إن الحمد الله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
خلق الله الإنسان واستخلفه في الأرض ليقوم بعمارة الأرض، ويسعى خلال فترة هذه الخلافة لتحقيق الغاية الكبرى وراء خلقه، ألا وهي عبادة الله تعالى كما قال -﷿-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).
وهذه الخلافة وإقامة أي مجتمع إنساني في الأرض تقتضي وجود سلطة تنظم حياة الناس ومعاشهم، وتحل مشاكلهم، والإسلام قد أولى قيام هذه السلطة اهتمامًا كبيرًا، بل وجعل طاعة من يقوم بهذه السلطة من طاعته وطاعة رسوله -ﷺ- طالما ظل يطبق منهج الله في أرضه وبين خلقه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، فمن هو ولي الأمر الواجبة طاعته والذي تبذل له النصيحة؟ إن ولي الأمر معنًى يشمل أصحاب الكلمة والنفوذ من الرئاسات الدينية، والإدارية، والتنفيذية، وأهل العقد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وأولي الأمر في الآية أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة، وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء، والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، كما قال أبو بكر -﵁- للأحمسية التي سألته: ما بقاؤنا على هذا الأمر -يعني: من الصواب والخير-؟ قال: "ما استقامت لكم أئمتكم"، ويدخل فيهم الملوك، والمشائخ، وأهل الديوان، وكل من كان متبوعًا، فإنه من أولي الأمر، لكن إذا أطلق ولي الأمر في المجتمع فهو ينصرف إلى الحاكم الخليفة، أو
[ ٢١٣ ]
الملك، أو رئيس الدولة أي: صاحب الولاية العامة أيًّا كانت تسميته، وطبيعي أن الذي سيقوم بهذه الولاية على الناس بشر مثلهم يصيب ويخطئ، ويحتاج لما يحتاجون إليه، ويأتي في مقدمة ما يحتاجه المتولي لأمور الناس في ولايته النصيحة حتى تستقيم أموره على العدل".
ولهذا نجد الكثير من النصوص الشرعية التي تحث على تقديم النصح والمشورة، وإقامة صرح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين حكامًا ومحكومين، والتي تشكل النصيحة جزءًا من هذا المبدأ الإسلامي العظيم، ومن هذه النصوص التي تحث على ذلك قول النبي -ﷺ-: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم».
ولو رجعنا وتفحصنا الأمر لوجدنا أن الحاكم المسلم الذي يخاف الله ويطبق شرعه لا ينتظر حتى تبذل له النصيحة مع احتمال أنها لا تبذل من كثير من الناس لخوف، أو مداهنة، أو لضعف في النفوس يهون من أمر النصيحة وبذلها، بل يذهب هو ويعمل على الحصول عليها من أهلها، وهذا ما سار عليه الخلفاء الراشدون، ومن نهج نهجهم ممن جاء بعدهم، بل ويجعلها مثل ذلك الحاكم معيارًا لتقويمه.
فهذا الصديق أبو بكر -﵁ وأرضاه- يقول في أول خطبة له بعد تولية الخلافة: "أما بعد؛ فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم؛ فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، وأطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". فهو يأمر الناس بتقويمه والاحتساب عليه في قوله: "أيها الناس إني متبع ولست بمبتدع؛ فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني".
وهذا عمر بن الخطاب -﵁- يقوم خطيبًا فيقول: "رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوئنا".
[ ٢١٤ ]
ومن هنا ندرك حرص الحكام المسلمين على تلقي النصيحة من أفراد رعيتهم، وهم يعتبرون ذلك تقويمًا لعملهم، ومدى التزامهم بتطبيق شرع الله، بل يستعينون بهذا النصح والحسبة عليهم في القيام بمهام مسئولياتهم تجاه ما استرعاهم الله -﷿- من أمر الرعية الذين يسوسونهم ويقودونهم إلى الله -﷿.
ومن هنا جاءت النصوص مستفيضة بوجوب طاعة ولي الأمر ما لم يأمر بمعصية، ومن أظهر هذه الأدلة ما رواه أبو هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك»، ومعنى الأثرة: استئثار السلطان باختصاصات من أمور الدنيا.
يقول الإمام النووي -﵀- في شرح هذا الحديث: "أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم، بل ولا يلتفت لأصل أو نسب الحاكم، ولا يكون ذلك مانعًا لعدم الطاعة، فقد أمرنا رسول الله -ﷺ- بالسمع والطاعة وإن تأمر علينا غير نسيب ما دام يطبق فينا شرع الله ويقيم حدوده، فقد روى الإمام مسلم -﵀- عن عبادة بن الصامت -﵁- عن أبي ذر -﵁- قال: «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف»، كما أنه لا يقدح في ولي الأمر أن يكون أقل علمًا من غيره، فجمهور الفقهاء قالوا: تجوز إمامة المفضول، وصحة بيعته؛ لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار، وليست معتبرة في شروط الاستحقاق".
إذًا فلا بد من وجود الإمارة والولاية؛ لأنه سبب للم شمل المسلمين، ولو تولاها فاجر، فاجتماع القدرة في الحاكم والصلاح في الدين من الصفات التي قد لا تجتمع لكل الناس، ولهذا كان عمر بن الخطاب -﵁- يقول: "اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة".
وقد سئل الإمام أحمد -﵀- عن الرجلين يكونان في الغزو أحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى؟ فقال: "أما الفاجر القوي فقوته
[ ٢١٥ ]
للمسلمين وفجره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر". وقد قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»، وكان -ﷺ- يحث على الانضواء تحت لواء الأمراء حتى ولو رأى المسلم من أميره ما يكره، فعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية».
وعلى هذا فلا يحل للمسلم أن يخلع بيعة أميره ويخرج من الطاعة إلا أن يرى كفرًا بواحًا معه عليه من الله برهان، كما جاء في الحديث عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: «دعانا رسول الله -ﷺ- فبايعنا، وفيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان».
وقد جاء في شرح هذا الحديث عند النووي -﵀- أنه قال: "أي لا تنازعوا ولاة الأمور ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم".