وَمَتى تمت الْمُبَايعَة وَجب بهَا على الْمُبَايِعين وَسَائِر الْأمة بالتبع لَهُم الطَّاعَة للْإِمَام فِي غير مَعْصِيّة الله والنصرة لَهُ، وقتال من بغى عَلَيْهِ أَو استبد بِالْأَمر دونه، وَسَيَأْتِي الْكَلَام على دَار الْعدْل وَالْجَمَاعَة، وَمَا يتَعَلَّق بهَا كَحكم الْهِجْرَة. .
وأهم مَا يجب التَّذْكِير بِهِ من طَاعَة الإِمَام الْحق على كل مُسلم وَكَذَا إِمَام الضَّرُورَة أَو التغلب على كل من بَايعه بِالذَّاتِ وَمن لَزِمته بيعَة أهل الْحل وَالْعقد - أَدَاء زَكَاة المَال والأنعام وَالزَّرْع وَالتِّجَارَة - وَالْجهَاد الْوَاجِب وجوبا كفائيا على مَجْمُوع الْأمة وَالْوَاجِب وجوبا عينيا على أفرادها رجَالًا وَنسَاء على مَا هُوَ مُبين فِي كتب الْفِقْه، كَمَا يجب عَلَيْهِم طَاعَة من ولاهم أَمر الْبِلَاد من الْوُلَاة السياسيين والقضاة وقواد الجيوش دون غَيرهم، وَيجب على هَؤُلَاءِ الخضوع لَهُ فِيمَا يُقيد بِهِ سلطتهم وَفِي عَزله إيَّاهُم إِذا عزلهم، وَالشّرط الْعَام فِي الطَّاعَة أَلا تكون فِي مَعْصِيّة لله تَعَالَى وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي هَذَا مَعْرُوفَة وَمجمع على مَعْنَاهَا. .
وَمن الْأَخْبَار والْآثَار الَّتِي يحسن إيرادها هُنَا مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد رب الْكَعْبَة قَالَ: دخلت الْمَسْجِد فَإِذا عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ جَالس فِي ظلّ الْكَعْبَة وَالنَّاس مجتمعون عَلَيْهِم فأتيتهم فَجَلَست إِلَيْهِ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله [ﷺ] فِي سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه وَمنا من ينتضل وَمنا من هُوَ فِي جشره إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُول الله [ﷺ] " الصَّلَاة جَامِعَة " فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُول الله [ﷺ] فَقَالَ:
" إِنَّه لم يكن نَبِي قبلي إِلَّا كَانَ حَقًا عَلَيْهِ أَن يدل أمته على خير مَا يُعلمهُ لَهُم وَيُنْذرهُمْ شَرّ مَا يُعلمهُ لَهُم، وَإِن أمتكُم هَذِه جعل عَافِيَتهَا فِي أَولهَا، وسيصيب آخرهَا بلَاء وَأُمُور تنكرونها، وتجئ فتْنَة فيرقق بَعْضهَا بَعْضًا وتجئ الْفِتْنَة فَيَقُول الْمُؤمن هَذِه مهلكتي ثمَّ تنكشف وتجئ الْفِتْنَة فَيَقُول الْمُؤمن هَذِه هَذِه، فَمن أحب أَن يزحزح عَن النَّار وَيدخل الْجنَّة فلتأته منيته وَهُوَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليأت إِلَى النَّاس الَّذِي يجب أَن يُؤْتى إِلَيْهِ. . وَمن بَايع إِمَامًا فَأعْطَاهُ صَفْقَة يدة، وَثَمَرَة
[ ٣٤ ]
قلبه. . فليطعه إِن اسْتَطَاعَ فَإِن جَاءَ آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " فدنوت مِنْهُ فَقلت لَهُ: أنْشدك الله آنت سَمِعت هَذَا من رَسُول الله [ﷺ]؟ فَأَهوى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلبه بيدَيْهِ وَقَالَ سمعته أذناي ووعاه قلبِي، فَقلت لَهُ هَذَا ابْن عمك مُعَاوِيَة يَأْمُرنَا أَن نَأْكُل أَمْوَالنَا بَيْننَا بِالْبَاطِلِ ونقتل أَنْفُسنَا وَالله يَقُول ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم إِن الله كَانَ بكم رحِيما﴾ قَالَ فَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ: أطعه فِي طَاعَة الله وأعصه فِي مَعْصِيّة الله. .
وَقد أعز الله الْبشر بِالْإِسْلَامِ، وَمُقْتَضى الْكتاب وَالسّنة أَنه لَا طَاعَة وَلَا خضوع فِيهِ إِلَّا لله تَعَالَى، وَطَاعَة الرَّسُول من طَاعَته لقَوْله: ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ وَطَاعَة أولى الْأَمر كَذَلِك لقَوْله: ﴿وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ وَلذَلِك اشْترط فِيهَا أَن تكون فِي تَنْفِيذ أصُول شَرعه أَو فروعه. . وَقد قَالَ بعض أُمَرَاء بني أُميَّة لبَعض عُلَمَاء التَّابِعين: أَلَيْسَ الله قد أَمركُم بِأَن تطيعونا فِي قَوْله: ﴿وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾؟ فَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ قد نزعت عَنْكُم - يَعْنِي الطَّاعَة - إِذْ خالفتم الْحق بقوله: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾؟ نَقله الْحَافِظ فِي الْفَتْح: قَالَ وَمن بديع الْجَواب وَذكره. . على أَن أولى الْأَمر هُنَا الْجَمَاعَة أَي الْأمة كَمَا تقدم. .