وللاحتساب فقه:
ينبغي للمُحتسب أن يكون محيطًا به؛ حتى لا يقع في المنكر وهو يحاول أن يزيل المنكر.
وفي فقه الاحتساب قال الدكتور عبد الكريم زيدان: "الغرض من الاحتساب إزالة المنكر من الأرض، وإيْجَادُ المَعْرُوف فعلًا".
وإذا كان هذا هو الغرض من الاحتساب؛ فيَجِبُ الوصول إليه بأيسر طريق وأقصره، بشَرْطِ أن يكون مشروعًا، وأن ينظر إلى ما يؤول إليه حسابه من جهة ما يترتب عليه من زوال مفسدة المنكر، وحلول مصلحة المعروف مكانه، وفي ضوء ذلك يقدم أو يُحجم عن الاحتساب.
ومما يعين على تفهم فقه الاحتساب بيان القواعد التالية:
القاعدة الأولى: الإنكار القَلْبي: يجبُ أن يكون كاملًا ودائمًا، وبالنسبة لكل منكر، وفائدته بقاء القلب في حساسيته ضد المنكر، وبقاء عزمه على التغيير عند الإمكان، أمّا الإنكار القولي، أو الفعلي؛ فيكون حسب الاستطاعة، ودليل ذلك قول ربنا سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦)، وما جاء في الحديث الشريف الذي ذكرناه: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
ويُلَاحَظُ هُنا أنّ الثَّوابَ يَكُون كاملًا -إن شاء الله تعالى- إذا كان المحتسب ينكر المنكر بقلبه، ويكرهه كراهية تامة، ويفعل لإزالته بقدر استطاعته.
القاعدة الثانية: إنما يطلب الاحتساب، إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة، فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر، أو حصول منكر أكبر، لم
[ ٢٦٣ ]
يكن هذا الاحتساب مطلوبًا شرعًا، وإن كان المحتسب عليه قد ترك واجبًا، أو فعل محرمًا؛ لأن على المحتسب أن يتقي الله تعالى في عباده، وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر، أو حصول منكر أكبر؛ لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحصيل الصلاح.
فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقدارًا من الفساد أكبر من الفساد القائم، أو يفوتُ من الصَّلاح مقدارًا أكبر من الصلاح الفائت؛ لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع.
ولا شك أن ما قلناه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والظروف، وعلى المُحتسب أن يتبصر فيها، ويزن مَقَادير المعروف والمنكر، التي تنتج عن احتسابه، ثم يُقدم بعد ذلك على احتسابه أو يُحجم، وهذا كله بالنسبة الواقعة المعينة والشخص المُعين، أما بالنسبة للعموم فهو يأمر بالمعروف منكرًا، وينهي عن المنكر مطلقًا. ونذكر بأننا قد أفردنا هذه القاعدة بدرس مستقل، وهي قاعدة في تغيير المنكر، بعدما تحدثنا عن الركن الثاني من أركان الحسبة وهو المُحتسب فيه.
القاعدة الثالثة: الأخْذُ بالرِّفق ما أمكن ذلك: ومستند هذه القاعدة ما يأتي:
أولًا: قول النبي -ﷺ-: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف».
ثانيًا: إنّ الإنسانَ بطبيعته، وما فُطِرَ عليه يقبل الأمر والنهي باللطف والرفق، ولين القول أكثر من قبوله عن طريق العنف، بل رُبَّمَا حمله العنف على الإصرار على المنكر، مراغمة للآمر وعنادًا له، ورُبّما دل على ما نقول قول الله تعالى لرسوله -ﷺ-: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) مع أنه -ﷺ- لا يأمر إلا بالمعروف ولا ينطق إلا بالحق.
[ ٢٦٤ ]
ثالثًا: إن الاحتساب المثمر هو الذي يجعل المحتسب عليه، قابلًا للاحتساب راضيًا به، مقتنعًا بضرورته ومضمونه؛ حتى يكون له من نفسه وازع يمنعه من العودة إلى المنكر، وهذا كله يُحتمل حصوله بقدر أكبر إذا كان الاحتساب بالرفق، وعدم الغضب والعنف، وبالمحاججة والمناقشة الهادئة المقنعة.
فقد روى الإمام أحمد بن حنبل -﵀- عن أبي أمامة -﵁-: «أنّ غلامًا شابًّا أتى النبي -ﷺ- فقال: يا نبي الله، أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به، فقال النبي -ﷺ-: قربوه، ادن فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي -ﷺ-: أتحبه لأمك، فقال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك؟ حتى ذكر -ﷺ- العمة والخالة. والغلام يقول في كل واحدة: لا. جعلني الله فداك والنبي -ﷺ- يقول له: كذلك الناس لا يحبونه، فوضع رسول الله -ﷺ- يديه على صدره، وقال: اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصّن فرجه، فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا».
رابعًا: إنّ الاحْتِسَاب يجري على السلطان كما يجري على غيره، كما بينا ذلك. والسُّلطان بِحَاجة إلى التلطف معه، لما يُحِسُّ من نفسه من السلطة، ولأنه محتاج إلى الهيبة، وقد يتطاول عليه المغرضون بحجة الاحتساب، فمنعًا لذلك ومراعاة لما يحس هو من نفسه، كان الرفق معه في الاحتساب هو المطلوب. وبهذا أشار الفقهاء، وقد أفردنا الاحتساب على السُّلطان بدَرْسٍ مُسْتَقِلٍّ، ويُقاس على السلطان نوابه، وولاة الأمور.
وقد يَدُلُّ على ما قلناه أو يؤديه أنّ اللهَ -﵎- أمر نبيه موسى -﵇- وأخاه هارون وقد أرسلهما إلى فرعون فقال لهما: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤).
[ ٢٦٥ ]
وما قلناه لا يعني أن الرِّفق هو الأسلوب الوحيد للاحتساب، أو أنه لا يجوز تركه في بعض الأحيان، وإنَّما يعني ما قلناه التأكيد على الرفق، والأخذ به كُلَّما أمكن ذلك، ولا يُستعاض عنه بغيره إلّا عند الحاجة أو الضرورة.
فمن مَجَالات الرّفق اللازمة للمحتسب، إذا غلب على ظنه أن المحتسب عليه قام بالمنكر جهلًا منه بحُكْمِه أو استجابة لهوى عابر، أو لضعف في إرادته، كما أنّ الرِّفقَ يُلازِمُه الاحتساب بالتعريف بالحكم، أو بالوعظ والإرشاد، أو بالتّخويف من الله تعالى؛ فإذا لم ينفع الرفق تحول المُحتسب إلى الشدة، وكذلك إذا كان المنكر جسيمًا لا يمكن معه الانتظار أخذ المحتسب بالشدة الكافية لدفعه، ولا يعتبر ذلك خروجًا عن قاعدة الرفق؛ لأنّ من معاني الرفق الحرص على مصلحة المحتسب عليه، بإبعاده عن المنكر، وتخليصه من المعصية وما يترتب عليها من العقاب.