغير فعلًا معينًا، فإذا أمر المسلم بالمعروف فائتمر بأمره، ونهى عن المنكر فترك ذلك المنكر، فقد وقع أجره على الله، وجاءه الأجر والثواب كلما فعل هذا المعروف الذي أمر به، وكلما ترك هذا المنكر الذي نهى عنه، وإن أمر بالمعروف ولم يؤتمر بأمره ونهى عن المنكر فلم يترك هذا المنكر، فقد وقع أجره على الله، وحصل ثواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم إن الاستجابة والهداية مردها إلى الله -﵎- لا يملكها أحد سواه، ولذلك قال الله تعالى للنبي -ﷺ-: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (البقرة: ٢٧٢) وقال: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (القصص: ٥٦).
وهذه الهداية التي نفاها الله تعالى عن رسوله -ﷺ- هي هداية التوفيق الذي هو خلق قدرة الطاعة، وخلق قدرة القبول في القلب قلب المدعو والمأمور المنهي، فهداية التوفيق والسمع والطاعة والقبول بيد الله -﷿- يهدي من يشاء
[ ٣٦٦ ]
ويعصم ويعافي فضله، ويضل من يشاء ويقدر ويبتلي عدلًا، وما على المسلم إلا أن يأمر وينهى ويدل ويرشد ويهدي، وهذه هي هداية البيان التي كلف الله بها رسوله وأتباعه؛ ولذلك قال الله تعالى للنبي -ﷺ-: ﴿وَإِنَّ كَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (الشورى: ٥٢).
هذه الهداية التي أثبتها الله تعالى رسوله -ﷺ- هي هداية الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن ال منكر، كما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المؤمنون: ٧٣)، ف علينا أن نأمر بالمعرو ف وأن ننهى عن المنكر، وأن ندعوا إلى الله قيامًا بالواجب الذي فرضه الله علينا، ومعذرة إلى ربنا، وإقامة للحجة لله على عباده أنه بلغتهم دعوة الله -﷾- ثم بعد ذلك من شاء الله أن يهديه هداه، ومن يشأ أن يضله أضله، ويكون المسلم قد أمر بالمعروف ون هى عن المنكر طاعة لله ولرسوله.
فعلينا إذًا أن نستمر في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا كلل ولا ملل ولا فتور؛ لأن واجبنا هو البلاغ والتبيين، وأما الهداية فإلى الله -﷿.
ولقد لبث نوح -﵇- في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله -﷿- وهكذا كان رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- يدعون أقوامهم مدة حياتهم؛ فمنهم من استجاب له قومه أو بعضهم ومنهم من لم يستجب له أحد كما قال النبي -ﷺ-: «عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد».
وبذلك صرح أئمة السلف -رضوان الله عليهم أجمعين- في أن المسلم مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء استجاب الناس له أو لم يستجيبوا له، وأن هذا الواجب لا
[ ٣٦٧ ]
يسقط عن المكلف لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، فإن الذي على المسلم الأمر والنهي لا القبول.
يقول الحافظ ابن رجب -﵀- في (جامع العلوم والحكم): وقد حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنه لا يقبل منه، وصح القول بوجوبه، وهذا قول أكثر العلماء، وقد قيل لبعض السلف في هذا، فقال: يكون لك معذرة، يعني: أؤمر وانهِ، وإن لم يقبل منك يكون لك معذرة أنك أبرأت ذمتك، وقمت بما فرض الله -﵎- عليك، وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قال لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ (الأعراف: ١٦٤).
قال الحافظ ابن رجب: وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ففي (سنن أبي داود) وابن ماجه، والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؟ قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله -ﷺ- فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوى متعبًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك رأي العوام».
وفي (سنن أبي داود) عن عبد الله بن عمر قال: بينما نحن جلوس حول رسول الله -ﷺ- إذ ذكر الفتنة فقا ل: «إذا رأيتم الناس مرجت عقولهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا وشبك أصابعه، فقلت له: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ فقال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة».
[ ٣٦٨ ]
وكذلك روي عن طائفة من الصحابة في قول الله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالوا: لم يأتِ تأويلها بعد إنما تأويلها في آخر الزمان.
وعن ابن مسعود -﵁- قال: "إذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية".
وعن ابن عمر -﵄- قال: "هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم".
وقال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة قالوا: "إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت".
وعن مكحول قال: "لم يأتِ تأويلها بعد إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت".
وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: "يا لها من ثقة ما أوثقها، ومن سعة ما أوسعها".
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: "وهذا كله قد يحمل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف أو خاف الضرر سقط عنه".
وكلام ابن عمر يدل على أن من علم أنه لم يقبل منه لم يجب عليه.
كما حكي رواية عن أحمد، وكذلك قال الأوزاعي: "أؤمر من ترى أن يقبل منك".
وقال ابن النحاس في كتابه (تنبيه الغافلين): قال الغزالي: "إذا علم أن كلامه لا ينفع ولا يفيد لا يجب عليه الإنكار؛ لعدم الفائدة؛ ولكن يستحب؛ لإظهار شعائر الإسلام؛ وتذكير الناس بالدين".
[ ٣٦٩ ]
وقال النووي في (الروضة) و(شرح مسلم): "لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكونه يعلم أنه لا يفيد أو يعلم بالعادة أنه لا يؤثر كلامه؛ بل يجب عليه الأمر والنهي، فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
قال ابن النحاس: قلت: وهو من باب إقامة الحجة على المعاندين، ولأنه يسأل عن ذلك يوم القيامة.
وقال ابن مفلح في (الآداب الشرعية)، وقال القاضي أبو يعلى في كتابه (المعتمد): "ويجب إنكار المنكر، وإن لم يغلب في ظنه زواله" في إحدى الروايتين نقلها أبو الحارث، وقد سأله عن الرجل يرى منكرًا، ويعلم أنه لا يقبل منه ويسكت؛ فقال؛ إذا رأى المنكر فليغيره ما أمكنه، وهو الذي ذكره أبو زكريا النووي عن العلماء، قال: كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾.
وفي رواية أخرى: "لا يجب حتى يعلم زواله" نقلها حنبل عن أحمد، فيمن يرى رجلًا يصلي لا يتم الركوع والسجود، ولا يقيم قا ل: "إن كان يظن أنه يقبل منه أمره ووعظه حتى يحسن صلاته".
وذكر في كتاب (الأمر بالمعروف) هذه من شرط إنكار المنكر غلبة الظن في إزالة المنكر روايتين:
إحداهما: ليس من شرطه بظاهر الأدلة، والثانية من شرطه، وهي قول متكلمين؛ لبطلان الغرض.
وكذا ذكرهما القاضي فيما إذا غلب على الظن أن صاحب المنكر يزيد في المنكر.
وقال ابن عقيل: "إذا غلب على ظنه أنه لا يزول فروايتان إحداهما يجب".
[ ٣٧٠ ]
وقال في رواية أخرى: في الرجل يرى منكرًا، ويعلم أنه لا يقبل منه هل يسكت؟ قال: يغير ما أمكنه، وظاهره أنه لم يسقط.
وقال في (نهاية المبتدئين): "وإنما يلزم الإنكار إذا علم حصول المقصود، ولم يقم به غيره، وعنه إذا رجع حصوله، وهو الذي ذكره ابن الجوزي، وقيل: يمكنه وإن أيس من زوال، أو خاف أذى أو فتنة.
وفي (نهاية المبتدئين): "يجوز الإنكار فيما لا يرجى زواله، وإن خاف أذى قيل: لا، وقيل: يجب، والذي ذكره القاضي في (المعتمد) أنه لا يجب، ويخير في رفعه الإمام خلافا لمن قال: يجب رفعه إلى الإمام، وإذا لم يجب الإنكار فهو أفضل من تركه جزم به ابن عقيل.
قال القاضي خلافًا لأكثرهم في قولهم ذلك: قبيح ومكروه إلا في موضعين:
أحدهما: كلمة حق عند سلطان جائر.
والثاني: إظهار الإيمان عند ظهور كلمة الكفر.
وقال أبو الحسين: "واختلفت الرواية هل يحسن الإنكار، ويكون أفضل من تركه؟ على روايتين.
وفيه رواية ثالثة أنه يقبح، وبه قال بعض الفقهاء المتكلمين.
أما قول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: ٩)، فقد قال الإمام القرطبي -﵀- قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: فعظ قومك يا نبينا بالقرآن ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أي: الموعظة.
وروى يونس عن الحسن قال: "تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر"، وكان ابن عباس يقول: "تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي".
[ ٣٧١ ]
وقال الجرجاني: "التذكير واجب، وإن لم ينفع، والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، فحذف، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (النحل: ٨١) يعني: والبرد، وقيل: إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم، وقيل: إنَّ ﴿إِن﴾ بمعنى: ما، أي: فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون إن بمعنى: ما، لا بمعنى الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال قاله ابن شجرة.
وذكره بعض أهل العربية أن ﴿إِن﴾ معنى: إذ، أي: إذ نفعت كقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ (آل عمران: ١٣٩) أي: إذ كنتم فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم، وقيل بمعنى: قد.
أما الفخر الرازي، فقد قال في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: ٩) هنا سؤالات:
السؤال الأول: أنه -﵇- كان مبعوثًا إلى الكل، فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم، فما المراد من تعليقه على الشرط ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: ٩)؟
الجواب: أن المعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدمًا عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (النور: ٣٣)، ومنها قوله تعالى: ﴿وَا شْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ (البقرة: ١٧٢)، ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (النساء: ١٠١) فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣) والرهن جائز مع الكتابة، ومنها قوله تعالى: ﴿فَل اَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ِ﴾ (البقرة: ٢٣٠) والمراجعة جائزة بدون هذا الظن.
إذا عرفت هذا، فنقول: ذكروا لذكر هذا الشرط ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ فوائد:
[ ٣٧٢ ]
إحداها: أن من باشر فعلًا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض كان ذلك الفعل أوجب من السورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء، فلذلك قال: ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.
وثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين، ونبه على الأخرى كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ والتقدير: فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع.
وثالثها: أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بين الحق: قد أوضحت لك إن كنت تعقل، فيكون مراده القبول والانتفاع به.
ورابعها: أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول -ﷺ- أنه لا تنفعه ذكرى كما يقال للرجل: ادع فلانًا إن أجابك، والمعنى: وما أراه يجيبك.
وخامسها: أنه -﵇- دعاه إلى الله كثيرًا، وكلما كانت الدعوة أكثر كان عتوه أكثر، وكان -عليه سلام- يحترق حسرة على ذلك، فقيل له: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد﴾ (ق: ٤٥).
إذ التذكير العام واجب في أول الأمر، فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود، فهذا المعنى قيده بهذا الشرط.