عزم هَؤُلَاءِ المتفرنجون على إحْيَاء الجنسية التركية الطورانية وَجعلهَا مُسْتَقلَّة أتم الِاسْتِقْلَال فِي الحكم والتشريع، والعقائد والآداب، غير مُقَيّدَة فِيهِ بِقَيْد مستمد من أمة أُخْرَى، بل أَقُول بلغَة صَرِيحَة نصيحة: غير مقيدين فِيهِ بالشريعة الإسلامية
[ ١٥٣ ]
وَلَا بِالدّينِ الإسلامي، وَقد مهدوا لَهُ السَّبِيل بِمَا ألغوا لَهُ من الْكتب والرسائل، وَوَضَعُوا لَهُ من الأناشيد والقصائد، وواتتهم السلطة الإتحادية على ذَلِك، وَلَكِن عارضهم فِيهِ جُمْهُور الشّعب التركي الَّذِي يُرِيدُونَ هَذَا لَهُ وَبِه وَفِيه، وَهُوَ شعب متدين بِالْإِسْلَامِ، وسلطانه يعْتَرف لَهُ أَكثر مُسْلِمِي الأَرْض بِأَنَّهُ خَليفَة النَّبِي [ﷺ] فوجدوا أَن لدولتهم بِهِ نفوذا روحيا فِي هَذِه الشعوب الإسلامية قد جعل لَهَا مكانة خَاصَّة لَدَى الدول الْكُبْرَى فِي سياستها، لَهُ فَائِدَة من جِهَة وغائلة من جِهَة أُخْرَى، فَإِن هَذِه الدول تضطر إِلَى مراعاتها فِي بعض الْأُمُور لكيلا تهيج عَلَيْهَا رعاياها الْمُسلمين باتهامها بعداوة دولة الْخلَافَة، وَتقبل مِنْهَا كل عذر تعتذر بِهِ عَن بعض مَا يُرَاد مِنْهَا بِأَنَّهُ مَا لَا يُسْتَطَاع صدوره من خَليفَة الْمُسلمين، وَلِهَذَا السَّبَب نَفسه تجمع على عَدَاوَة هَذِه الدولة والكيد لَهَا، وَالسَّعْي لإضعافها أَو إعدامها لتستريح من تَأْثِير منصب الْخلَافَة فِي رعاياها الْمُسلمين. . وَلِهَذَا فَشَا فِي هَؤُلَاءِ المتفرنجين الِاعْتِقَاد بِأَن ضَرَر الْخلَافَة عَلَيْهِم، أكبر من نَفعه لَهُم، ثمَّ تزلزل هَذَا الِاعْتِقَاد عِنْد بَعضهم مُنْذُ حَرْب طرابلس الغرب إِلَى الْآن، وَقد كَانَ الاتحاديون على تهورهم بَين إقدام وإحجام للفصل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَجعل السِّيَادَة الطورانية فَوق سيادة الْإِسْلَام.