الْإِسْلَام دين الْحُرِّيَّة والاستقلال الَّذِي كرم الْبشر وَرفع شَأْنهمْ بإعتاقهم من رق الْعُبُودِيَّة لغير الله تَعَالَى من رُؤَسَاء الدّين وَالدُّنْيَا. . فَأول أُصُوله تَجْرِيد الْعِبَادَة والتنزيه وَالتَّقْدِيس وَالطَّاعَة الذاتية لله رب الْعَالمين، وَأَن الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام لَيْسُوا إِلَّا مرشدين ومعلمين، ﴿وَمَا نرسل الْمُرْسلين إِلَّا مبشرين ومنذرين﴾، فَلَا سيطرة لَهُم على سرائر النَّاس، وَلَا حق الْإِكْرَاه والإجبار، وَلَا المحاسبة على الْقُلُوب والأفكار، وَلَا مغْفرَة الذُّنُوب والأوزار، وَلَا الحرمان من الْجنَّة وَإِدْخَال النَّار، بل ذَلِك كُله لله الْوَاحِد القهار، الْعَفو الْغفار، قَالَ تَعَالَى لخاتم رسله: ﴿فَذَكِّر إِنَّمَا أَنْت مُذَكِرّ. لست عَلَيْهِم بمُسيْطِر﴾ . (نَحن أعلم بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْت
[ ١٣٣ ]
عَلَيْهِم بجبار﴾ . ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل﴾ . ﴿مَا عَلَيْك من حسابهم من شئ وَمَا من حِسَابك عَلَيْهِم من شئ﴾ . ﴿قل إِنِّي لَا أملك لكم ضَرَّا وَلَا رَشَدا﴾ . . ﴿إِنَّك لَا تَهديِ من أحْبَبتْ ولكنّ الله يهديَ من يَشَاء﴾ . .
وَإِنَّمَا تجب طَاعَة الرَّسُول فِيمَا يبلغهُ ويبينه من أَمر الدّين عَن الله تَعَالَى وَمَا ينفذهُ من شَرعه، دون مَا يستحسنه فِي أُمُور الدُّنْيَا بظنه ورأيه، فالطاعة الذاتية إِنَّمَا هِيَ لله، وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى: ﴿مَن يُطِع الرسولَ فَقد أطَاع الله﴾ فطاعة الرَّسُول ثمَّ طَاعَة أولي الْأَمر من الْأمة تبع لطاعة الله الَّتِي أوجبهَا للْمصْلحَة تنفيذا للشريعة، على أَن الرَّسُول مَعْصُوم فِي تَبْلِيغ الدّين وإقامته، وَقد جعله الله أُسْوَة حَسَنَة لأمته، وَكَانَ الصَّحَابَة على هَذَا يراجعون النَّبِي [ﷺ] فِيمَا يَقُوله بِرَأْيهِ فِي الْمصَالح الْعَامَّة كالحرب وَالسّلم ويبدون آراءهم، وَكَانَ يرجع عَن رَأْيه إِلَى رَأْي الْوَاحِد مِنْهُم إِذا تبين لَهُ أَنه الصَّوَاب، كَمَا رَجَعَ إِلَى رَأْي الْحباب بن الْمُنْذر يَوْم بدر، وَإِلَى رَأْي الْجُمْهُور بعد الشورى، وَإِن لم يظْهر لَهُ أَنه أصوب كَمَا فعل يَوْم أحد. وَقد قَالَ
" إِنَّمَا أَنا بشر إِذا أَمرتكُم بشئ من أَمر دينكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذا أَمرتكُم بشئ من رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنا بشر " رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث رَافع بن خديج، وَقَالَ
" أَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم " رَوَاهُ من حَدِيث عَائِشَة. .
وَكَانَ [ﷺ] يعلم أَن فِيمَن اتبعهُ منافقين، وَكَانَ يعرف بَعضهم دون بعض وَلكنه يعاملهم مُعَاملَة الْمُؤمنِينَ، لِأَن من أصُول شَرِيعَته أَن يُعَامل النَّاس بِحَسب أَعْمَالهم الظَّاهِرَة ويوكل أَمر الْقُلُوب والسرائر إِلَى الله تَعَالَى. . قَالَ رجل لَهُ وَقد رَآهُ يُعْطي رجَالًا من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم: يَا رَسُول الله اتَّقِ الله. قَالَ:
" وَيلك أَو لست أَحَق أهل الأَرْض أَن يَتَّقِي الله؟ " ثمَّ ولى الرجل فَقَالَ خَالِد بن الْوَلِيد: يَا رَسُول الله أَلا أضْرب عُنُقه؟ وَفِي رِوَايَة فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله إئذن لي أضْرب عُنُقه، قَالَ:
" لَا تفعل لَعَلَّه أَن يكون يُصَلِّي " فَقَالَ خَالِد: وَكم من مصل يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قلبه: قَالَ رَسُول الله [ﷺ]:
" إِنِّي لم أومر أَن أنقب فِي قُلُوب النَّاس وَلَا أشق بطونهم " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ. .
وَإِذا كَانَ هَذَا شَأْن الرَّسُول [ﷺ] فَهَل يكون للخلفاء والأمراءمهما عظم شَأْنهمْ أَن يحاسبوا النَّاس على قُلُوبهم، أَو يسيطروا عَلَيْهِم فِي فهمهم للدّين أَو عَمَلهم بِهِ، وَرُبمَا كَانَ فيهم من هم أعلم بِهِ مِنْهُم؟ كلا إِن الْخَلِيفَة فِي الْإِسْلَام لَيْسَ إِلَّا
[ ١٣٤ ]
رَئِيس الْحُكُومَة الْمقيدَة، لَا سيطرة وَلَا رقابة لَهُ على أَرْوَاح النَّاس وَقُلُوبهمْ، وَإِنَّمَا هُوَ منفذ للشَّرْع وطاعته محصورة فِي ذَلِك فَهِيَ طَاعَة للشَّرْع لَا لَهُ نَفسه، كَمَا تقدم آنِفا وَبسط فِي الْمَسْأَلَة (١ و٦ و٨) وَلَكِن الْأَعَاجِم أفسدوا فِي أَمر الْإِمَامَة والخلافة بِمَا دست الباطنية فِي الشِّيعَة من تعاليم الإِمَام الْمَعْصُوم، وَبِمَا أفرط الْفرس وَالتّرْك وَمن تَبِعَهُمْ فِي الغلو بإطراء الْخُلَفَاء مِمَّا يذكر مِثَاله فِي الْخُلَاصَة التاريخية الْآتِيَة، حَتَّى فتحُوا لَهُم بَاب الاستعباد، وقهروا الْأمة على الخنوع والانقياد، ثمَّ انْتهى كل غلو إِلَى ضِدّه، فَكَانَ غلو الْأَعَاجِم فِي الْخُلَفَاء العباسيين سَببا للْقَضَاء على خلافتهم، ثمَّ كَانَ تقديس الْخُلَفَاء العثمانيين سَببا لإِسْقَاط دولتهم، وَقد أبقى التّرْك لوَاحِد مِنْهُم لقب خَليفَة مُجَردا من مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ والسياسي كَمَا تقدم، وَلم يمْنَع ذَلِك النَّاس وَلَا سِيمَا أَصْحَاب الجرائد عَن وَصفه بالقداسة، وبصاحب الْعَرْش، وَغير ذَلِك من الإطراء بالْقَوْل وَالْفِعْل. . وَكثر خوض الْمُسلمين كغيرهم بِذكر الْخلَافَة الروحية، وفصلها من السلطة الزمنية السياسية، وَإِنَّا وَإِن كُنَّا قد بَينا الْحق فِي الْمَسْأَلَة فِي هَذَا الْبَحْث نرى أَن نزيدها أيضاحا بِنَقْل مَا كتبه الْأُسْتَاذ الإِمَام فِيهَا نقلا عَن كِتَابه: (الْإِسْلَام والنصرانية مَعَ الْعلم والمدنية) قَالَ ﵀:
[ ١٣٥ ]
فارغة
[ ١٣٦ ]