قد ثَبت مِمَّا تقدم أَن الْجمع بَين حضارة الْعَصْر وفنونه وَبَين الْمُحَافظَة على الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْع فَكَذَلِك لَا يكون الْخَلِيفَة هُوَ الإِمَام الْحق الَّذِي تجب طَاعَته ويمكنه نشر دَعْوَة الدّين والمحافظة عَلَيْهِ ومقاومة الْبدع وَإِزَالَة الْخلاف بَين الْأمة فِي الْمسَائِل الاجتماعية والمدنية الْعَامَّة إِلَّا إِذا كَانَ مُجْتَهدا، وَالِاجْتِهَاد يتَوَقَّف على اتقان اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَفهم أساليبها وخواص تراكيبها والملكة الراسخة فِي فنونها، للتمكن من فهم نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وهما فِي الذرْوَة الْعليا من هَذِه اللُّغَة، وَقد
[ ٩٨ ]
عد عُلَمَاء الْأُصُول من جَمِيع الْمذَاهب معرفَة اللُّغَة الْعَرَبيَّة شرطا مُسْتقِلّا للِاجْتِهَاد مَعَ اشْتِرَاط الْعلم بِالْكتاب وَالسّنة، بل صرح بعض أَئِمَّة الْعلمَاء بِأَن معرفَة هَذِه اللُّغَة فرض على كل مُسلم وَإِن مُقَلدًا - وَلَوْلَا أَن جَمِيع سلف الْأمة كَانَ على هَذَا الِاعْتِقَاد لما انتشرت الْعَرَبيَّة فِي خير الْقُرُون فِي كل قطر انْتَشَر فِيهِ الْإِسْلَام من غير مدارس منظمة تديرها الحكومات أَو الجمعيات وَهل لذَلِك من سَبَب غير الِاعْتِقَاد بِالْوُجُوب الديني، وَمن الْآيَات على ذَلِك إِجْمَاع الْعلمَاء فِي كل زمَان وَمَكَان على أَدَاء جَمِيع الْعِبَادَات اللسانية بِهَذِهِ اللُّغَة، كتلاوة الْقُرْآن وأذكار الصَّلَاة وَالْحج وَغَيرهَا، حَتَّى إِنَّهُم لَا يزالون يؤدون بهَا الْوَعْظ من خطْبَة الْجُمُعَة وَالْحَمْد لله والشهادتين والتلاوة وَالدُّعَاء فَقَط، وَلَكِن مِنْهُم من يترجمها بعد الصَّلَاة وَقد نقل إِلَيْنَا من الآستانة أَن أول جُمُعَة حضرها الْخَلِيفَة الروحي الْجَدِيد ألقيت فِيهَا خطْبَة الصَّلَاة باللغة التركية وَمن الْمَعْلُوم من الْإِسْلَام بِالضَّرُورَةِ أننا متعبدون بتدبر الْقُرْآن وَالِاعْتِبَار والاتعاظ بآياته وبفهم تِلَاوَة الصَّلَاة وأذكارها، وكل ذَلِك يتَوَقَّف على معرفَة اللُّغَة الْعَرَبيَّة، وتقصير بعض الْمُسلمين فِي هَذَا الْوَاجِب كتقصيرهم فِي الْوَاجِبَات الْكَثِيرَة الَّتِي أضاعت عَلَيْهِم دينهم ودنياهم.
لَيْسَ من غرضنا هُنَا أَن نَدْعُو أعاجم الْمُسلمين إِلَى تعلم اللُّغَة الْعَرَبيَّة، وَإِنَّمَا الْغَرَض أَن نذْكر حزب الْإِصْلَاح بِمَا لَا يجهله أَكثر رِجَاله من العلاقة القوية بَين منصب الْخلَافَة وَبَين اللُّغَة الْعَرَبيَّة فَإِنَّهُ سيجد فِي اللُّغَة مُعَارضَة شَدِيدَة، وَلَكِن حجَّته قَوِيَّة وَهِي تعذر حَيَاة الْإِسْلَام نَفسه وَالِاجْتِهَاد فِي أَحْكَامه بِدُونِهَا، وَتعذر تعارف الْمُسلمين وَجمع كلمتهم بِالْقدرِ المستطاع بِدُونِهَا، فَفِي كل قطر يسكنهُ الْمُسلمُونَ وكل مَدِينَة مِنْهُ لَا يزَال الْإِسْلَام فِيهَا حَيا، وَيُوجد من أهل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ من يُمكن التعارف مَعَهم وَنشر مَا يُقرر لخدمة الدّين بسعيهم.
إِن اللُّغَة رابطة من روابط الْجِنْس، وَقد حرم الْإِسْلَام التعصب للْجِنْس لِأَنَّهُ مفرق للْأمة ذَاهِب بالاعتصام والوحدة وَاضع للعداوة مَوضِع الألفة، وَقد نهى النَّبِي [ﷺ] عَن العصبية العمية الْجَاهِلِيَّة وتبرأ مِمَّن يَدْعُو إِلَيْهَا أَو يُقَاتل عَلَيْهَا، وَقد كَانَ من إصْلَاح الْإِسْلَام الديني والاجتماعي تَوْحِيد اللُّغَة بِجعْل لُغَة هَذَا الدّين الْعَام لُغَة لجَمِيع الْأَجْنَاس الَّتِي تهتدي بِهِ، فَهُوَ قد حُفظ بهَا وَهِي قد حفظت بِهِ. فلولاه
[ ٩٩ ]
لتغيرت كَمَا تغير غَيرهَا من اللُّغَات، وكما كَانَ يعروها التَّغْيِير من قبله. ولولاها لتباعدت الأفهام فِي فهمه، ولصار أديانا يكفّر أَهلهَا بَعضهم بَعْضًا، وَلَا يَجدونَ أصلا جَامعا يتحاكمون إِلَيْهِ إِذا رجعُوا إِلَى الْحق وَتركُوا الْهوى، فاللغة الْعَرَبيَّة لَيست خَاصَّة بجيل الْعَرَب سلائل يَعْرُب بن قحطان بل هِيَ لُغَة الْمُسلمين كَافَّة، ولغة شعوب أُخْرَى من غيرالعرب، وَطَوَائِف من الْعَرَب غير الْمُسلمين، وَمَا خدم الْإِسْلَام أحد من غير الْعَرَب إِلَّا بِقدر حظهم من لغته، وَلم يكن أحد من الْعَرَب فِي النّسَب يفرق بَين سيبوَيْه الْفَارِسِي النّسَب وأستاذه الْخَلِيل الْعَرَبِيّ فِي فضلهما واجتهادهما فِي خدمَة اللُّغَة، وَلَا بَين البُخَارِيّ الْفَارِسِي وأستاذيه أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَق بن رَاهْوَيْةِ العربيين فِي خدمَة السّنة، بل لم يخْطر فِي بَال أحد من سلف الْأمة وَلَا خلفهَا قبل هَذَا الْعَصْر أَن يَأْبَى تَفْضِيل كثير من الْأَعَاجِم فِي النّسَب على بعض أقرانهم وأساتذتهم من الْعَرَب فِيمَا امتازوا بِهِ من خدمَة هَذَا الدّين ولغته، وَلَا نَعْرِف أحدا من عُلَمَاء الْأَعَاجِم لَهُ حَظّ من خدمَة الْإِسْلَام وَهُوَ يجهل لغته، وَلَوْلَا أَن ظلّ عُلَمَاء الدّين فِي جَمِيع الشعوب الإسلامية مُجْمِعِينَ على التَّعَبُّد بِقِرَاءَة الْقُرْآن المعجز للبشر بأسلوبه الْعَرَبِيّ وأذكار الصَّلَاة وَغَيرهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ومدارسة التَّفْسِير والْحَدِيث بِالْعَرَبِيَّةِ لضاع الْإِسْلَام فِي الْأَعَاجِم مِنْهَا.
وَلَو أَن الدولة العثمانية أحيت اللُّغَة الْعَرَبيَّة فِيمَا فَتحته من أوروبة لانتشر فِيهَا الْإِسْلَام ثمَّ فِيمَا جاورها انتشارا عَاما، ولقامت فِيهَا مَدَنِيَّة إسلامية كمدنية الْعَرَب فِي الأندلس وَكَانَ رسوخها فِيهَا عَظِيما، وَلكنهَا لم تفعل ذَلِك وَلم تجْعَل لغتها التركية لُغَة علم وفنون بل اعتمدت فِي حكمهَا على قُوَّة السَّيْف وَحده، فَكَانَ من غوائل ذَلِك - وَهِي كَثِيرَة - أَن جَمِيع الشعوب الَّتِي خضعت لسيادتها وسلطانها ظلت مُحَافظَة على لغاتها حَتَّى الْمُسلمين مِنْهُم. . فَلَمَّا تَجَدَّدَتْ فِي هَذَا الْعَصْر عصبية اللُّغَة، وَجعل التّرْك العثمانيون لغتهم لُغَة علم أَرَادوا أَن يكرهوا الشعوب الإسلامية فِي سلطنتهم على ترك لغاتهم إِلَى لُغَة الدولة فَامْتنعَ الْجَمِيع عَلَيْهِم، وهب أَصْحَاب اللُّغَات غير العلمية الْمُدَوَّنَة كالألبانيين والكرد والجركس إِلَى تدوين لغاتهم وَجعلهَا لُغَة علم وفنون كَمَا فعل التّرْك، وَقد حَارَبت الدولة الألبانيين وهم أعظم حصونها فِي أروبة لأجل اللُّغَة، فَاخْتَارُوا حربها وَالْخُرُوج من سلطنتها على ترك لغتهم، وَلَو رضيت لنَفسهَا لُغَة الْإِسْلَام ودعتهم إِلَيْهَا لما أَبَوا، وَهَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ الَّتِي فرقت بَين التّرْك وَالْعرب
[ ١٠٠ ]
ذَلِك التَّفْرِيق الَّذِي أَشَرنَا إِلَى رزاياه فِي هَذَا الْبَحْث مرَارًا، وسعينا لتلافيه قبل تفاقم خطبه فَمَا أفادنا السَّعْي فلاحا، وَكَيف يعقل أَن يرضى الْعَرَب استبدال التركية بِالْعَرَبِيَّةِ الَّتِي شرفها الله على جَمِيع اللُّغَات بكتابه المعجز للبشر وحجته عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة على مَالهَا من المزايا الْأُخْرَى. .
وَنحن نرى التتار إخْوَة التّرْك فِي الْعرق الطوراني لَا يرضون بترك لغتهم واستبدال التركية بهَا وَهِي أرقى مِنْهَا؟ .
فَنحْن الْآن تجاه أَمر وَاقع، مَا لَهُ من دَافع، وكل مَا نطمع فِيهِ أَن نتقي ضَرَره، ونوفق بَين الجامعة الإسلامية والجامعة الجنسية اللُّغَوِيَّة بِمَا فصلناه من تعاون الْعَرَب وَالتّرْك على إِقَامَة الْخلَافَة الإسلامية الْحق، فَإِذا وفْق الله لإتمام هَذَا فَهُوَ الَّذِي تتمّ بِهِ الْوحدَة، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من سَعَادَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. .