إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
إن شرائع الإسلام لا تقوم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لذا فقد أوجبه الله -﷾- على الأمة؛ فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (آل عمران: ١٠٤).
فإن قامت هذه الأمة بهذا الواجب، فإنها تكون عزيزة مهابة الجانب متبوعة، وتتسنم قيادة الأمم، بل تكون مصدر خير للناس جميعًا تقودهم إلى ما فيه عزهم وتمكينهم ونجاتهم من عقاب الله تعالى في الدنيا وعذابه في الآخرة، حيث يقول الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: ١١٠)، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُو ر﴾ (الحج: ٤٠، ٤١).
وتكون بذلك قد أدت ما عليها، ونالت رضا ربها -﷿- وتجنبت مقته وسخطه -﷾- وعقوبته إياها، وإذا قصرت الأمة في أداء هذا الواجب، فإنها ستكون عرضة لعقاب الله -﷿- وسخطه، وستجري عليها سنن الله تعالى في هذا الكون التي لا تتأخر عن القوم الظالمين، وهذا هو العدل المطلق، فليس بين الله -﷾- وبين أحد نسب، وليس هناك محاباة في سنن الله -﷿.
وقد تحدثنا عن فوائد الحسبة في الدرس الأول من هذه المادة، وعرفنا ما يترتب من الخير على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى ضوء ما قدمنا من فوائد الأمر بالمعروف
[ ٣٣٧ ]
والنهي عن المنكر فإننا نستطيع أن نفهم عواقب التقصير في هذا الواجب، وتتلخص فيما يلي:
أولًا: التعرض للغضب، والسخط الإلهي في الدنيا المتمثل في اللعن والطرد من رحمة الله -﷿- مع التباغض والفرقة والخلاف.
في الحديث عن أبي موسى الأشعري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إن من كان قبلكم من بين إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعزيرًا، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرًا، وليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعن كم كما لعنهم».
كما يتمثل الغضب والسخط في تأمير الأشرار الذي يسومون الناس سوء العذاب مع عدم إجابة دعاء الأخيار، فعن أبي الرقاد قال: خرجت مع مولاي، وأنا غلام فدفعت إلى حذيفة- يعني: ابن اليمان- وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله -ﷺ- فيصير منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في ال مقعد الواحد أربع مرات: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير -أي: ليحض بعضكم بعضًا على فعل الخير- وليسحتنكم الله جميعًا بعذاب وليأمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم".
[ ٣٣٨ ]
كما يتمثل سخط الله وغضبه على الذين تركوا القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الخذلان والهزيمة، وتمكن العدو منهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -ﷺ- قال: «إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت الظالم، فقد تودع منهم» أي: استريح منهم وخذلوا، وخلي بينهم وبين ما يرتكبون من المعاصي.
ثانيًا: من العقوبات تمكن الباطل وسيادته، وذلك يؤدي إلى أن تتحول الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٤٠).
وقال النبي -ﷺ -: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، فلم نؤذِ من فوقنا فلو تركوا وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».
ثالثًا: إعطاء الكسالى والمقصرين من الناس المبرر للقعود بدعوى أنهم لم يجدوا من يرشدهم، ويأمرهم وينهاهم ويدلهم على الله تعالى.
رابعًا: تضييع طائفة كبيرة من الناس تتمتع بنفس شفافة وفطرة نقية، ولكن صرفتها عن الالتزام بالإسلام والعمل له صوارف الحياة، ولعل هذا والذي قبله مما نفهمه من قول الله تعالى: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ (الأعراف: ١٦٤).
خامسًا: مقت الرأي العام المسلم الحر الذي يحرس آداب الأمة، وأخلاقها وفضائلها، وحقوقها، ويجعل لها الشخصية وسلطانًا هو أقوى من القوة، وأنفذ من القانون.
[ ٣٣٩ ]
سادسًا: فقدان الناس لمعنى الأمن في أنفسهم، وفي أهليهم وذويهم وأموالهم الأمر الذي يؤدي إلى الكسل والتواني، والقعود عن أداء الواجب، وقد أشار الحديث إلى كل هذه العواقب؛ حيث قال -ﷺ-: «أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم». فهذه هي عواقب ترك الحسبة والقعود عنها والتخلي.