تسعير السلع على ضرين:
(١) أن يكون للناس سعر غال فيأتي بائع فيبيع بأغلى منه. فهذا يصح منعه إغلاء السعر في مذهب مالك، وكذلك يمنع إذا نقصه عند مالك والشافعي وأحمد مجتمعين بما روى أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا بالسوق فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا.
وسر هذا أنه إذا انفرد واحد منهم بسعر خيف من حصول الشغب والفتنة في السوق، هذا إذا كانت السلعة غير مجلوبة من الخارج، فإن كانت كذلك فلا بأس من البيع بما دون الناس.
وكل هذا فيما عدا الحبوب كالقمح والشعير ونحوهما فإن الجالب لهما يبيع كيف يشاء وإن كثر عدد من رخص السعر، قيل للباقين إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن تخرجوا من السوق.
(٢) أن يحدد الحاكم ابتداء سعرا خاصا للناس لا يتجاوزونه فهل مثل هذا يجوز؟ جمهور العلماء على منع ذلك وإليه ذهب مالك، وحجتهم في ذلك أن أبا هريرة روى أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: "بل ادعوا الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة".
[ ٢٣ ]
وأجازه سعيد بن المسيب وهو رواية أشهب عن مالك خوفًا من إغلاء السعر على الناس، لكن لا يجبر البائع على البيع بالسعر الذي حدد، بل يمنع من البيع بغيره مراعاة لمصلحة البائع والمشتري فلا يمنع البائع الربح ولا يسوغ له ما يضر الناس؛ وأبو حنيفة لا يرى التسعير من السلطان إلا إذا تعلق به ضرر العامة بأن احتكر أحد طعامًا، ورفع أمره إلى القاضي، وعندئذ يأمره ببيع ما فضل من قوته وقوت عياله، فإن لم يمتثل عزره زجرًا له، فإن عجز القاضي عن صيانة مصالح المسلمين إلا بالتسعير سعر بمشورة أهل الرأي والبصيرة، فإذا تعدى هذا السعر أحد بعد ذلك أجبره على البيع.