وقد يتشبث البعض بمخافة الفتنة، فيترك الدعوة، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة أن تحدث الفتنة إذا أمر وإذا نهى، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه-: "ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة سار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليهم من ذلك؛ بأنه يطلب السلامة من الفتنة"،
[ ٣٧٣ ]
كما قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَم ِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ (التوبة: ٤٩).
وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي -ﷺ- بالتجهز لغزو الروم، وأظنه قال: هل لك في نساء بني الأصفر، فقال: يا رسول الله إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر، فائذن لي ولا تفتني، وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجبل أحمر وجاء فيه الحديث: «أن كلهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر» فأنزل الله تعالى فيه ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ (التوبة: ٤٩).
يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء، فلا يفتتن بهن، فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور، ومجاهدة نفسه عنه، فيتعذر بذلك أو يواقعه فيأثم، فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها، فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشارع، وإما للعجز عنها يعذب قلبه، وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك، وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء فهذا وجه قوله: ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾.
قال الله تعالى: ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ يقول: نفس إعراضه عن الجهاد الواجب، وركونه عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد هو نفسه فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ (الأنفال: ٣٩)، فمن ترك القتال الذي أمر الله تعالى به؛ لئلا تكون فتنة فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه، ومرض فؤاده وتركه بما أمر الله به من الجهاد.
[ ٣٧٤ ]
قال -﵀-: "فتدبر هذا فإن هذا مقام خطر، فإن الناس هنا ثلاثة أقسام: قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبًا لإزالة الفتنة التي زعموا، ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة، وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي، والقتال الذي يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا؛ لئلا يفتنوا، وهم قد سقطوا في الفتنة، وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة دخل فيها الافتتان بالسور الجميلة، فإنها سبب نزول الآية.
وهذه حال كثير من المتدين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا؛ لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب، وترك المحظور وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعًا أو تركهما جميعًا مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو المال وشهوات الغير، فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد، وإمارة ونحو ذلك، فلا بد أن يفعل شيئًا من المحظورات، فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين، فإن كان المأمور أعظم أجرًا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة، وإن كان ترك المحظور أعظم أجرًا لم يفوت ذلك برجاء ثواب فعل واجب يكون دون ذلك، فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات.
وتفصيل هذا يطول.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٣٧٥ ]