أولى مَا يذكر هُنَا مَا ألممنا بِهِ آنِفا، فَأَما التَّصْوِير فَهُوَ قد حرم لعِلَّة مَعْرُوفَة وَهِي سد ذَرِيعَة الوثنية، ومضاهاة خلق الله، فَإِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ لمصْلحَة راجحة فِي الْعلم كتصوير الْأَبدَان المساعد على إتقان عُلُوم الطِّبّ والجراحة، أَو تَحْقِيق المسميات اللُّغَوِيَّة من الطير وَالْحَيَوَان لمُجَرّد ضبط اللُّغَة وَلما يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة كمعرفة مَا يُؤْكَل وَمَا لَا يُؤْكَل عِنْد من يحرمُونَ أكل السبَاع المفترسة مِنْهَا أَو الْمسَائِل العلمية الْكَثِيرَة والمصالح العسكرية أَو الإدارية، كتصوير الجواسيس والجناة - فَكل ذَلِك يُبَاح شرعا حَيْثُ لَا شُبْهَة عبَادَة، وَلَا قصد إِلَى مضاهاة خلق الله، وَقد بَينا ذَلِك بالتفصيل فِي فتاوي الْمنَار، وَهُوَ مِمَّا لمحه مصطفى كَمَال باشا لمحا، فَأفْتى بِالْجَوَازِ الْمُطلق طردا وعكسا، وَهُوَ مَالا يتم مُطلقًا، واستدلاله على جَوَاز نصب
[ ٩٤ ]
التماثيل لكبراء الرِّجَال بِعَمَل الْحُكُومَة المصرية يشبه استدلاله على صِحَة سلب السلطة من الْخَلِيفَة الْآن بسلبها من الْخُلَفَاء العباسيين، وَلَيْسَ من الدّين فِي شَيْء، فَإِن الْحُكُومَة المصرية غير مُقَيّدَة بِالشَّرْعِ فِي جَمِيع أَعمالهَا، وَلم يكن نصبها لشَيْء من هَذِه التماثيل بفتوى من عُلَمَاء الْأَزْهَر وَلَا غَيرهم، وَلَو استفتتهم لما أفتوا، لَا لِأَن نصب التماثيل محرم فِي الْإِسْلَام فَقَط، بل لِأَن فِيهِ إِضَاعَة كَثِيرَة من مَال الْأمة فِي غير مصلحَة أَيْضا، وهم لَا يقبلُونَ شُبْهَة من يدعونَ أَن نصب التماثيل للرِّجَال الْعِظَام ينْفخ فِي روح الْأمة الرَّغْبَة فِي التَّشَبُّه بهم، وَالْقِيَام بِمثل أَعْمَالهم، لأَنهم يجزمون بِأَنَّهُ لم يخْطر فِي بَال مصري قطّ أَن يكون كمحمد عَليّ باشا أَو إِبْرَاهِيم باشا أَو سُلَيْمَان باشا الفرنسي ذَوي التماثيل المنصوبة بِمصْر والإسكندرية، وَبِأَن التماثيل قد تنصب لمن يكون قدوة سَيِّئَة أَيْضا، وبأنها من تقاليد الإفرنج فِي أَمر من أُمُور زِينَة مدينتهم الَّتِي تَقْتَضِي نفقات عَظِيمَة لَا تقدم عَلَيْهَا إِلَّا الْأُمَم الغنية ذَات الثروة الواسعة، فَلَو كَانَ مُبَاحا مُطلقًا فِي شرعنا لَكَانَ الأولى بِنَا تَركه لأمرين يرجحان بِهِ (أَحدهمَا) الاقتصاد فِي المَال وَنحن لَا نزال شعوبا فقيره (وَثَانِيهمَا) تحامي التَّقْلِيد لَهُم فِيمَا هُوَ من مشخصات حضارتهم الَّتِي فتنا بهَا فَكَانَت من أَسبَاب استكبارنا لَهُم واحتقارنا لأنفسنا، وَقد نَهَانَا نَبينَا [ﷺ] عَن التَّشَبُّه بغيرنا لنكون مستقلين دونهم بل قدوة لَهُم. وَهَذِه مَسْأَلَة اجتماعية مهمة فصلنا القَوْل فِي مضارّها مرَارًا.
وَقَول مصطفى كَمَال باشا: إِن الْأمة لابد لَهَا من اتقان صناعَة نحت التماثيل يُجَاب عَنهُ بِأَن الْأمة تاركة لصناعات كَثِيرَة وَاجِبَة شرعا وَهِي كل مَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ الْمَعيشَة وَالْقِيَام بالواجبات الذاتية كالملابس والأسلحة والطيارات والبوارج الحربية وَغير ذَلِك. فَلَا يَصح لتارك الضروريات والحاجيات القانع بِأَن يكون فيهمَا عَالَة على الْأَجَانِب أَن يهتم بِأَمْر الزِّينَة الْمَحْضَة وَلَو لم تكن ضارة فِي دين وَلَا دنيا.
وَأما مَسْأَلَة الموسيقى فَلَيْسَ لمحرميها من النُّصُوص الصَّحِيحَة مثل أَحَادِيث تَحْرِيم التَّصْوِير واتخاذ الصُّور والتماثيل، بل هِيَ مَسْأَلَة خلافية. وَقد فصلنا فِي الْمنَار القَوْل فِي أَدِلَّة الَّذين حظروا سَماع الْغناء وَالْمَعَازِف (آلَات الطَّرب) من جِهَة الرِّوَايَة وَمن جِهَة الدِّرَايَة والاستنباط وحققنا، أَن الأَصْل فِي الْمَسْأَلَة الْإِبَاحَة وَأَن الْمحرم مِنْهُ
[ ٩٥ ]
مَا كَانَ ذَرِيعَة إِلَى مَعْصِيّة أُخْرَى كمن يغريه السماع بِشرب الْخمر أَو غَيره من الْفسق وَأَن الْإِسْرَاف فِيهِ مَكْرُوه. . الخ.
وَأما مَسْأَلَة النِّسَاء فأحكام الْإِسْلَام أَعلَى الْأَحْكَام وأعدلها وأفضلها فِيهَا، وَأكْثر مَا ينتقده الْعُقَلَاء الْفُضَلَاء من مسلمات المدن المحجبات بِحَق فَهُوَ من الْعَادَات، فَإِذا كَانَ طلاب تَغْيِير هَذِه الْعَادَات يحكمون الدَّلِيل فِي ترك مَا هُوَ ضار مِنْهَا وَالْأَخْذ بِمَا هُوَ نَافِع من غَيرهَا فسيرون الشَّرْع الإسلامي أقوى نصير لَهُم فِيهِ، وَلَيْسَ الْفَصْل بَين الضار والنافع فِي هَذِه وَأَمْثَاله بِالْأَمر السهل، بل هُوَ يحْتَاج إِلَى تدقيق وَبحث لاخْتِلَاف الآراء فِيهِ باخْتلَاف الْأَهْوَاء والتربية كَمَا يعلم من الْمِثَال الْآتِي:
تصدي أحد أساتذة الْمدَارِس الأميرية فِي هَذِه الْبِلَاد لامْرَأَة متزوجة يتصباها، وَكَانَ من تصبيه لَهَا أَن قَالَ لَهَا وَهِي مارة فِي الطَّرِيق مَا مَعْنَاهُ: إِن جمَالهَا قد حرم عَلَيْهِ نوم اللَّيْل، فقاضاه زَوجهَا إِلَى المحكمة الْأَهْلِيَّة طَالبا عِقَابه على تصبي زَوجته ومحاولة إفسادها عَلَيْهِ، فَحكم قَاضِي المحكمة الابتدائية بِبَرَاءَة الْأُسْتَاذ مُعَللا عمله بِأَنَّهُ من حب الْجمال الَّذِي هُوَ من الغرائز المحمودة والأذواق الصَّحِيحَة، فَكيف يعد ذَنبا يُعَاقب عَلَيْهِ القانون؟ وَلَكِن قَاضِي الِاسْتِئْنَاف عد عمله ذَنبا وَحكم عَلَيْهِ بعقوبة.
إِن تربية مُسْلِمِي مصر وَالتّرْك - وأمثالهم - مذبذبة مضطربة فِي هَذَا الْعَصْر، والتفاوت فِيهَا كَبِير، فَمنهمْ غلاة التفرنج الَّذين يسْتَحلُّونَ الْفَوَاحِش ويميلون إِلَى الْإِبَاحَة وهم الأقلون وَللَّه الْحَمد، وَمِنْهُم الجامدون على جَمِيع التقاليد العتيقة خَيرهَا وشرها، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت منسوبة إِلَى الدّين - وَإِن خطأ - وَبَين هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ أهل الْقَصْد والاعتدال من عُلَمَاء الدّين وعلماء الدُّنْيَا، فَيجب أَن يُحَال كل مَا يُرَاد من التَّغْيِير فِي عادات الْأمة إِلَى لجان من هَؤُلَاءِ المعتدلين يبحثون فِي مَنَافِعه ومضاره من كل وَجه، ويضعون النظام لما يقررون تَغْيِيره، مراعين فِيهِ سنَن الِاجْتِمَاع باتقاء ضَرَر الاستعجال والطفرة، وَمَا يحدثان من الفوضى فِي الْأمة والتفاوت الْعَظِيم بَين أفرادها وجماعاتها، فَإِن الجيل الْحَاضِر وليد الجيل الْمَاضِي ووارثه فِي غرائزه وأفعاله وانفعالاته وعاداته، بل ينْزع بِهِ الْعرق إِلَى الأجيال الَّتِي قبله، فَإِذا حمل على ترك شَيْء مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ من الْأَفْعَال والعادات فَإِنَّمَا يسهل عَلَيْهِ من ذَلِك مَا يُوَافق الْهوى واللذة، دونما يُوَافق الْعقل والمصحلة، ثمَّ إِنَّه لابد أَن يلقِي مُعَارضَة من فريق كَبِير
[ ٩٦ ]
من الْأمة بِمُقْتَضى سنَن الغريزة، فَإِن كلا من حب التَّجْدِيد وَحب الْمُحَافظَة على الْقَدِيم غريزي فِي الْبشر، فَيظْهر هَذَا فِي أنَاس وَذَاكَ فِي آخَرين بِتَقْدِير الْعَلِيم الْحَكِيم، وَإِلَّا لكانوا على غرار وَاحِد لَا يتَغَيَّر كالنمل والنحل، أَو لكانوا كل يَوْم فِي جَدِيد لَا يثبتون عَلَيْهِ وَلَا يكون لجيل مِنْهُم شبه بجيل آخر.
فَمن يظنّ أَنه يُمكنهُ أَن يُمِيت أمة من الْأُمَم بِإِبْطَال مقوماتها من العقائد والغرائز والأخلاق ومشخصاتها من الْآدَاب والعادات ثمَّ يبعثها خلقا جَدِيدا فِي جيل وَاحِد بتغيير فِي قوانينها وشكل حكومتها، وإقناعها بذلك بالخطب وَالشعر والجرائد - فَهُوَ مغرور وَالْحمل عَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ الْقَاهِرَة لَا يَأْتِي إِلَّا بحكومة شخصية قاهرة.
نعم إِن التَّغْيِير مُمكن وواقع، وَطَرِيقه مَعْرُوف، وَهُوَ مَا أرشدنا الله تَعَالَى إِلَيْهِ بقوله ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ وتغيير مَا بالأنفس إِنَّمَا يكون منظما بتعميم التربية والتعليم، وَقد حقق عُلَمَاء الِاجْتِمَاع أَن التَّأْثِير فِي تَغْيِير حَال الشّعب لَا يتم إِلَّا فِي ثَلَاثَة أجيال. جيل التَّقْلِيد والمحاكاة، وجيل الْخُصُومَة وجيل الِاسْتِقْلَال، وبتمامه يتم تكوين الملكة. وَمثل هَذَا فِي الشعوب كَمثل التَّعْلِيم الابتدائي والثانوي والعالي للأفراد وَقد يشذ بعض الشعوب فِي بعض الملكات كَمَا يشذ بعض الْأَفْرَاد بذكاء نَادِر فَيبلغ من إحكامها فِي بدايته مَا يعجز عَن مثله البليد فِي نهايته. وَقد حقق الفيلسوف الاجتماعي (غوستاف لوبون) الْمَشْهُور فِي كِتَابه (تطور الْأُمَم) أَن ملَكة الْفُنُون لم تستحكم لأمة من أُمَم الأَرْض فِي أقل من الثَّلَاثَة أجيال المقررة إِلَّا للْعَرَب، فهم وحدهم الَّذين تربت هَذِه الملكة فيهم، فَصَارَ لَهُم مَذْهَب خَاص فِيهَا مُنْذُ الجيل الأول من مدنيتهم الإسلامية، فَإِذن لابد من جعل كل تَغْيِير يُرَاد فِي الْأمة إِلَى لجان من أهل الِاخْتِصَاص فِيهِ، تدرسه وتمحصه وتقرر فِيهِ مَا فِيهِ مصلحتها وموافقة شريعتها.
وَلَيْسَ بَيَان هذامن مقصدنا هُنَا، وَلكنه استطراد غرضنا مِنْهُ رد مَسْأَلَة النِّسَاء وأمثالها إِلَى أصل علمي مَعْقُول، فَإِن الفوضى فِيهَا ضاربة أطنابها فِي بِلَادنَا كالبلاد التركية، فَمَا يرَاهُ بعض النَّاس ضارا قطعا يرَاهُ آخَرُونَ هُوَ النافع الَّذِي لابد مِنْهُ، ومقلدة الإفرنج فِيهِ كالجامدين على الْقَدِيم لَيْسُوا على هدى وَلَا بَصِيرَة، فَإِن أَعقل حكماء الإفرنج وأكبر عُلَمَائهمْ غير راضين عَن حَال النِّسَاء عِنْدهم، وَقد حكى لنا
[ ٩٧ ]
عَن عاهل المانية عِنْدَمَا زار الآستانة فِي أَيَّام الْحَرْب أَنه لما اطلع على تهتك النِّسَاء التركيات وبروزهن للرِّجَال متبرجات كنساء الإفرنج عذل طلعت باشا الصَّدْر الْأَعْظَم الاتحادي على ذَلِك قَائِلا إِنَّه كَانَ لكم من دينكُمْ وازع للنِّسَاء عَمَّا نشكو نَحن من غوائله الأدبية والاقتصادية ونعجز عَن تلافيه فَكيف تتفضون مِنْهُ باختياركم؟ إِنَّكُم إِذن لمخطئون.
وَمِمَّا يحسن التَّذْكِير بِهِ من الْمسَائِل الَّتِي يتَمَسَّك جَمَاهِير متفقهة الْمُسلمين فِيهَا بِمَا يُنَافِي ضروريات الحضارة الْحَاضِرَة والمصالح الْعَامَّة زعمهم أَن السَّائِل الْمُسَمّى بالكحول والسبيرتو نجس يحرم اسعماله فِي كل مَا يَسْتَعْمِلهُ فِيهِ الْأَطِبَّاء والصيادلة وَسَائِر الصناع الَّذين يعدونه ضَرُورِيًّا فِي صناعتهم، وَقد أفتى جمَاعَة من فُقَهَاء الْهِنْد بذلك مُنْذُ أشهر ورددنا عَلَيْهِ ردا طَويلا أثبتنا فِيهِ أَن هَذَا السَّائِل طَاهِر ومطهر طبي، وَأَنه من الضروريات الَّتِي يجب الِانْتِفَاع بهَا فِي كثير من الْأَعْمَال، وَأَنه مِمَّا عَمت الْبلوى بِهِ، وَلَكِن الأَصْل فِي فتاوي أَفْرَاد الْعلمَاء أَن يعْمل بهَا من يقتنع بِصِحَّة أدلتها إذاكانت الْفَتْوَى مؤيدة بِالدَّلِيلِ على طَريقَة السّلف الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا فِي الْمنَار، وَمن يَثِق بِعلم صَاحبهَا أَو بِكَوْنِهِ على الْمَذْهَب الَّذِي ينتمي إِلَيْهِ فِي المقلدين، فَليعلم أَنَّهَا لَا تحل المشكلات الْعَامَّة بل تبقي الْأمة مضطربة باخْتلَاف الفتاوي وأقوال الْعلمَاء، وَإِنَّمَا يحل المشكلات الْعَامَّة وَيجمع كلمة الْأمة فِيهَا الإِمَام الْأَعْظَم (الْخَلِيفَة) إِذا كَانَ مُجْتَهدا كَمَا تقدم.