وَأما سَبَب وُقُوع ذَلِك الِاضْطِرَاب وَطول الْعَهْد عَلَيْهِ فَهُوَ أَن التطورات الاجتماعية كَانَت تقضي بِوُقُوع مَا وَقع من التَّصَرُّف فِي شكل الْحُكُومَة الإسلامية، وَلم يكن يُمكن فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَة أَن يوضع لَهَا نظام يكفل أَن تجْرِي على سنة الرَّاشِدين، وَلَا طَريقَة أَوَائِل الأمويين والعباسيين، فِي الْجمع بَين عَظمَة الدُّنْيَا ومصالح الدّين، وَلما صَار هَذَا مُمكنا كَانَ أَمر الدّين قد ضعف، وتلاه فِي جَمِيع الشعوب الإسلامية ضعف حكوماتها، وَضعف حضارتها، فَلم تهتد إِلَى مثل مَا اهْتَدَى إِلَيْهِ الإفرنج من الْقَضَاء على استبداد مُلُوكهمْ شعبًا بعد شعب، فَمنهمْ من قضى على الْحُكُومَة الملكية قَضَاء مبرما، وَمِنْهُم من قيد سلطة الْمُلُوك فَلم يدع لَهُم من الْملك إِلَّا بعض الْمظَاهر الفخمة الَّتِي يُسْتَفَاد مِنْهَا فِي بعض الْأَحْوَال، دون أَن يكون لَهُم من الْأَمر وَالنَّهْي فِي الْحُكُومَة أدنى استبداد
ذَلِك بِأَن كل من يُعْطي تَصرفا فِي أَمر يجب أَن يكون مسئولا عَن سيرته فِيهِ، والتقاليد المتبعة فِي الْملك أَن الْملك فَوق الرّعية فَلَا يتطاولون إِلَى مقَامه الْأَعْلَى لِيَسْأَلُوا عَمَّا فعل، وَهَذَا شَيْء أبْطلهُ الْإِسْلَام بجعله إِمَام الْمُسلمين كواحد مِنْهُم فِي جَمِيع أَحْكَام الشَّرِيعَة، وَنَصّ على أَنه مسئول عَمَّا يفعل بقوله [ﷺ]
" كلكُمْ رَاع وكلكم
[ ١٤٧ ]
مسئول عَن رَعيته، فالإمام رَاع وَهُوَ مسئول عَن رَعيته، وَالرجل رَاع فِي أَهله وَهُوَ مسئول عَن رَعيته، وَالْمَرْأَة راعية فِي بَيت زَوجهَا وَهِي مسئولة عَن رعيتها " الخ (مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر) وَكَانَ الْمُسلمُونَ يراجعون الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ويردون عَلَيْهِم أَقْوَالهم وآراءهم فيرجعون إِلَى الصَّوَاب إِذا ظهر لَهُم أَنهم كَانُوا مخطئين، حَتَّى إِن عمر بن الْخطاب ﵁ خطأته امْرَأَة فِي مَسْأَلَة فَقَالَ على الْمِنْبَر: امْرَأَة أَصَابَت وَأَخْطَأ عمر. . أَو وَرجل أَخطَأ. .
غفل الْمُسلمُونَ عَن هَذَا فتركوا الْخلَافَة لأهل العصبية يتصرفون فِيهَا تصرف الْمُلُوك الْوَارِثين الَّذين كَانُوا يَزْعمُونَ أَن الله فَضلهمْ على سَائِر الْبشر لذواتهم ولبيوتهم وَأوجب طاعتهم والخضوع لَهُم فِي كل شَيْء، فَلم يُوجد فِي أهل الْحل وَالْعقد من الرؤساء من اهْتَدَى إِلَى وضع نظام شَرْعِي للخلافة بِالْمَعْنَى الَّذِي يُسمى فِي هَذَا الْعَصْر بالقانون الأساسي، يقيدون بِهِ سلطة الْخَلِيفَة بنصوص الشَّرْع، ومشاورتهم فِي الْأَمر، كَمَا وضعُوا الْكتب الطوَال للْأَحْكَام الَّتِي يجب الْعَمَل بهَا فِي السياسة والإدارة والجباية وَالْقَضَاء وَالْحَرب، وَلَو وضعُوا كتابا فِي ذَلِك معززا بأدلة الْكتاب وَالسّنة وسيرة الرَّاشِدين، وَمنعُوا فِيهِ ولَايَة الْعَهْد للوارثين، وقيدوا اخْتِيَار الْخَلِيفَة بالشورى، وبينوا أَن السلطة للْأمة يقوم بهَا أهل الْحل وَالْعقد مِنْهَا، وَجعلُوا ذَلِك أصولا متبعة - لما وقعنا فِيمَا وقعنا فِيهِ. .
فَأَما الراشدون ﵃ فقد كَانُوا واثقين بتحريهم للحق وَالْعدْل ويصرحون بسلطة الْأمة عَلَيْهِم وهم واقفون فِي موقف الرَّسُول [ﷺ] من منبره كَمَا قَالَ أَبُو بكر " وُليِّت عَلَيْكُم وَلست بِخَيْرِكُمْ فَإِذا اسْتَقَمْت فَأَعِينُونِي، وَإِذا زِغْت فقوموني ". وكما قَالَ عمر " من رأى مِنْكُم فيّ اعوجاجا فليقومه "، وكما قَالَ عُثْمَان: " أَمْرِي لأمركم تبع ". وأقوال عَليّ وأعماله بالشورى مَعْرُوفَة على اضْطِرَاب الْأَمر وَظُهُور الْفِتَن فِي زَمَنه، وَمَوْت كثير من كبراء أهل الْعلم وتفرق بَعضهم، ثمَّ إِنَّهُم لم يَكُونُوا قد دخلُوا فِي عهد التصنيف وَوضع النّظم والقوانين، وَلَا شعروا بِشدَّة الْحَاجة إِلَى ذَلِك لِكَثْرَة الصّلاح وخضوع الْأمة لوازع الدّين. .
وَمَا جَاءَ عصر التَّأْلِيف والتدوين إِلَّا وَكَانَت الْخلَافَة قد انقلبت إِلَى طبيعة الْملك بالبدعتين الكبريين اللَّتَيْنِ ابتدعهما مُعَاوِيَة، وهما جعل الْأَمر تَابعا لقُوَّة العصبية،
[ ١٤٨ ]
وَجعل الْخلَافَة تراثا ينْتَقل من الْمَالِك إِلَى وَلَده أَو غَيره من عصبته، وشغل النَّاس عَن سوء هَاتين البدعتين سُكُون الْفِتْنَة الَّتِي أثارها السبئيون وَالْمَجُوس وافترصها الأمويون، وَمَا تلاه من اجْتِمَاع الْكَلِمَة وحقن الدِّمَاء فِي الدَّاخِل، وَالْعود إِلَى الْفتُوح وَنشر هِدَايَة الْإِسْلَام وسيادته فِي الْخَارِج، وَذَلِكَ أَن تَأْثِير الْفساد الَّذِي يطْرَأ على الصّلاح الْعَظِيم لَا يظْهر إِلَّا بتدرج بطئ. .