فقد قال ابن الأخوة فيها: "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله به النبيين أجمعين، ولو طُوي بساطة وأهمل عمله وعلمه؛ لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، ونسيت الصلاة، وشاعت الجهالة، وانتشر الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، وإن لم يشعروا بالهلاك إلى يوم التناد. وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، فانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، واستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحقت عنها مراقبة الخالق، فاسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز على بسيط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم. فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسد هذه الظلمة، إما متكلفًا بعلمها، أو
[ ١١ ]
متقلدًا لتنفيذها، مجردًا عزمه لهذه السنة الداثرة، ناهضًا بأعبائها، ومشمرًا في إحيائها، كان متأثرًا من بين الخلق باحتسابه، ومستندًا بقربة ينال بها درجات القرب دون أجناس".
وقال الإمام النووي -﵀-: "اعلم أن هذا الباب -أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قد ضُيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم، به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقابه كما قال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣).
فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله -﷿ أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمة، ويخلص نيته، ولا يهابن من ينكر عليه بارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (الحج: ٤٠)، وقال ﷾: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٠١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩)، وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت ١ - ٣) ".
ثم قال -﵀-: "واعلم أن الأجر على قدر النصب، ولا يتاركه أيضًا لصداقته" أي: ولا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكون فلان صديقًا له، ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًّا، ومن حقه أن
[ ١٢ ]
ينصحه، ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، وإنما كان إبليس عدوًّا لنا لهذا، وكانت الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم، وهدايتهم إليها ونسأل الله الكريم توفيقنا وأحبابنا وسائر المسلمين لمرضاته، وأن يعمنا بجوده ورحمته"، والله تعالى أعلم.