يجب على الإِمَام نشر دَعْوَة الْحق، وَإِقَامَة ميزَان الْعدْل، وحماية الدّين من الاعتداء والبدع، والمشاورة فِي كل مَا لَيْسَ فِيهِ نَص، وَهُوَ مسئول عَن عمله يُرَاجِعهُ كل أحد من الْأمة فِيمَا يرَاهُ أَخطَأ فِيهِ، يحاسبه عَلَيْهِ أهل الْحل وَالْعقد، وَقد قَالَ رَسُول الله [ﷺ]
" الإِمَام الَّذِي على النَّاس رَاع وَهُوَ مسئول عَن رَعيته " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث لِابْنِ عمر وَغَيرهمَا. . وَقد بَين الْمَاوَرْدِيّ مَا يجب عَلَيْهِ فِي متأخرها أَشد مِمَّا قبله، فيعد الْمُتَقَدّم رَقِيقا بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده. . عشر قَوَاعِد كُلية لم يذكر مِنْهَا مَسْأَلَة الْمُشَاورَة، على كَثْرَة النُّصُوص فِيهَا، واستفاضة آثَار الرَّاشِدين فِي الجري عَلَيْهَا، اتبَاعا لما صَحَّ من عمل النَّبِي [ﷺ] بهَا، قَالَ: " وَالَّذِي يلْزمه من الْأُمُور الْعَامَّة عشر أَشْيَاء:
[ ٣٥ ]
أَحدهَا حفظ الدّين على أُصُوله المستقرة، وَمَا أجمع عَلَيْهِ سلف الْأمة، فَإِن نجم مُبْتَدع أوزاغ ذُو شُبْهَة عَنهُ، أوضح لَهُ الْحجَّة وَبَين لَهُ الصَّوَاب، وَأَخذه بِمَا يلْزمه من الْحُقُوق وَالْحُدُود، ليَكُون الدّين محروسا من خلل، وَالْأمة مَمْنُوعَة من زلل (وَالثَّانِي) تَنْفِيذ الْأَحْكَام بَين المتشاجرين، وَقطع الْخِصَام بَين المتنازعين حَتَّى تعم النصفة فَلَا يتَعَدَّى ظَالِم، وَلَا يضعف مظلوم (الثَّالِث) حماية الْبَيْضَة والذب عَن الْحَرِيم، ليتصرف النَّاس فِي المعايش وينتشروا فِي الْأَسْفَار، آمِنين من تغرير بِنَفس أَو مَال (وَالرَّابِع) إِقَامَة الْحُدُود لتصان محارم الله تَعَالَى عَن الانتهاك، وَتحفظ حُقُوق عباده من إِتْلَاف واستهلاك (وَالْخَامِس) تحصين الثغور بالعدة الْمَانِعَة، وَالْقُوَّة الدافعة، حَتَّى لَا يظْهر الْأَعْدَاء بغرة ينتهكون فِيهَا محرما، أَو يسفكون فِيهَا لمُسلم أَو معاهد دَمًا (وَالسَّادِس) جِهَاد من عاند الْإِسْلَام بعد الدعْوَة، حَتَّى يسلم أَو يدْخل فِي الذِّمَّة، ليقام بِحَق الله تَعَالَى فِي إِظْهَاره على الدّين كُله (وَالسَّابِع) جباية الفئ وَالصَّدقَات على مَا أوجبه الشَّرْع نصا واجتهادا من غير خوف وَلَا عسف (وَالثَّامِن) تَقْدِير العطايا وَمَا يسْتَحق فِي بَيت المَال من غير سرف وَلَا تقتير، وَدفعه فِي وَقت لَا تَقْدِيم فِيهِ وَلَا تَأْخِير (التَّاسِع) استكفاء الْأُمَنَاء، وتقليد النصحاء، فِيمَا يفوضه إِلَيْهِم من الْأَعْمَال، ويكله إِلَيْهِم من الْأَمْوَال، لتَكون الْأَعْمَال بالكفاءة مضبوطة، وَالْأَمْوَال بالأمناء مَحْفُوظَة، (الْعَاشِر) أَن يُبَاشر بِنَفسِهِ مشارفة الْأُمُور وتصفح الْأَحْوَال لينهض بسياسة الْأمة، وحراسة الْملَّة، وَلَا يعول على التَّفْوِيض تشاغلا بلذة أَو عبَادَة، فقد يخون الْأمين ويغش الناصح، وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ فَلم يقْتَصر الله سُبْحَانَهُ على التَّفْوِيض دون الْمُبَاشرَة، وَلَا عذره فِي اتِّبَاع الْهوى حَتَّى وَصفه بالضلال. . وَهَذَا وَإِن كَانَ مُسْتَحقّا عَلَيْهِ بِحكم الدّين ومنصب الْخلَافَة فَهُوَ من حُقُوق السياسة لكل مسترع. . قَالَ النَّبِي ﵇ " كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته " وَلَقَد أصَاب الشَّاعِر فِيمَا وصف بِهِ الزعمي الْمُدبر حَيْثُ يَقُول: (الْبَسِيط)
[ ٣٦ ]
(وقلدوا أَمركُم لله دركم رحب الذِّرَاع بِأَمْر الْحَرْب مضطلعا)
(لَا مترفا إِن رخاء الْعَيْش ساعده وَلَا إِذا عض مَكْرُوه بِهِ خشعا)
(وَلَيْسَ يشْغلهُ مَال يثمره عَنْكُم وَلَا ولد يَبْغِي لَهُ الرفعا)
(مَا زَالَ يحلب در الدَّهْر أشطره يكون متّبعا يَوْمًا ومتَبَعا)
(حَتَّى اسْتمرّ على شزر مريرته مستحكم الرَّأْي لافخما وَلَا ضرعا)
(أَقُول) عِبَارَته فِي الْوَاجِب الأول فِي مُنْتَهى التَّحْقِيق، وَهُوَ الْمُحَافظَة على مَا أجمع عَلَيْهِ السّلف الصَّالح من الدّين وَإِطْلَاق الْحُرِّيَّة للْأمة فِيمَا سواهُ من الْمسَائِل الاجتهادية من حَيْثُ الْعلم وَعمل الْأَفْرَاد فِي الْعِبَادَات، وَأما مَا يتَعَلَّق بالسياسة وَالْقَضَاء المنوط بالحكومة فَلهُ أَن يرجح بعض الْأَحْكَام الاجتهادية على بعض، باستشارة الْعلمَاء من أهل الْحل وَالْعقد، وَلَا سِيمَا إِذا لم يكن هُوَ من أهل الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع، وَلَقَد كَانَ أَئِمَّة الدّين يطيعون الْخُلَفَاء فِيمَا يُخَالف اجتهادهم من أُمُور الْحُكُومَة إِذا لم يُخَالف النَّص الْقطعِي من الْكتاب وَالسّنة وَلَكنهُمْ لم يطيعوهم فِي القَوْل بِخلق الْقُرْآن لِأَنَّهُ من أُمُور العقائد الَّتِي خالفوا فِيهَا السّلف. .
وَالْجهَاد الَّذِي ذكره فِي الْوَاجِب السَّادِس أَرَادَ بِهِ الْقِتَال الْعَيْنِيّ والكفائي وَإِنَّمَا يجب على كل مُكَلّف إِذا استولى الْعَدو على بعض بِلَاد الْمُسلمين وَتوقف دَفعه على ذَلِك وَإِلَّا اكْتفى بِمن يستنفرهم الإِمَام بِحَسب الْحَاجة، وَالْجهَاد قد يكون بِالْمَالِ وَاللِّسَان وَمِنْه الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام بالبرهان. وَتجب طَاعَة الإِمَام فِي التَّعْلِيم العسكري بنظام الْقرعَة وَغَيره، وَعَلِيهِ أَن يعد للأعداء مَا يَسْتَطِيع من قُوَّة ليقاتلهم بِمَا يقاتلوننا بِهِ أَو يفوقهم، وَمِنْه إنْشَاء البوارج والغواصات والطيارات الحربية وأنواع الأسلحة الخ وَتجب طَاعَته فِي ذَلِك كُله بِالْمَالِ وَالنَّفس، بِنَصّ قَوْله تَعَالَى ﴿وأَعِدُّوا لَهْم مَا اسْتطَعْتُم من قُوَّة﴾ وَالْخطاب للْأمة وَإِنَّمَا الرئيس هُوَ الَّذِي يوحد النظام فِيهَا. وعَلى هَذَا تكون الْعُلُوم والفنون الطبيعية والكيماوية والآلية كلهَا من الْوَاجِبَات الكفائية وَمَا لَا يتم الْوَاجِب الْمُطلق إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِب. وَلَيْسَ فِي الْإِسْلَام جِهَاد يجب بِهِ قتال كل مُخَالف وَإِن كَانَ معاهدا أَو ذِمِّيا.
[ ٣٧ ]