لجعل إِقَامَة الْخلَافَة الصَّحِيحَة فِي بِلَاد التّرْك مَوَانِع ترجع إِلَى أَمريْن كليين: (أَحدهمَا) وَهُوَ أهمهما مَا يخْشَى من امْتنَاع أَكثر الزعماء العسكريين والسياسيين مِنْهُ لما فِيهِ من تَوْحِيد السلطة الْعَامَّة فِي شخص الْخَلِيفَة، وَمَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ الْخلَافَة من إحْيَاء اللُّغَة الْعَرَبيَّة فِي بِلَاد التّرْك، وفروع ذَلِك وأسبابه مَعْرُوفَة، (وَثَانِيهمَا) مُعَارضَة الْأمة الْعَرَبيَّة وَلَا سِيمَا فِي الجزيرة وَمَا يتبعهَا، وَلَكِن الْمُعَارضَة لَا تكون مُؤثرَة وثابتة إِلَّا إِذا جعلت الْخلَافَة صورية كَمَا كَانَت، أَو روحية كَمَا هِيَ الْآن. . ولعلهم لَوْلَا إِرَادَة جعلهَا مصلحَة دعاية (بروبغندة) للدولة التركية لما اخْتَارُوا لَهَا الآستانة مَدِينَة الفخفخة الْبَاطِلَة، وَالْعَظَمَة الزائلة الَّتِي صَارَت طرفا فِي الْبِلَاد الإسلامية ومهددة بحرا وَبرا، فَإِذا كَانَت لَا تصلح أَن تكون عَاصِمَة للدولة التركية. . فَلَنْ تصلح للخلافة الإسلامية بِالْأولَى. .
وَأما إِذا قبل أولو الْأَمر من التّرْك أَن يحيوا منصب الْخلَافَة الْحق فالرجاء فِي تَحْقِيق أغراضها ومقاصدها الثَّلَاثَة يكون أتم وأسرع، وَتقوم بهَا الْحجَّة على الْعَرَب إِلَّا إِذا اجْتمعت كلمة أُمَرَاء الجزيرة على مبايعة وَاحِد مِنْهُم، وَذَلِكَ غير منتظر، لما تقدم بَسطه فَيكون الرجحان لمن يُؤَيّدهُ التّرْك بالأسباب الْآتِيَة: ١ - أَن التّرْك الْآن فِي موقف وسط بَين جمود التقاليد وطموح التفرنج، جمود عرب الجزيرة الَّذِي جعل الدّين مَانِعا من الْعُلُوم والفنون الَّتِي ترقى بهَا حضارة الْأمة وثروتها، وَعزة الدولة وقوتها، وطموح التفرنج الَّذِي يُرَاد بِهِ انتزاع مقومات الْأمة الإسلامية الدِّينِيَّة والتاريخية، ومشخصاتها، واستبدال مقومات أمة أُخْرَى ومشخصاتها بهَا. . وحضارة الْإِسْلَام وحكومة الْخلَافَة هِيَ وسط بَين الجمود وَبَين حضارة الإفرنج المادية الَّتِي تفتك بهَا ميكروبات الْفساد وأوبئة الْهَلَاك، فَهِيَ عرضة للزوال، فَكيف حَال من يقلدها تقليدا تأباه طبيعة أمته وعقائدها. . ٢ - أَن مَا ظهر من عزم الْحُكُومَة التركية الجديدة وحزمها وشجاعتها وعلو همتها وإقدامها يضمن - بِفضل الله تَعَالَى - نَجَاحهَا فِي إِقَامَة هَذَا الْإِصْلَاح الإسلامي
[ ٨٤ ]
بل الإنساني الْأَعْظَم بِإِقَامَة حُكُومَة الْخلَافَة الجامعة بَين الْقُوَّة المادية والفضائل الإنسانية الْمُغنيَة للبشر عَن خطر البلشفية والفوضوية لِأَنَّهَا كافلة لكل مَا تطلبه الإشتراكية المعتدلة من الْإِنْصَاف والانتصاف من أَثَرَة أَرْبَاب رُءُوس الْأَمْوَال. وَهِي بِهَذِهِ الصِّفَات أقدر على اتقاء كيد أَعدَاء الْإِسْلَام الَّذين يقاومون الْخلَافَة جهد طاقتهم. . ٣ - أَن الدولة التركية الجديدة هِيَ الدولة الإسلامية الَّتِي برعت فِي فنون الْحَرْب الحديثة ويرجى إِذا نجحت فِيمَا تَعْنِي بِهِ من الْأَخْذ بوسائل الثروة والعمران أَن تمكنها مواردها من الِاسْتِغْنَاء عَن جلب الأسلحة وَغَيرهَا من أدوات الْحَرْب بصنعها فِي بلادها، فتزداد قُوَّة على حفظ حكومتها وبلادها. . وَتَكون قدوة لجيرانها وأستاذا لَهُم. . ٤ - أَن جعل مقَام الْخَلِيفَة فِي بِلَاد التّرْك أَو كفالتهم لَهُ يُقَوي هِدَايَة الدّين فِي هَذَا الشّعب الإسلامي الْكَبِير، ويحول دون نجاح ملاحدة المتفرنجين وغلاة العصبية الجنسية، فِي انْتِزَاعه من جسم الجامعة الإسلامية، فيظل سياجا لِلْإِسْلَامِ وعضوا رئيسيا فِي جامعته الفضلى. . ٥ - لَئِن كَانَ جهل الْعَرَب وَالتّرْك فِي الزَّمن الْمَاضِي بِمَعْنى الْخلَافَة ووظائفها - وَلَا سِيمَا جمعهَا لكلمة الْمُسلمين - سَببا من أَسبَاب تقاطعهما وتدابرهما الَّتِي نتهت بِسُقُوط السلطنة العثمانية، وباستيلاء الْأَجَانِب على قسم كَبِير من بِلَاد الْعَرَب، والتمهيد للاستيلاء على الْبَاقِي فَإِن مَا نسعى إِلَيْهِ الْآن سَيكون إِن شَاءَ الله تَعَالَى أقوى الْأَسْبَاب لجمع الْكَلِمَة والتعاون على إحْيَاء عُلُوم الْإِسْلَام ومدنيته، مَعَ اسْتِقْلَال كل فريق بإدارة بِلَاده مستمدا السلطة من الْخَلِيفَة الإِمَام الْمُجْتَهد فِي عُلُوم الشَّرْع الإسلامي، الْمُنْتَخب بالشورى من أهل الْحل وَالْعقد من الْعَرَب وَالتّرْك وَغَيرهمَا من الشعوب الإسلامية، بِمُقْتَضى النظام الَّذِي يوضع لذَلِك. .