فضائل الحسبة -فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-:
وفضائل الحسبة في القرآن الكريم كثيرة، فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: ١١٣، ١١٤)، فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر، حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبيَّن -﷾- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات رحمته، فقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (التوبة: ٧١)، فنعت الله تعالى المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارجًا عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية.
[ ١٨ ]
وأخبر -﷾- بأنه سيرحمهم بسبب قيامهم بما وصفهم به من الإيمان والصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات رحمة الله، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات اللعنة والسخط والغضب، والعذاب، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ٧٨، ٧٩).
وهذا غاية التشديد إذا علَّل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر، وأخبر -﷾- أن هذه الأمة أمة محمد -ﷺ- كانت خير أمة للناس، وذلك بقيامها بالحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠)، وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ بيَّن أن الأمة إنما كانت خير أمة أخرجت للناس بقيامها بهذه الوظيفة.
كما بيَّن -﷾- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة من عذابه إذا حلَّ بمستحقيه، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: ١٦٥)، فبيَّن أن الناجين إنما استفادوا النجاة بالنهي عن السوء.
وأخبر -﷾- أن التمكين في الأرض إنما يتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الحج: ٤١).
[ ١٩ ]
وأخبر -﷾- بأنه إنما أهلك القرون الماضية بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: ١١٦) فبيَّن سبحانه أنه أهلك جميعهم إلا قليلًا منهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض.
ووعد -﷾- الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالأجر العظيم، فقال ﷿: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٤).
وبيَّن -﷾- أن الفائزين بخيري الدنيا والآخرة هم القائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤)، وهذه الجملة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تفيد عند أهل العلم باللغة العربية الحصر أي: أن الفلاح إنما يكون لهؤلاء الذي يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير. هذا بعض ما جاء في القرآن الكريم في فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما الأحاديث في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي كثيرة، فقد عدَّ النبي -ﷺ- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ورد ذلك في أكثر من حديث؛ فعن أبي ذر -﵁- أن ناسًا من أصحاب النبي -ﷺ- قالوا للنبي -ﷺ-: «يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال -ﷺ-: أو ليس قد جعل الله لكم ما
[ ٢٠ ]
تصدقون: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال -ﷺ-: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر».
وعن عائشة -﵂- قالت: إن رسول الله -ﷺ- قال: «إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى؛ فإنه يمشي وقد زحزح نفسه عن النار».
وعن أبي ذر -﵁- قال قال رسول الله -ﷺ-: «تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظمة عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة».
وأخبر -ﷺ- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات الجنة عن أبي كثير السحيمي عن أبيه قال سألت أبي ذر قلت: دُلني عن عمل إذا عمله العبد دخل الجنة، فقال أبو ذر -﵁- سألت عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه سلم- فقال: «تؤمن بالله واليوم الآخر، قلت: يا رسول الله إن مع الإيمان عملًا، قال: يرضخ مما رزقه الله، قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر».
[ ٢١ ]
وعن البراء بن عازب -﵄- قال: جاء أعرابي فقال: يا نبي الله علمني عملًا يدخلني الجنة، قال -ﷺ-: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة اعتق النسمة، وفك الرقبة، قال: أوليستا واحدة؟ قال: لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكفَّ لسانك إلا من الخير».