من هَؤُلَاءِ لورد كرومر الَّذِي طعن الشَّرِيعَة تِلْكَ الطعنة النجلاء الَّتِي أَقَامَت مصر وأقعدتها، وَقد اضْطر إِلَى إنصافها وَتَقْيِيد مَا أطلقهُ من الطعْن فِيهَا. بِمَا لَا يُنكره أحد من عقلاء الْمُسلمين كَمَا انصفها بِكَلِمَة قَالَهَا مرّة للأستاذ الإِمَام ونشرنا هَذَا وَذَاكَ فِي مُجَلد الْمنَار الْعَاشِر إِذْ كَانَ هُوَ بِمصْر، فقد قلت فِي سِيَاق الرَّد على طعنته: إِن الْأُسْتَاذ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى حَدثنِي أَنه كَانَ يكلمهُ مرّة فِي مَسْأَلَة إصْلَاح المحاكم الشَّرْعِيَّة فِي إبان اهتمام الشّعب والحكومة بهَا وَاعْتِرَاض بعض الْعلمَاء على إصلاحها، فَأَقَامَ لَهُ الدَّلَائِل على أَن الْإِسْلَام يَدْعُو إِلَى كل إصْلَاح، ويناسب كل زمَان، فَقَالَ لَهُ اللورد مَا تَرْجَمته:
" أَتصدق يَا أستاذ أنني اعْتقد أَن دينا أوجد مَدَنِيَّة جَدِيدَة وَقَامَت بِهِ دوَل عَظِيمَة لَا يكون أساسه الْعدْل؟ هَذَا محَال، ولكنني أعلم أَن هَذِه المقاومات (أَي لإِصْلَاح المحاكم) أُمُور (اكليركية) " أَي تقاليد لرجل الدّين الإسلامي كتقاليد الْكَنِيسَة عِنْد النَّصَارَى.
هَذِه الْكَلِمَة حَملتنِي على إرْسَال كتاب إِلَى اللورد هَذَا نَصه:
الْقَاهِرَة فِي ٢٠ ربيع الأول سنة ١٣٢٥
كتاب من صَاحب الْمنَار للورد كرومر
جناب اللورد الْعَظِيم
[ ١٣١ ]
أحيّيك بِمَا يَلِيق بمكانتك، وَإِن لم يسْبق لي شرف الْمعرفَة لحضرتك، وَأَرْجُو أَن تمن عَليّ ببضع دقائق من وقتك الثمين تُجِيبنِي فِيهَا عَن السُّؤَال الْآتِي الَّذِي يهمني من حَيْثُ أَنا صَاحب مجلة إسلامية تدافع عَن الدّين وتبحث فِي فلسفته وَهُوَ:
هَل عنيت بِمَا قلت فِي تقريرك الْأَخير عَن الحكم بالشريعة الإسلامية " الَّتِي وضعت مُنْذُ أَكثر من ألف سنة " الدّين الإسلامي نَفسه الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الْقُرْآن الْحَكِيم وَالسّنة النَّبَوِيَّة؟ أم عنيت بذلك الْفِقْه الإسلامي الَّذِي وَضعه الْفُقَهَاء؟ فَإِن كنت تَعْنِي الثَّانِي فَهُوَ من وضع الْبشر، وَقد مزجت فِيهِ آراؤهم بِمَا يَأْخُذُونَ عَن الأول وَخطأ فِيهِ بَعضهم بَعْضًا، وَقد ترك حكام الْمُسلمين أنفسهم الْعَمَل بِكَثِير مِنْهُ. . ولطلاب الْإِصْلَاح من الْمُسلمين انتقاد على كثير من تِلْكَ الآراء فِي كل مَذْهَب. . وَإِن كنت تَعْنِي الأول فهاذ الْعَاجِز مستعد لِأَن يبين لجنابكم أَن مُعظم مَا جَاءَ فِي الدّين نَفسه من الْأَحْكَام القضائية والسياسية هُوَ من الْقَوَاعِد الْعَامَّة، وَهِي توَافق مصلحَة الْبشر فِي كل زمَان وَمَكَان لِأَن أساسها دَرْء الْمَفَاسِد وجلب الْمصَالح بِحكم الشورى، وَمَا فِيهِ من الْأَحْكَام الْجُزْئِيَّة (وَهُوَ مُقَابل الْمُعظم) رَاجع إِلَى ذَلِك. . وَاخْتِمْ رقيمي مودعا لجنابكم بالتحية والاحترام.
منشئ الْمنَار بِمصْر
مُحَمَّد رشيد رضَا
وَقد أجابنا بِالْكتاب الْآتِي بنصه الْعَرَبِيّ موقعا ومؤرخا بِخَطِّهِ الإفرنجي وَهُوَ