اتّفق أهل السّنة على أَن نَصْبَ الْخَلِيفَة فرض كِفَايَة، وَأَن المطالب بِهِ أهل الْحل وَالْعقد فِي الْأمة، وَوَافَقَهُمْ المغتزلة والخوارج على أَن الْإِمَامَة تَنْعَقِد ببيعة أهل الْحل وَالْعقد. . وَلَكِن اضْطربَ كَلَام بعض الْعلمَاء فِي أهل الْحل وَالْعقد من هم؟ وَهل تشْتَرط مُبَايَعَتهمْ كلهم أم يَكْتَفِي بِعَدَد معِين مِنْهُم؟ أم لَا يشْتَرط الْعدَد؟ وَكَانَ يَنْبَغِي أَن تكون تسميتهم بِأَهْل الْحل وَالْعقد مَانِعَة من الْخلاف فيهم، إِذْ الْمُتَبَادر مِنْهُ أَنهم زعماء الْأمة وأولو المكانة وَمَوْضِع الثِّقَة من سوادها الْأَعْظَم، بِحَيْثُ تتبعهم فِي
[ ١٨ ]
طَاعَة من يولونه عَلَيْهَا فينتظم بِهِ أمرهَا، وَيكون بمأمن من عصيانها وخروجها عَلَيْهِ، قَالَ السعد فِي شرح الْمَقَاصِد كَغَيْرِهِ من الْمُتَكَلِّمين وَالْفُقَهَاء: هم الْعلمَاء والرؤساء ووجوه النَّاس زَاد فِي الْمِنْهَاج للنووي الَّذين يَتَيَسَّر اجْتِمَاعهم. وَعلله شَارِحه الرملى بقوله لِأَن الْأَمر يَنْتَظِم بهم ويتبعهم سَائِر النَّاس. وَهَذَا التَّعْلِيل هُوَ غَايَة التَّحْقِيق منطوقًا ومفهومًا فَإِذا لم يكن المبايعون بِحَيْثُ تتبعهم الْأمة فَلَا تَنْعَقِد الْإِمَامَة بمبايعتهم. . وَهَذَا هُوَ الْمَأْخُوذ من عمل الصَّحَابَة (﵃) فِي تَوْلِيَة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، فَإِن عمر عَدّ البدء فِي بيعَة أبي بكر فلتة لِأَنَّهُ وَقع قبل أَن يتم التشاور بَين جَمِيع أهل الْحل وَالْعقد إِذْ لم يكن فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة أحد من بني هَاشم وهم فِي ذروتهم، وتضافرت الرِّوَايَات بِأَن أَبَا بكر (﵁) أَطَالَ التشاور مَعَ كبراء الصَّحَابَة فِي ترشيح عمر فَلم يعبه أحد لَهُ بِشَيْء إِلَّا شدته، وَإِن كَانُوا يعترفون أَنَّهَا فِي الْحق، فَكَانَ يُجِيبهُمْ بِأَنَّهُ يرَاهُ يلين فيشتد هُوَ - وَهُوَ وزيره - ليعتدل الْأَمر، وَأَن الْأَمر إِذا آل إِلَيْهِ يلين فِي مَوضِع اللين ويشتد فِي مَوضِع الشدَّة، حَتَّى إِذا رأى أَنه أقنع جُمْهُور الزعماء - وَفِي مقدمتهم عَليّ كرم الله وَجهه - صرح باستخلافه فقبلوا وَلم يشذ مِنْهُم أحد، وَلما طعن عمر رأى حصر الشورى الْوَاجِبَة فِي الزعماء السِّتَّة الَّذين مَاتَ الرَّسُول [ﷺ] وَهُوَ عَنْهُم رَاض لعلمه بِأَنَّهُ لَا يتَقَدَّم عَلَيْهِم أحد وَلَا يخالفهم فِيمَا يتفقون عَلَيْهِ أحد، لأَنهم هم المرشحون للْإِمَامَة دون سواهُم (وهم عُثْمَان وَعلي وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَلما أخرج نَفسه عبد الرَّحْمَن بن عَوْف مِنْهُم وَجعلُوا لَهُ الِاخْتِيَار بَقِي ثَلَاثًا لَا تكتحل عينه بِكَثِير نوم وَهُوَ يشاور كبراء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَلما رَجَعَ عُثْمَان دَعَا الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وأمراء الأجناد فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْد مِنْبَر رَسُول الله [ﷺ] بعد صَلَاة الْفجْر صرح لَهُم بِاخْتِيَارِهِ لعُثْمَان وَبَايَعَهُ هَؤُلَاءِ كلهم، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَغَيره. . وَالْمرَاد بأمراء الأجناد وُلَاة الأقطار الْكُبْرَى مصر وَالشَّام وحمص والكوفة وَالْبَصْرَة وَكَانُوا قد حجُّوا مَعَ عمر فِي ذَلِك الْعَام وحضروا مَعَه الْمَدِينَة. وَلما شَذَّ أحد هَؤُلَاءِ الْوُلَاة - وَهُوَ مُعَاوِيَة فَلم يُبَايع عليا كرم الله وَجهه مَعَ إِجْمَاع سَائِر الْمُسلمين على مبايعته - كَانَ من الْفِتْنَة وتفرق الْكَلِمَة مَا كَانَ. . وَإِنَّمَا تصح الْمُبَايعَة باتفاقهم، أَو اتِّفَاق الرؤساء الَّذين يتبعهُم
[ ١٩ ]
غَيرهم، وَمن لم يتبعهُم بِالِاخْتِيَارِ، سهل عَلَيْهِم إكراهه بِقُوَّة الْأمة على الطَّاعَة والانقياد. . وَمن رُؤَسَائِهِمْ فِي هَذَا الْعَصْر قواد الْجَيْش كوزيرى الحربية والبحرية وأركان الْحَرْب لَهما. . وَمَتى تمت الْبيعَة فِي العاصمة وَجب أَن تتبعها الولايات بمبايعة ولاتها إِذا كَانُوا يتبعُون فِيهَا، وَإِلَّا وَجب أَن يَنْضَم إِلَيْهِم زعماء أَهلهَا من الْعلمَاء والقواد وَغَيرهم. .
وَغلط بعض الْمُعْتَزلَة وَالْفُقَهَاء فَقَالُوا: إِن الْبيعَة تَنْعَقِد دَائِما بِخَمْسَة مِمَّن يصلح للْإِمَامَة بِدَلِيل مَا أَشَارَ بِهِ عمر إِذْ حصر الشورى فِي المرشحين السِّتَّة وَقبل جَمِيع الصَّحَابَة مِنْهُ ذَلِك فَكَانَ إِجْمَاعًا. . نعم كَانَ إِجْمَاعًا على الشورى وعَلى أُولَئِكَ السِّتَّة فِي تِلْكَ الْوَاقِعَة، لَا إِجْمَاعًا على ذَلِك الْعدَد فِي كل مبايعة، وَقَالُوا إِن مَذْهَب الأشعرى أَنَّهَا تَنْعَقِد بِعقد وَاحِد مِنْهُم إِذا كَانَ بمشهد من الشُّهُود وَهُوَ غلط وَاضح؟ وَقد ذكر هَذَا القَوْل الْفُقَهَاء مُقَيّدا بِمَا إِذا انحصر الْحل وَالْعقد فِيهِ بِأَن وثق زعماء الْأمة بِهِ وفوضوا أَمرهم إِلَيْهِ، وَهَذَا لم يَقع وينذر أَن يَقع. . وإمامة عُثْمَان لم تكن بمبايعة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَحده بل كَانَت عَامَّة لَا خَاصَّة بِهِ، وَكَذَلِكَ مبايعة عمر لأبي بكر، فَإِن الْإِمَامَة لم تَنْعَقِد بمبايعته وَحده، بل بمتابعة الْجَمَاعَة لَهُ، وَقد صَحَّ أَن عمر أنكر على من زعم أَن الْبيعَة تَنْعَقِد بِوَاحِد من غير مُشَاورَة الْجَمَاعَة وَكَانَ بلغه هَذَا القَوْل فِي أثْنَاء حجه فعزم على بَيَان حَقِيقَة أَمر الْمُبَايعَة وَمَا يشْتَرط فِيهَا من الشورى على جَمَاهِير الْحجَّاج فَذكره بَعضهم بِأَن الْمَوْسِم يجمع أخلاط النَّاس وَمن لَا يفهمون الْمقَال، فيطيرون بِهِ كل مطار، وَأَنه يجب أَن يرجئ هَذَا الْبَيَان إِلَى أَن يعود إِلَى الْمَدِينَة فيلقيه على أهل الْعلم والرأي فَفعل
قَالَ على مِنْبَر الرَّسُول [ﷺ]: بَلغنِي أَن قَائِلا مِنْكُم يَقُول وَالله لَو مَاتَ عمر لبايعت فلَانا، فَلَا يغترن امْرُؤ أَن يَقُول إِن بيعَة أبي بكر كَانَت فلتة فتمت، أَلا وَإِنَّهَا قد كَانَت كَذَلِك وَلَكِن وقى الله شَرها، وَلَيْسَ فِيكُم من تتطلع إِلَيْهِ الْأَعْنَاق مثل أبي بكر، من بَايع رجلا من غير مشورة من الْمُسلمين فَلَا يُبَايع هُوَ وَلَا الَّذِي بَايعه لغرة أَن يقتلا. ثمَّ سَاق خبر بيعَة أبي بكر وَمَا كَانَ يخْشَى من وُقُوع الْفِتْنَة بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار لَوْلَا تِلْكَ الْمُبَادرَة بمبايعته للثقة
[ ٢٠ ]
بِقبُول سَائِر الْمُسلمين، رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَقد أقرَّت جمَاعَة الصَّحَابَة عمر على ذَلِك فَكَانَ إِجْمَاعًا فتقرر بِهَذَا، إِن الأَصْل فِي الْمُبَايعَة أَن تكون بعد استشارة جُمْهُور الْمُسلمين وَاخْتِيَار أهل الْحل وَالْعقد وَلَا تعْتَبر مبايعة غَيرهم إِلَّا أَن تكون تبعا لَهُم. . وَأَن عمل عمر (﵁) خَالف هَذَا الأَصْل الْقطعِي فَكَانَ فلتة لمقتضيات خَاصَّة لَا أصلا شَرْعِيًّا يعْمل بِهِ، وَمن تصدى لمثله فَبَايع أحدا فَلَا يَصح أَن يكون هُوَ وَلَا من بَايعه أَهلا للمبايعة، بل يكون ذَلِك تغريرًا بأنفسهما قد يُفْضِي إِلَى قَتلهمَا إِذْ أحدث فِي الْأمة شقاقا وفتنة.