لَكِن الْإِسْلَام دين وَشرع، فقد وضع حدودًا، ورسم حقوقا، وَلَيْسَ كل مُعْتَقد فِي ظَاهر أمره بِحكم يجْرِي عَلَيْهِ فِي عمله. . فقد يغلب الْهوى، وتتحكم الشَّهْوَة، فيغمط الْحق، أَو يتَعَدَّى المعتدى الْحَد، فَلَا تكمل الْحِكْمَة من تشريع الْأَحْكَام إِلَّا إِذا وجدت قُوَّة الْإِقَامَة الْحُدُود. . وتنفيذ حكم القَاضِي بِالْحَقِّ، وصون نظام الْجَمَاعَة. . وَتلك الْقُوَّة لَا يجوز أَن تكون فوضى فِي عدد كثير، فَلَا بُد أَن تكون فِي وَاحِد وَهُوَ السُّلْطَان أَو الْخَلِيفَة. .
الْخَلِيفَة عِنْد الْمُسلمين لَيْسَ بالمعصوم، وَلَا هُوَ مهبط الْوَحْي، وَلَا من حَقه الاستئثار بتفسير الْكتاب وَالسّنة. . نعم شَرط فِيهِ أَن يكون مُجْتَهدا، أَي أَن يكون من الْعلم باللغة الْعَرَبيَّة وَمَا مَعهَا مِمَّا تقدم ذكره بِحَيْثُ يَتَيَسَّر لَهُ أَن يفهم من الْكتاب وَالسّنة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَحْكَام، حَتَّى يتَمَكَّن بِنَفسِهِ من التَّمْيِيز بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَالصَّحِيح وَالْفَاسِد، ويسهل عَلَيْهِ إِقَامَة الْعدْل الَّذِي يُطَالِبهُ بِهِ الدّين وَالْأمة مَعًا. .
هُوَ على هَذَا - لَا يَخُصُّهُ الدّين فِي فهم الْكتاب وَالْعلم بِالْأَحْكَامِ بمزية، وَلَا يرْتَفع بِهِ إِلَى منزلَة، بل هُوَ وَسَائِر طلاب الْفَهم سَوَاء، إِنَّمَا يتفاضلون بصفاء
[ ١٤٠ ]
الْعقل، وَكَثْرَة الْإِصَابَة فِي الحكم، ثمَّ هُوَ مُطَاع مادام على المحجة، ونهج الْكتاب وَالسّنة، والمسلمون لَهُ بالمرصاد، فَإِذا انحرف عَن النهج أقاموه عَلَيْهِ، وَإِذا اعوج قوموه بِالنَّصِيحَةِ والإعذار إِلَيْهِ، " لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق " فَإِذا فَارق الْكتاب وَالسّنة فِي عمله، وَجب عَلَيْهِم أَن يستبدلوا بِهِ غَيره مَا لم يكن فِي استبداله مفْسدَة تفوق الْمصلحَة فِيهِ فالأمة أَو نَائِب الْأمة هُوَ الَّذِي ينصبه، وَالْأمة هِيَ صَاحِبَة الْحق فِي السيطرة عَلَيْهِ، وَهِي الَّتِي تخلعه مَتى رَأَتْ ذَلِك من مصلحتها، فَهُوَ حَاكم مدنِي من جَمِيع الْوُجُوه. .
وَلَا يجوز لصحيح النّظر أَن يخلط الْخَلِيفَة عِنْد الْمُسلمين بِمَا يُسَمِّيه الإفرنج (كراتيك) أَي سُلْطَان إلهي. فَإِن ذَلِك عِنْدهم هُوَ الَّذِي ينْفَرد بتلقي الشَّرِيعَة عَن الله، وَله حق الأثرة بالتشريع، وَله فِي رِقَاب النَّاس حق الطَّاعَة، لَا بالبيعة، وَمَا تَقْتَضِيه من الْعدْل وحماية الْحَوْزَة، بل بِمُقْتَضى الْإِيمَان، فَلَيْسَ لِلْمُؤمنِ مَا دَامَ مُؤمنا أَن يُخَالِفهُ، وَإِن اعْتقد أَنه عَدو لدين الله، وَشهِدت عَيناهُ من أَعماله مَا لَا ينطبق على مَا يعرفهُ من شرائعه، لِأَن عمل صَاحب السُّلْطَان الديني وَقَوله فِي أَي مظهر ظهراهما دين وَشرع. . هَكَذَا كَانَت سلطة الْكَنِيسَة فِي الْقُرُون الْوُسْطَى، وَلَا تزَال الْكَنِيسَة تَدعِي الْحق فِي هَذِه السلطة كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ. .
كَانَ من أَعمال التمدن الحَدِيث الْفَصْل بَين السلطة الدِّينِيَّة والسلطة المدنية، فَترك للكنيسة حق السيطرة على الِاعْتِقَاد والأعمال فِيمَا هُوَ من مُعَاملَة العَبْد لرَبه، تشرع وتنسخ مَا تشَاء، وتراقب وتحاسب كَمَا تشَاء، وَتحرم وَتُعْطِي كَمَا تُرِيدُ، وخول السلطة المدنية حق التشريع فِي معاملات النَّاس بَعضهم لبَعض، وَحقّ السيطرة على مَا يحفظ نظام اجْتِمَاعهم، فِي معاشهم لَا فِي معادهم، وعدوا هَذَا الْفَصْل منبعا للخير الْأَعَمّ عِنْدهم. .
[ ١٤١ ]
ثمَّ هم واهمون فِيمَا يرْمونَ بِهِ الْإِسْلَام من أَنه يحتم قرن السلطتين فِي شخص وَاحِد. . ويظنون أَن معنى ذَلِك فِي رَأْي الْمُسلم أَن السُّلْطَان هُوَ مُقَرر الدّين، وَهُوَ وَاضع أَحْكَامه وَهُوَ منفذها، وَالْإِيمَان آلَة فِي يَده يتَصَرَّف بهَا فِي الْقُلُوب بالإخضاع، وَفِي الْعُقُول بالإقناع، وَمَا الْعقل والوجدان عِنْده إِلَّا مَتَاع، ويبنون على ذَلِك أَن الْمُسلم مستعبد لسلطانه بِدِينِهِ، وَقد عهدوا أَن سُلْطَان الدّين عِنْدهم كَانَ يحارب الْعلم، ويحمي حَقِيقَة الْجَهْل، فَلَا يَتَيَسَّر للدّين الإسلامي أَن يَأْخُذ بالتسامح مَعَ الْعلم مَا دَامَ من أُصُوله أَن إِقَامَة السُّلْطَان وَاجِبَة بِمُقْتَضى الدّين. وَقد تبين لَك أَن هَذَا كُله خطأ مَحْض وَبعد عَن فهم معنى ذَلِك الأَصْل من أصُول الْإِسْلَام. . وَعلمت أَن لَيْسَ فِي الْإِسْلَام سلطة دينية سوى الموعظة الْحَسَنَة، والدعوة إِلَى الْخَيْر والتنفير من الشَّرّ، وَهِي سلطة خولها الله لأدنى الْمُسلمين يقرع بهَا أنف أعلاهم، كَمَا خولها لأعلاهم يتَنَاوَل بهَا من أَدْنَاهُم. .
وَمن هُنَا تعلم " الْجَمَاعَة " أَن مَسْأَلَة السُّلْطَان فِي دين الْإِسْلَام لَيست مِمَّا يضيق بِهِ صَدره، وتحرج بِهِ نَفسه عَن احْتِمَال الْعلم، وَقد تقدم مَا يُشِير إِلَى مَا صنع الْخُلَفَاء العباسيون والأمويون الأندلسيون من صنائع الْمَعْرُوف مَعَ الْعلم وَالْعُلَمَاء: وَرُبمَا أَتَيْنَا على شئ آخر مِنْهُ فِيمَا بعد.
يَقُولُونَ: إِن لم يكن للخليفة ذَلِك السُّلْطَان الديني أَفلا يكون للْقَاضِي أَو للمفتي أَو شيخ الْإِسْلَام؟ وَأَقُول: إِن الْإِسْلَام لم يَجْعَل لهَؤُلَاء أدنى سلطة على العقائد وَتَقْرِير الْأَحْكَام، وكل سلطة تنَاولهَا وَاحِد من هَؤُلَاءِ فَهِيَ سلطة مَدَنِيَّة قررها الشَّرْع الإسلامي، وَلَا يسوغ لوَاحِد مِنْهُم أَن يَدعِي حق السيطرة على إِيمَان أحد أَو عِبَادَته لرَبه أَو ينازعه فِي طَرِيق نظره " اهـ.
[ ١٤٢ ]