السر في إيجاد الحسبة في الإسلام أن الناس لا تتم مصالحهم إلا بالاجتماع والتعاون على جلب المنافع، والتناصر على دفع المضار، ومن ثم قيل: الإنسان مدنى بالطبع.
وبالاجتماع لابد لهم من أمور يفعلونها يجلبون بها الخير لأنفسهم وأمور يجتنبونها لما فيها من الضرر عليهم.
ولابد لهم من طاعة الآمر بالمنافع الناهي عن المفاسد، كما قال تعالى في صفة نبيه: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] وروي عن النبي ﷺ "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بني دارًا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة (طوبة) فكان الناس يطيفون بها، ويعجبون من حسنها ويقولون لولا موضع اللبنة، فأنا تلك اللبنة".
وقد وصف الله الأمة الإسلامية بما وصف به نبيها فقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال عز اسمه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [التوبة: ٧١]، وقال عز من قائل: ﴿ولتكن
[ ٧ ]
منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وجاء رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: "أمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لله"، وقال ﵇: "مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله".
وقال على بن أبي طالب﵁: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسباب المنافقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين، ومن نهي عن المنكر أرغم أنف المنافقين، ومن أبغض الفاسق وغضب لله غضب الله له.
وقال أبو الدرداء: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانًا ظالمًا لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم، ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم وتستغفرون فلا يغفر لكم، وتستنصرون فلا تنصرون. وقال ﵊: "إياكم والجلوس في الطرقات" قالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: "فإن أبيتم إلا ذاك فأعطوا الطريق حقه". قالوا:
[ ٨ ]
وما حق الطريق؟ قال: "غض البصر، ورد السلام، وأمر بمعروف ونهي عن منكر"، وروى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان".
وروى الحسن البصري أن رسول الله ﷺ قال: "أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك، فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة (عمه) وجعفر (ابن أخي على)."
الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يتولى القيام بهما:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفضل القرب وأكثرها ثوابًا وقبولًا عند الله تعالى، وله شروط إذا لم تتوافر لا تنتج الثمرة المطلوبة.
(١) أن يعمل الواعظ بما ينصح، لا أن يكون قوله مخالفا لفعله؛ وإلا دخل في الذم، وكان ممن يصدق عليه قول الله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤].
وروي أن رسول الله صلى الله قال: "رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بالمقاريض، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم".
[ ٩ ]
(٢) أن يكون العمل طاعة لله ورسوله، وهو العمل المشروع المأمور به إيجابًا أو استحبابا، وضده المعصية والفجور والظلم والسيئة.
(٣) أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى، فالله لا يقبل من الأعمال إلا ما يراد به وجهه فقد روى أن النبي ﷺ قال يقول الله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشرك"، وهذا هو أساس الإسلام والعمود الذي عليه بنى الدين، فحق الله على عباده أن يعبده ولا يشركوا به شيئا، ومن ثم كان عمر بن الخطاب﵁- يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا.
وإذا كان العمل خالصا نشر الله عليه رداء القبول وصادف التوفيق وقدر لفاعله في القلب مهابةً وجلالًا، وتقبل الناس قوله بالسمع والطاعة وقد قال ﷺ: "من أرضي الناس بسخط الله وكله إليهم، ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه شرهم، ومن أحسن فيما بينه وبين الله أحسن فيما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه".
ومما يؤثر في هذا الباب أن أتابك سلطان دمشق طلب محتسبا فذكر له رجل من العلماء فأمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه قال له: إني وليتك أمر الحسبة على الناس، فقال له: إن كنت تريدني لما تقول فقم عن هذا الفراش وارفع هذا المتكأ فإنهما من حرير، واخلع هذا الخاتم فإنه من ذهب، وقد قال ﷺ: "هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثها"
[ ١٠ ]
فقال السلطان: سمعا وطاعة، ونهض عن الفراش، وأمر برفع المتكأ، وخلع الخاتم من إصبعه، وقال: ضممت إليك أمر الشرطة (حكمدار بوليس ..)؛ فما رأى الناس محتسبًا أهيب منه.
(٤) أن يأمر عن معرفة وعلم وفقه بالدين، وإلا كان العمل جهلا وضلالا واتباعا للهوى كما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وكما قال معاذ بن جبل: العلم إمام العمل، والعمل تابعه.
(٥) أن يكون النصح برفق والتؤدة حتى يؤتي ثمرته المرجوة، فقد قال النبي ﷺ: "يا عائشة عليك بالرفق فإنه ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شأنه"، وقال أيضًا: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف".
ومن نوادر المحتسبين وبارع قصصهم: أن رجلا دخل على المأمون وأمره بمعروف ونهاه عن منكر وأغلظ له في القول فقال له المأمون: يا هذا إن الله أرسل من هو خير منك لمن هو شر مني، فقال لموسى وهارون: ﴿فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤] ثم أعرض عنه ونأى بجانبه.
(٦) أن يكون الناصح حليما صبورا على الأذى إذ العادة قد جرت بأن يناله الأذى من جراء عمله، فإن لم يحلم ويصبر كان الضرر أكثر من النفع كما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر
[ ١١ ]
على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ [لقمان: ١٧] وهم القادة الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر بالاعتصام بالصبر كما قال تعالى لنبيه في بدء رسالته: ﴿يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر﴾ [المدثر: ٧] فاختتم الأمر بالإنذار وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطلب الصبر منه.
وقد جاء هذا الطلب في مواضع عدة كقوله تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ [الطور: ٤٨]، وقوله: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله: ﴿فاصبر حكم ربك ولا تكن كصاحب لحوت﴾ [القلم: ٤٨]، وقوله: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ [النحل: ١٢٧].
فجماع الأمر بالمعروف ثلاثة: علم قبله، ورفق معه، وصبر بعده، وهذا معنى مجتهد يروى عن بعض السلف: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقا فيما ينهي عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليكمًا فيما ينهى عنه.
(٧) ألا يتضمن الأمر بالمعروف فوات ما هو أكثر منه نفعًا أو حصول منكر فوقه، وألا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه، ولأجل هذا سكت النبي ﷺ عن عبد
[ ١٢ ]
الله بن أبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما كان لهم من الأعوان، فلو أزال المنكر بعقاب هؤلاء غضب قومهم وأخذتهم الحمية حمية الجاهلية فينفرون منه حين يسمعون أن محمدا يقتل أصحابه، والمشاهدة التي أرانا الله إياها في الآفاق وفي أنفسنا تدل على أن المعاصي سبب المصائب، والطاعة سبب النعمة كما قال تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء: ٧٩]، وقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾ [آل عمران: ١٥٥] وقال: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران: ١٦٥].
وإذا كان الفسوق والعصيان من أسباب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة من الناس ويسكت الآخرون عن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فيكون محسوبا عليهم من ذنوبهم، أو ينكرون عليهم إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم أيضا؛ بسبب ذلك يحصل التفرقة والفساد، وهذا من أعظم الشرور والفتن في القديم والحديث.
وإن من تدبر ما وقع من الفتن بين أمراء الأمة وعلمائها علم أن منشأ ذلك إتباع الأهواء والشهوات، والميل إلى البدع والفجور.
[ ١٣ ]