اتّفق محققو الْعلمَاء على أَنه لَا يجوز أَن يُبَايع بالخلافة إِلَّا من كَانَ مستجمعا لما ذَكرُوهُ من شرائطها وبخاصة الْعَدَالَة والكفاءة والقرشية، فَإِذا تعذر وجود بعض الشُّرُوط تدخل الْمَسْأَلَة فِي حكم الضرورات. . والضرورات تقدر بِقَدرِهَا، فَيكون الْوَاجِب حِينَئِذٍ مبايعة من كَانَ مستجمعا لأكْثر الشَّرَائِط من أَهلهَا، مَعَ الِاجْتِهَاد
[ ٤٣ ]
وَالسَّعْي لاستجماعها كلهَا. قَالَ الْكَمَال بن الْهمام فِي المسايرة: والمتغلب تصح مِنْهُ هَذِه الْأُمُور للضَّرُورَة كَمَا لَو لم يُوجد قرشي عدل، أَو وجد وَلم يقدرعلى تَوليته لغَلَبَة الجورة. . قَالَ هَذَا ردا على الْحَنَفِيَّة فِي استدلالهم على عدم اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الْأَئِمَّة بِقبُول بعض الصَّحَابَة للولاية وَالْقَضَاء من ظلمَة بني أُميَّة كمروان وصلاتهم مَعَهم، فمراده بالأمور: الْقَضَاء والإمارة وَالْحكم كَمَا قَالَه شَارِح المسايرة. .
وَقَالَ السعد فِي شرح الْمَقَاصِد: وَهَهُنَا بحث وَهُوَ أَنه إِذا لم يُوجد إِمَام على شَرَائِطه، وَبَايع طَائِفَة من أهل الْحل وَالْعقد قرشيًا فِيهِ بعض الشَّرَائِط من غير نَفاذ لأحكامه، وَطَاعَة من الْعَامَّة لأوامره، وشوكة بهَا يتَصَرَّف فِي مصَالح الْعباد، ويقتدر على النصب والعزل لمن أَرَادَ هَل يكون ذَلِك إتيانا بِالْوَاجِبِ؟ وَهل يجب على ذَوي الشَّوْكَة الْعَظِيمَة من مُلُوك الْأَطْرَاف، المتصفين بِحسن السياسة وَالْعدْل والإنصاف أَن يفوضوا إِلَيْهِ الْأَمر بِالْكُلِّيَّةِ، ويكونوا لدية كَسَائِر الرّعية، وَقد يتَمَسَّك بِمثل قَول الله تَعَالَى: ﴿أطِيعُوا الله وأَطيعوا الرسولَ وأُوليِ الأَمْر مِنْكُم﴾ وَقَوله [ﷺ]:
" من مَاتَ وَلم يعرف إِمَام زَمَانه مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة " فَإِن وجوب الطَّاعَة والمعرفة يَقْتَضِي الْحُصُول اهـ أَي يجب عَلَيْهِم ذَلِك.
وَإِنَّمَا فرض أَن الْمُبَايِعين فِي هَذِه الصُّورَة بعض أهل الْحل وَالْعقد لِأَنَّهُ إِذا بَايعه جَمِيعهم وَمِنْهُم الْمُلُوك الَّذين ذكرهم تمت شوكته وَنفذ حكمه قطعا، وَهَذِه الصُّورَة تصدق على بعض خلفاء بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس الَّذين كَانَت تنقصهم الْعَدَالَة أَو الْعلم الاجتهادي، وَكَانَ الْجُمْهُور يوجبون طاعتهم، ويصححون للضَّرُورَة إمامتهم، إِذا لم تتيسر بيعَة أمثل مِنْهُم وَإِن كَانَ مَوْجُودا، وَالْمُعْتَمد عِنْد الْحَنَفِيَّة أَن إمامتهم صَحِيحَة مُطلقًا، لِأَن الْعلم وَالْعَدَالَة عِنْدهم لَيست من شُرُوط الِانْعِقَاد كَمَا تقدم فِي مَحَله. . قَالَ الْكَمَال بن الْهمام مُحَقّق الْحَنَفِيَّة فِي المسايرة تبعا للغزالي: (الأَصْل الْعَاشِر) لَو تعذر وجود الْعلم وَالْعَدَالَة فِيمَن تصدى للْإِمَامَة - بِأَن تغلب عَلَيْهَا جَاهِل بِالْأَحْكَامِ أَو فَاسق - وَكَانَ فِي صرفه إثارة فتْنَة لَا تطاق حكمنَا بانعقاد إِمَامَته كَيْلا نَكُون كمن يَبْنِي قصرًا ويهدم مصرا، وَإِذا قضينا بنفوذ قضايا أهل البغى فِي بِلَادهمْ الَّتِي غلبوا عَلَيْهَا لمسيس الْحَاجة فَكيف لَا نقضي بِصِحَّة الْإِمَامَة عِنْد
[ ٤٤ ]
لُزُوم الضَّرَر الْعَام بِتَقْدِير عدمهَا. . وَإِذا تغلب آخر على ذَلِك المتغلب وَقعد مَكَانَهُ انْعَزل الأول وَصَارَ الثَّانِي إِمَامًا اه.
وَقَالَ السعد فِي شرح الْمَقَاصِد بعد ذكر شُرُوط الْإِمَامَة وَآخِرهَا النّسَب الْقرشِي مانصه: وَأما إِذا لم يُوجد فِي قُرَيْش من يصلح لذَلِك أَو لم يقتدر على نَصبه لاستيلاء أهل الْبَاطِل وشوكة الظلمَة وأرباب الضَّلَالَة فَلَا كَلَام فِي جَوَاز تقلد الْقَضَاء تَنْفِيذ الْأَحْكَام وَإِقَامَة الْحُدُود وَجَمِيع مَا يتَعَلَّق بِالْإِمَامِ من كل ذِي شَوْكَة. . كَمَا إِذا كَانَ الإِمَام الْقرشِي فَاسِقًا أَو جائرًا أَو جَاهِلا فضلا عَن أَن يكون مُجْتَهدا. . وَبِالْجُمْلَةِ مَبْنِيّ مَا ذكر فِي بَاب الْإِمَامَة على الِاخْتِيَار والاقتدار. . وَأما عِنْد الْعَجز والاضطرار، واستيلاء الظلمَة وَالْكفَّار والفجار، وتسلط الْجَبَابِرَة الأشرار، فقد صَارَت الرِّئَاسَة الدُّنْيَوِيَّة تغلبية، وبنيت عَلَيْهَا الْأَحْكَام الدِّينِيَّة المنوطة بِالْإِمَامِ ضَرُورَة، وَلم يعبأ بِعَدَمِ الْعلم وَالْعَدَالَة وَسَائِر الشَّرَائِط، والضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، وَإِلَى الله المشتكي فِي النائبات، وَهُوَ المرتجي لكشف الملمات اهـ. بِحُرُوفِهِ.
وَالْفرق بَين هَذِه الْخلَافَة وَمَا قبلهَا بعد كَون كل مِنْهُمَا جَائِزا للضَّرُورَة أَن الأولى صدرت من أهل الْحل وَالْعقد باختيارهم لمن هُوَ أمثل الفاقدين لبَعض الشَّرَائِط، وَلذَلِك فَرْضه الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ قرشيا إِذْ القريشيون كَثِيرُونَ دَائِما وَجزم بِوُجُوب طَاعَته مَعَ فرض كَونه ضيعفا. . وَأما الثَّانِيَة فصاحبها هُوَ المعتدي على الْخلَافَة بِقُوَّة العصبية لَا بِاخْتِيَار أهل الْحل وَالْعقد لَهُ، لعدم وجود من هُوَ أجمع للشرائط مِنْهُ، فَذَاك يطاع اخْتِيَارا، وَهَذَا يطاع اضطرارًا.
وَمعنى هَذَا أَن سلطة التغلب كَأَكْل الْميتَة وَلحم الْخِنْزِير عِنْد الضَّرُورَة تنفذ بالقهر وَتَكون أدنى من الفوضى. . وَمُقْتَضَاهُ أَنه يجب السَّعْي دَائِما لإزالتها عِنْد الْإِمْكَان، وَلَا يجوز أَن توطن الْأَنْفس على دوامها، وَلَا أَن تجْعَل كالكرة بَين المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها، كَمَا فعلت الْأُمَم الَّتِي كَانَت مظلومة وراضية بالظلم لجهلها بقوتها الكامنة فِيهَا، وَكَون قُوَّة مُلُوكهَا وأمرائها مِنْهَا، ألم تَرَ إِلَى من استناروا بِالْعلمِ الاجتماعي مِنْهَا كَيفَ هبوا لإِسْقَاط حكوماتها الجائرة وملوكها المستبدين، وَكَانَ آخر من فعل ذَلِك الشّعب التركي، وَلكنه أسقط نوعا من التغلب بِنَوْع آخر عَسى أَن
[ ٤٥ ]
يكون خيرا مِنْهُ، وَإِنَّمَا فعله تقليدا لتِلْك الْأُمَم الأبية، إِذْ كَانَ جَمَاهِير عُلَمَاء التّرْك والهند ومصر وَغَيرهَا من الأقطار، يوجبون عَلَيْهِ طَاعَة خلفاء سلاطين بني عُثْمَان، ماداموا لَا يظهرون الْكفْر وَالرِّدَّة عَن الْإِسْلَام، مهما يكن فِي طاعتهم من الظُّلم وَالْفساد، وخراب الْبِلَاد، وإرهاق الْعباد، عملا بالمعتمد عِنْد الْفُقَهَاء بِغَيْر نظر وَلَا اجْتِهَاد! وَهَذَا أهم أَسبَاب اعْتِقَاد الْكثير مِنْهُم، إِن سلطة الْخلَافَة الشَّرْعِيَّة، تحول دون حفظ الْملك والحياة الاستقلالية، وسنفصل الْكَلَام فِي هَذَا بعد وَفِيمَا يجب لجعل الحكم شَرْعِيًّا إسلاميا. .