الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو في أساسه دعوة إلى الإصلاح والتقويم، وإلزام الناس ذلك بالتي هي أحسن، وليس دعوة إلى العنف، وتعسف الناس، وظلمهم. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، وفي حالات معينة، فإن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وهو يقوم بهذا الإصلاح يعتبر مربيًّا، ومن مستلزمات التربية: التأديب، والتأديب في مواقف محددة يحتاج إلى بعض الوازع السلطاني؛ ليكون رادعًا في قضايا يأبى فيها صنف ممن اجتالتهم الشياطين، وتغلغل في قلوبهم الران، وطغت
[ ١١١ ]
عليهم الصفات البهيمية؛ حتى أصبحوا لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، ولا تؤثر فيهم الكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة.
فهؤلاء لا بد من أطرهم على الحق أطرًا، وهذا ما جاء في حديث الرسول -ﷺ- وهو يتكلم عن تضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بني إسرائيل حيث قال: «والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم».
وصدق أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- عندما قال: "إنّ الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
وعلى هذا؛ فإنه كانت ولا زالت لوالي الحسبة بعض الصلاحيات التأديبية، والتي تعرف في الفقه الإسلامي باسم: حق التعزير. وهذه السلطة أو الصلاحية ليست إلا لوالي الحسبة ومساعديه؛ فإن المحتسب إذا عجز عن تغيير المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة أخذ في تغييره بحسب طرق تغيير المنكر، ومنها: أن يستعمل التعزير.
والتعزير في اللغة: مصدر عزر من العزر، وهو الردع والمنع. ويختلف حكم التعزير باختلاف أحوال المذنب، فتأديب أهل الصيانة ووجوه القوم أخف من تأديب أهل البزاءة والسفاهة والسوقية، لا سيما إذا كانت المخالفة تحصل منه لأول وهلة.
[ ١١٢ ]
وقد يكفي في ردع رجل الكلام، ويحتاج مع آخر إلى الضرب، فالتعزير بالنسبة للمحتسب قد يكون بالضرب، أو بالنفي، أو بالحبس، أو الغرامة المالية، أو الصلب، أو التشهير، أو الهجر، أو التوبيخ، أو التهديد، والتخويف، أو العتاب، أو الإعراض، أو الوعظ، أو الإعلام.
أما الحدُّ: وهو في الجرائم والكبائر التي قد فرض الشارع فيها عقوبات مقدرة كالقتل العمد، والزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والقذف، فإن النظر فيها، والتحقيق مع فاعلها، وتطبيق عقوبتها يكون من اختصاصات القضاة؛ فإذا ثبت الحكم على أحد المجرمين بجلده في الخمر، أو بقطعه في السرقة، أو برجمه أو جلده في الزنا، أو بجلده في القذف تولى تنفيذ ذلك والي الحسبة، ولا سيما إذا كانت القضية مرفوعة عن طريق ولاية الحسبة.
وها نحن نوضح ما أجملناه من أنواع التعزير التي يستخدمها المحتسب فنقول:
أولًا: الاستدعاء والتهديد: للمحتسب إذا ما علم بمخالفة من شخص توجب الاحتساب عليه، كأن يعثر على من ينقص المكيال، أو يبخس الميزان، أو غش بضاعة، أو فعل ما يستوجب الاحتساب عليه، استدعاه واستتابه عن معصيته إن كانت للمرة الأولى، وبدا للمحتسب أنه جاهل بحكم ما ارتكب، ثم يوعظه، ويخوفه بالله، ثم يحذر من العقوبة والتعزير، فإن عاد إلى فعله عذره على حسب ما يليق من التعزير، وعلى قدر الجناية، ولا يبلغ به حد الحد.
وقد هدد عمر بن الخطاب -﵁- من يشبب بالنساء من الشعراء بالجلد.
ثانيًا: التوبيخ والتبكيت: قد يرى المحتسب ولا سيما في بعض المخالفات التي لا تستدعي ما هو أشد من هذه الوسيلة أن في تأنيب، بل وتوبيخ صاحب المخالفة ما هو رادع له، ولا سيما إذا كانت المخالفة من متساهل، أو ممن هو من أهل
[ ١١٣ ]
الفضل والمنزلة، وحصلت منه بسبب تساهله أيضًا، كأن يكون ترك مندوبًا ونحوه.
وفي مثل هذا روى ابن عمر -﵄-: "أن عمر بن الخطاب -﵁- بينما هو يخطب الناس يوم الجمعة دخل رجل من أصحاب رسول الله -ﷺ- فناداه عمر: أي ساعة هذه؟ فقال: إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله -ﷺ- كان يأمر بالغسل".
ثالثًا: الهجر: كأن يرى المُحتسب أن يهجر فاعل المنكر مدة من الزمن، ويأمر أعوانه وغلمانه، ومن يعرفهم من أهل الخير بمقاطعته، وعدم التعامل معه إذا كان من التجار أو الصناع أو الزراع وأهل الحرف، كأن يكون هناك صانع، أو تاجر اشتهر بالغش والتحايل، ونصح وبذلت معه وسائل أقل من وسائل التعزير، فلم تنفع معه، فللمحتسب أن يستخدم معه وسيلة الهجر؛ لعلها تمنع ما هو أشد منها من وسائل التعزير الأخرى، وترجعه إلى صوابه، وهو أسلوب تعزيري جاءت به النصوص الشرعية.
فقد قال الله -﷿- في شأن الزوجة الناشز: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: ٣٤)، وكذلك قصة هجر الرسول -ﷺ- للثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج معه إلى غزوة تبوك، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية. وأمره -ﷺ- لصحابته بمقاطعتهم وهجرهم إلى أن تاب الله عليهم بعد مرور خمسين ليلة، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: ١١٨).
[ ١١٤ ]
رابعًا: التشهير: والتشهير كالهجر عقوبة معنوية أكثر من كونها بدنية، والمقصود منها: التسميع بالمذنب والمخالف، والمناداة عليه بما ارتكب من الذنب. وقد يلجأ إليها إذا لم تجدي الوسائل السابقة، وقد يلجأ إليها المحتسب كإجراء أولي وفي ظروف خاصة.
وكان الولاة المحتسبون السابقون عندما يريدون التشهير بالمذنب يركبونه حمارًا أو جملًا، ويلبسونه الطرطور، ويدار به في السوق، ويؤمر من يطوف به أن يقول: هذا فلان قد فعل كذا فاحذروه. وقد فعل هذه الوسيلة عمر بن الخطاب -﵁- بشاهدي الزور؛ حيث أركبهما ركوبًا مقلوبًا، وسود وجهيهما.
خامسًا: الغرامة المالية: وقد يستخدمها المحتسب في حالات معينة، لا سيما في إتلاف بعض المحرمات من آلات طرب وخمور بآنيتها وما إلى ذلك، وذلك مشروع كما يقول ابن قيم الجوزية -رحمة الله عليه- في مواضع مخصوصة في مذهب مالك، وأحمد، وأحد قولي الشافعي. وقد جاءت السنة عن رسول الله -ﷺ-، وعن أصحابه في مواضع، ونذكر منها: إباحته -ﷺ- سلب من يصطاد في حرم المدينة لمن وجده.
ومثل أمره -ﷺ- بكسر دينان الخمر، وشق ظلوفها، ومثل أخذه شطر مال مانع الزكاة، كما في الحديث أنه -ﷺ- قال في الصدقات: «من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا».
وقد عزسر عمر -﵁- بذلك بإحراقه حانوت رويشد الثقفي الذي كان يباع فيه الخمر، وقال له: إنما أنت فويسق ولست برويشد.
[ ١١٥ ]
ومن التعزيرات التي تدخل في صلاحية المحتسب: الصلب: وهو أن يربط المخالف الذي استحق التعزير إلى سارية أو خشبة مدة محدودة، بشرط: ألا تزيد عن ثلاثة أيام، ولا يمنع فيها عن الطعام ولا الشراب، ولا يمنع من وضوء الصلاة، ويصلي بالإيماء، ويعيد الصلاة إذا أطلق.
ويجوز لوالي الحسبة أن يأتي بالمذنب إلى المكان الذي ارتكب فيه جريمته فيصلبه حيًّا ووجهه إلى الناس؛ ليرونه، ويجعل فوق مكانه منشورًا بما فعل ليقرأه كل من مر عليه.
ومن التعزيرات: التعزير بالحبس والنفي: فيجوز للمحتسب أن يعزر بالحبس والنفي، ذكره ابن تيمية -﵀- تحت عنوان: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية". حيث قال: "والتعزير أجناس، فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، وقد حبس عمر بن الخطاب -﵁- الحطيئة؛ لأنه كان يقول الكلام القبيح، ويمدح الناس ويذمهم بما ليس فيهم".
والنفي: هو التغريب عن الوطن، يجوز أن يستخدمه والي الحسبة ضمن التعازير التي يتخذها مع العصاة وأصحاب المخالفات الشرعية، والذين لم تنفع معهم الوسائل الأخرى، والأصل في ذلك ما فعله الرسول -ﷺ- بنفي أحد المخنثين من المدينة إلى خارجها، فعن أم سلمة -﵂- قالت: كان يدخل على أزواج النبي -ﷺ- مخنث، قالت: وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي -ﷺ- يومًا وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي -ﷺ-: «أرى هذا يعرف ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم هذا». وفي رواية لأبي داود وأخرجه: "وكان بالبيداء يدخل كل جمعة".
وقد طبق هذا التعزير أيضًا عمر بن الخطاب -﵁- كما في قصة نصر بن حجاج، وابن عمه أبي ذئب عندما نفاهما إلى البصرة.
[ ١١٦ ]
ومن وسائل التعزير: الضرب: وهو من أنجح وسائل التعزير التي يستخدمها المحتسب وغيره من السلطات القضائية، ويضرب المذنب لحق الله، أو لحق الآدميين بما يراه المحتسب رادعًا له. وكان يقوم به الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من حكام المسلمين؛ على اعتبار أن الضرب عقوبة في التعزير، وعلى ذلك انعقد الإجماع.
وقد فعله مشاهير المحتسبين من السلف، وأظهرهم عمر بن الخطاب -﵁- حيث كان شديدًا في الحق، فعن عبد الله بن ساعدة الهذلي قال: "رأيت عمر بن الخطاب يضرب التجار بالدرة إذا اجتمعوا على الطعام بالسوق حتى يخلوا السكك، ويقول: لا تقطعوا علينا سابلتنا".
وروى المسيب بن دارم قال: "رأيت عمر بن الخطاب -﵁- يضرب جمالًا ويقول: حملت جملك ما لا يطيق. ومر على رجل أضجع شاة ليذبحها، وجعل يحد الشفرة فعلاه بالدرة، وقال له: هلا حددتها أولًا؟ ".
واختلف في مقدار الضرب في التعزير على أقوال كثيرة، وهنا نذكر قاعدة قعدها شيخ الإسلام في هذه المسألة حيث يقول -﵀- في شأن التعزير بالضرب: "وليس لأقله حد، وأما أكثر التعزير بالضرب ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره:
أحدها: عشر جلدات.
والثاني: دون الحد، إما تسعة وثلاثين سوطًا، وإما تسعة وسبعين سوطًا، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
[ ١١٧ ]
والثالث: أنه لا يتقدر بذلك، وهو قول أصحاب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، هو إحدى الروايتين عنه.
لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لا يبلغ به ذلك المقدر، مثل: التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القدح، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير زنا لا يبلغ به الحد".
ثم رجح -﵀- هذا القول الثالث بقوله: "وهذا القول أعدل الأقوال، وعليه دلت سنة الرسول -ﷺ- وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي -ﷺ- بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة جلدة، ودرأ عنه الحد بالشبهة، وأمر أبو بكر، وعمر بضرب رجل وامرأة وجدًّا في لحاف واحد مائة مائة، وضرب عمر الذي نقش على خاتمه، وأخذ من باب المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة، ثم ضربه في اليوم الثالث مائة".
فهذه هي التعزيرات التي هي من صلاحيات المحتسب في الماضي.
أما الصلاحيات التعزيرية التي يمارسها المحتسب في الحاضر: فإن ما يمارسه المحتسب اليوم من الصلاحيات التعزيرية لا يخرج في مجمله عما كان يمارسه المحتسب في الماضي مع بعض التحديد والتنظيم، فقد صدرت أنظمة تحدد الأطر العامة لعمل المحتسب، ومن ذلك صلاحيات ممنوحة له فيما يتعلق بالتعزير، وعلى اعتبار أننا سنأخذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية كنموذج فيما يتعلق بواقع الحسبة المعاصر، فإن من قانون هذه المادة، المادة الرابعة: العقوبات التأديبية التي لوالي الحسبة أن يمارسها، وتتلخص في أخذ التعهد، التوبيخ، التأديب بالجلد، وبحد أعلى خمسة عشر سوطًا، أو عقوبة الحبس لمدة أقصاها ثلاثة أيام.
[ ١١٨ ]
وفي اللائحة التنفيذية في نظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الباب الرابع تفصيل وتوضيح لكيفية إيقاع هذه العقوبات التعزيرية.
ولم يكن المحتسب اليوم يقف عند حدود هذه الصلاحيات المحدودة، بل من حقه أن يطالب بإيقاع عقوبات أشد من تلك التي حددها له نظام الهيئة في حالة استحقاق المخالف لما هو أشد، ويكون ذلك برفع أوراق المستحق للعقوبة بعد استكمال التحقيق فيها إلى المحاكم الشرعية عن طريق الحاكم الإداري، وتبقى علاقته بالموضوع وفي كل مراحله الإجرائية حتى نهايتها، وصدور الحكم فيها على اعتبار أنه مدعي حسبة، وشاهد في الوقت نفسه.
وأحيانًا يكون تنفيذ العقوبة على بعض المخالفين من قبل رجال الحسبة بالهيئة بعد صدور الحكم، وبعض العقوبات الأخرى تنفذها الجهات الأمنية بحضور مندوب من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذه هي الصلاحيات التعزيرية كما كانت في الماضي، لكن الفرق هو في الإجراءات والتنظيم؛ لإيقاع هذه العقوبات التعزيرية لمن يستحقها.