خُدع كَثِيرُونَ بمظهر ذَلِك الْملك حَتَّى حكيمنا الاجتماعي (ابْن خلدون) الَّذِي اغْترَّ باهتدائه إِلَى سنة قيام الْملك وَسَائِر الْأُمُور البشرية الْعَامَّة بالعصبية فَأدْخل فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، بل مَا هُوَ مضاد لَهَا، كدعوة الرُّسُل (﵈) فَجعل مدارها على منعتهم فِي اقوامهم وَقُوَّة عصبية عَشَائِرهمْ. . مُعْتَمدًا على حَدِيث معَارض بآيَات الْقُرْآن الْكَثِيرَة، وبوقائع تواريخهم الصَّحِيحَة، وَبني على ذَلِك إِلْحَاق الْخلَافَة بِالنُّبُوَّةِ بِمَا لبس عَلَيْهِ من ذَلِك، وَإِنَّمَا النُّبُوَّة وَخِلَافَة النُّبُوَّة هادمتان لسلطان العصبية القومية ومقررتان لقاعدة الْحق، واتباعه بوازع النَّفس، والإذعان لشريعة الرب. . وَهَذِه قصَص الرُّسُل فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ناقضة لبنيان قَاعِدَته. وَفِي بَعْضهَا التَّصْرِيح بِعَدَمِ الْقُوَّة والمنعة كَقَوْلِه تَعَالَى حِكَايَة عَن لوط ﵇: ﴿قَالَ لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو آوي إِلَى ركن شَدِيد﴾ أم أَيهمْ قَامَت دَعوته بعصبية قومه؟ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل؟ أم مُوسَى الكليم؟ أم عِيسَى الرّوح الْكَرِيم؟ أم خَاتم النَّبِيين؟ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم. . ألم تكن جلّ مزايا بني هَاشم فِي قُرَيْش الْفَضَائِل الأدبية دون الحربية؟ ألم يكن جلّ اضطهاده [ﷺ] وصده عَن تبيلغ دَعْوَة ربه من رُؤَسَاء قُرَيْش؟ ألم يَكُونُوا هم الَّذين ألجئوه إِلَى الْهِجْرَة. . وهم الَّذين نزل الله فيهم ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك﴾ الْآيَة؟ حَتَّى هَاجر مستخفيا. . وسمى الله هجرته إخراجا - أَي نفيا وإبعادا - بِمثل قَوْله تَعَالَى ﴿يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم﴾ حَتَّى نَصره الله تَعَالَى بضعفاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. . وَمَا آمن أَكثر قُرَيْش إِلَّا بعد أَن أظهره الله عَلَيْهِم وخذلهم فِي حروبهم لَهُ. .
[ ١٤٩ ]
نعم إِن بعض كَلَام ابْن خلدون فِي حِكْمَة جعل الْخلَافَة فِي قُرَيْش صَحِيح وَهُوَ مكانتهم الْعليا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام الَّتِي لم ينازعهم فِيهَا أحد من الْعَرَب، وَأولى أَلا ينازعهم فِيهَا من يدين بِالْإِسْلَامِ من الْعَجم، وَذَلِكَ من أَسبَاب جمع الْكَلِمَة، وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك الصّديق (رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) فِي احتجاجه على الْأَنْصَار، وَأما عصبية الْقُوَّة الحربية فَلم تكن عِلّة وَلَا جُزْء عِلّة لجعل الْخلَافَة فِي قُرَيْش. . لِأَن الْإِسْلَام قضى على هَذِه العصبية الْجَاهِلِيَّة - يعْتَرف ابْن خلدون كَغَيْرِهِ بذلك - فَلَا يُمكن أَن يَجْعَلهَا عِلّة من علل شَرعه القويم الَّذِي مَدَاره على جعل الْقُوَّة تَابِعَة للحق، خلافًا لسَائِر المبطلين من الْبشر الَّذين يجْعَلُونَ الْقُوَّة فَوق الْحق، فإمَّا أَن يكون تَابعا لَهَا، وَإِمَّا أَن تقضي عَلَيْهِ قبل أَن يقْضى عَلَيْهَا. .
وَبِهَذَا الْبَيَان الْوَجِيز يعلم سَائِر مَا فِي كَلَام ابْن خلدون من شوب الْبَاطِل بتحكيم قَاعِدَته فِي تَصْحِيح عمل مُعَاوِيَة حَتَّى فِي اسْتِخْلَاف يزِيد، وَجعله مُجْتَهدا مخطئا فِي قتال أَمِير الْمُؤمنِينَ عليّ كرم الله وَجهه، ومصيبا فِي اسْتِخْلَاف يزِيد الَّذِي أنكرهُ عَلَيْهِ أكبر عُلَمَاء الصَّحَابَة فنفذه بالخداع وَالْقُوَّة والرشوة، فَهُوَ يزْعم أَن مُعَاوِيَة كَانَ عَالما بقاعدته فِي أَن الْأُمُور الْعَامَّة لَا تتمّ إِلَّا بشوكة العصبية، وَبِأَن عصبية الْعَرَب كلهم قد انحصرت فِي قومه بني أُميَّة، وَأَن جعل الْخلَافَة شُورَى فِي أهل الْحل وَالْعقد من أهل الْعلم وَالْعَدَالَة والكفاية من وجهاء قُرَيْش غير بني أُميَّة لم يعد مُمكنا، وكل هَذَا بَاطِل. وَفِي كَلَام ابْن خلدون شَوَاهِد على بُطْلَانه، وَلَيْسَ من مقصدنا إطالة القَوْل فِي بَيَان ذَلِك هُنَا.
وحسبنا أَن نقُول إِن عصبية الْعَرَب لم تَنْحَصِر فِي بني أُميَّة لَا بقوتهم الحربية وَلَا بِثِقَة الْأمة بعدلهم وكفاءتهم، وَإِنَّمَا افترضوا حَيَاء عُثْمَان وَضَعفه فنزوا على مناصب الْإِمَارَة وَالْحكم فِي الْأَمْصَار الإسلامية الَّتِي هِيَ قُوَّة الدولة ومددها. . واصطنعوا من محبى الدُّنْيَا من سَائِر بطُون قُرَيْش وَغَيرهم من يعلمُونَ أَنهم يواتونهم. . وَأكْثر هَؤُلَاءِ مِمَّن لم يعرفوا من الْإِسْلَام إِلَّا بعض الظَّوَاهِر وهم مَعَ الْحُكَّام أَتبَاع كل ناعق، فتوسلوا بهم إِلَى سنّ سنة الْجَاهِلِيَّة وَالْقَضَاء على خلَافَة النُّبُوَّة الشَّرْعِيَّة. .
[ ١٥٠ ]
وَلَو شَاءَ مُعَاوِيَة أَن يَجْعَلهَا شُورَى كَمَا نصح لَهُ بعض كبراء الصَّحَابَة (﵃) وَيجْعَل قومه وَغَيرهم مؤيدين لمن ينتخب انتخابا شَرْعِيًّا بِالِاخْتِيَارِ من أهل الشورى لفعل، وَمَا مَنعه إِلَّا حب الدُّنْيَا وفتنة الْملك، وَلَكِن عمر بن عبد الْعَزِيز لم يكن يَسْتَطِيع ذَلِك بعد أَن استفحل أَمرهم، وصاروا محيطين بِمن يتَوَلَّى الْأَمر مِنْهُم. .
وَفِي كتاب الْفِتَن من صَحِيح البُخَارِيّ أَن أَبَا بَرزَة الصَّحَابِيّ الْجَلِيل سُئِلَ - وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ - عَن التَّنَازُع على الْخلَافَة بَين مَرْوَان وَابْن الزبير والخوارج - وَهُوَ أثر سنة مُعَاوِيَة - فَقَالَ: احتسبت عِنْد الله أَنِّي أَصبَحت ساخطا على أَحيَاء قُرَيْش، إِنَّكُم يَا معشر الْعَرَب كُنْتُم على الْحَال الَّذِي علمْتُم من الذلة والقلة والضلالة وَإِن الله أنقذكم بِالْإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ [ﷺ] حَتَّى بلغ بكم مَا ترَوْنَ وَهَذِه الدُّنْيَا الَّتِي أفسدت بَيْنكُم، إِن ذَاك الَّذِي فِي الشَّام وَالله إِن يُقَاتل إِلَّا على الدُّنْيَا وَإِن هَؤُلَاءِ الَّذين بَين أظْهركُم وَالله إِن يُقَاتلُون إِلَّا على الدُّنْيَا، وَإِن ذَاك الَّذِي بِمَكَّة وَالله إِن يُقَاتل إِلَّا على الدُّنْيَا. أهـ. . وَيَعْنِي بالذين بَين أظْهركُم الْخَوَارِج الَّذِي يسمون الْقُرَّاء، وَلذَلِك جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى زِيَادَة: يَزْعمُونَ أَنهم قراؤكم. .
نعم إِن الْأَوَّلين من بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس استخدموا طبيعة الْملك وتوسلوا بِهِ إِلَى مَقَاصِد الْخلَافَة كنشر الْإِسْلَام ولغته وإعزازه وَفتح الممالك وَإِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس كَافَّة. . إِلَّا مَا كَانَ من الانتقام من المتهمين بِطَلَب الْخلَافَة وَمن التَّصَرُّف فِي بَيت المَال. . قَالَ ابْن خلدون بعد تَفْصِيل لَهُ فِي هَذَا الْبَاب: فقد صَار الْأَمر إِلَى الْملك وَبقيت مَعَاني الْخلَافَة من تحري الدّين ومذاهبه والجري على منهاج الْحق، وَلم يظْهر التَّغَيُّر إِلَّا فِي الْوَازِع الَّذِي كَانَ دينا ثمَّ انْقَلب عصبية وسيفا. . وَهَكَذَا كَانَ الْأَمر لعهد مُعَاوِيَة ومروان وَابْنه عبد الْملك والصدر الأول من خلفاء بني الْعَبَّاس إِلَى الرشيد وَبَعض وَلَده ثمَّ ذهبت مَعَاني الْخلَافَة وَلم يبْق إِلَّا اسْمهَا، وَصَارَ الْأَمر ملكا بحتا، وَجَرت طبيعة التغلب إِلَى غايتها، واستعملت فِي أغراضها من الْقَهْر والتقلب فِي الشَّهَوَات والملاذ، وَهَكَذَا كَانَ الْأَمر لولد عبد الْملك وَلمن جَاءَ بعد الرشيد من بني الْعَبَّاس، وَاسم الْخلَافَة بَاقِيا فيهم لبَقَاء عصبية الْعَرَب، والخلافة وَالْملك فِي الطورين ملتبس بعضهما بِبَعْض. ثمَّ ذهب رسم الْخلَافَة وأثرها بذهاب عصبية
[ ١٥١ ]
الْعَرَب وفناء جيلهم وتلاشي أَحْوَالهم، وَبَقِي الْأَمر ملكا بحتا كَمَا كَانَ الشَّأْن فِي مُلُوك الْأَعَاجِم بالمشرق. يدينون بِطَاعَة الْخَلِيفَة تبركا، وَالْملك بِجَمِيعِ ألقابه ومناحيه لَهُم، وَلَيْسَ للخليفة مِنْهُ شئ، فقد تبين أَن الْخلَافَة وجدت بِدُونِ الْملك أَولا ثمَّ التبست معانيهما واختلطت، ثمَّ انْفَرد الْملك حَيْثُ افْتَرَقت عصبيته من عصبية الْخلَافَة.
وَهَذِه الْخُلَاصَة الَّتِي ذكرهَا ابْن خلدون تدل على صِحَة قَوْلنَا الَّذِي كررناه مرَارًا وَهُوَ أَن خلفاء بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس قد جمعُوا بَين عَظمَة الْملك ونعيمه وترفه وَبَين مَقَاصِد الْخلَافَة من نشر الدّين وَالْحق وَالْعدْل، وَأَن الْفساد دب إِلَيْهِم بالتدريج، وَمَا زَالَ يفتك بهم حَتَّى أَزَال ملكهم، وَأكْثر الْمُسلمين لَا يَشْعُرُونَ بسير السّنَن الاجتماعية فيهم، والأقلون لَا يَسْتَطِيعُونَ تلافي الْفساد وتداركه قبل أَن يَنْتَهِي إِلَى غَايَته من هَلَاك الْأمة.
وَإِنَّمَا كَانَ يتلافى بالنظام الَّذِي تُقَام بِهِ الْخلَافَة، فالنظام قد أوجد أديانا ومذاهب بَاطِلَة، وَثَبت دولا جائرة، فَكيف لَا يحفظ بِهِ الْحق الراسخ رسوخ الأطواد؟ فو الْحق الَّذِي يَعْلُو وَلَا يعلى عَلَيْهِ، لَو أَن الْمُسلمين بذلوا من الْعِنَايَة لإعادة الْخلَافَة إِلَى نصابها عشر مَا بذلت فرق الباطنية لإفسادها، لعادت أقوى مِمَّا كَانَت وسادوا بهَا الدُّنْيَا كلهَا.
هَذَا وَإِن مَا فَاتَ الْمُسلمين فِي الْقُرُون الْوُسْطَى لَا يَنْبَغِي أَن يفوتهُمْ فِي هَذَا الْعَصْر الَّذِي عرف الْبشر فِيهِ من سنَن الله تَعَالَى فِي الِاجْتِمَاع البشري وَمن فَوَائِد النظام وَأَحْكَامه مَا لم يَكُونُوا يعْرفُونَ. .