إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد:
المحتسب: هو من يأمر بالمعروف وينهى المنكر احتسابًا، إلا أن الفقهاء خصصوا هذا الاسم بمن يعينه ولي الأمر للقيام بالاحتساب، وسموا غير المعين بالمتطوع، وفرقوا بين المحتسب والمتطوع بفروق.
يقول الإمام الماوردي في (الرتبة في طلب الحسبة): "المحتسب من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم ومصالحهم وابتياعاتهم، ومأكولهم، ومشروبهم، وملبوسهم، ومساكنهم، وطرقاتهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر".
ويقول القاضي أبو يعلى الفراء: "والحسبة: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله".
وهذا وإن صح من كل مسلم، فالفرق بين المحتسب والمتطوع من تسعة أوجه:
أحدها: أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في فرض الكفاية.
الثاني: أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه بغيره، وقيام المتطوع به من النوافل الذي يجوز التشاغل عنه لغيره.
الثالث: أنه منصوب للاستعداء عليه فيما يجب، وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء.
الرابع: أن على المحتسب إجابة من استعدى به، وليس على المتطوع إجابته.
[ ٦٧ ]
الخامس: أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عما تُرك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعين بحث ولا فحص.
السادس: أن له أن يتخذ على الإنكار أعوانًا؛ لأنه عمل هو له منصوب، وإليه مندوب؛ ليكون له أقهر وعليه أقدر، وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانًا.
السابع: أن له أن يُعذر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها إلى الحدود، وليس للمتطوع أن يعذر على منكر.
الثامن: أن له أن يرتزق من بيت المال على عمله، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكاره.
التاسع: أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع، كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة، فيقر وينكر من ذلك ما أبداه اجتهاده إليه، وليس هذا للمتطوع".
وقد تكلم الدكتور عبد الكريم زيدان عن هذه الفروق وبيَّن رأيه فيها، فقال: "هذه الفروق بُنيت على أساس التفريق بين المعين للحسبة وغير المعين لها، والواقع أن الحسبة من فروض الإسلام، فلا يتوقف القيام بها على التعيين من قِبَل ولي الأمر، ومن ثَمَّ كانت تسمية غير المعين بالمتطوع تسمية غير دقيقة؛ لأنها تشعر بأن القيام بالحسبة من قبل غير المعين لها هو من قبيل القيام بالأمور المستحبة غير الواجبة.
ومع هذا فإن تنظيم الحسبة وضبطها من قبل ولي الأمر، وتعيين الأكْفاء لها؛ حتى لا تسود الفوضى في المجتمع باسم الحسبة. أقول: إن هذا التنظيم من الأمور
[ ٦٨ ]
الحسنة، ولكن بشرط ألا يكون هذا التنظيم مانعًا من قيام الآخرين بواجب الحسبة على الوجه المشروع، وعلى هذا لا نرى ما قاله الفقهاء من أن المحتسب له أن يتخذ أعوانًا. أما المتطوع فليس له ذلك؛ لأن اتخاذ الأعوان على الحسبة من التعاون على البر والتقوى، فلا ينبغي منع من يقوم بالحسبة من هذا التعاون بحجة أنه غير معين من قبل ولي الأمر ما دام صالحًا للحسبة، وتتوفر فيه شروطها".
وكذلك لا نرى منع المتطوع من التعذير على المنكرات الظاهرة أو على الأقل لا نرى منعه من التعذير مطلقًا؛ لأن التعذير درجات، فينبغي ألا يمنع إلا من بعضها لا كلها، كأن يمنع من الضرب والجلد، وولاية المحتسب يستمدُّها من الشرع الشريف؛ لأن المسلم مكلف بالحسبة، وحيث يوجد التكليف توجد الولاية على القيام بما كُلف به، إلا أنه في حالة قيام ولي الأمر بتنظيم أمور الحسبة، وتعيين الأكفاء لها، فإن المعين يملك من الولاية أكثر مما يملكه غير المعين، ومع هذا، فإن ولاية المحتسب المعين من قبل ولي الأمر يستمدها من الشرع، وإن جاءت عن طريق ولي الأمر باعتبار أن تنظيم ولي الأمر الحسبة سائغ مشروع فكأن الشرع خوَّله ذلك.
هذا هو المحتسب، والفرق بينه وبين المتطوع كما ذهب إليه الفقهاء، ورأي الدكتور عبد الكريم زيدان في هذه التفرقة.