لم يكن منصب الْخلَافَة الَّذِي يتحلى بلقبه السُّلْطَان مَانِعا للاتحاديين من عمل من الْأَعْمَال الَّتِي تهدم الدّين وتمحو أَثَره من الدولة ثمَّ من الْأمة؛ لِأَن الْخلَافَة لم تكن إِلَّا لقبا رسميا لَهُ بعض من التَّأْثِير فِي خَارج الدولة كاحترام الدول لَهُ وَتعلق مُسْلِمِي رعاياها وَمن تَحت نفوذها مِنْهُم بِهِ، أما دَاخل الدولة بل الدولة نَفسهَا، فَلم يكن للخليفة فِيهَا ديوَان خَاص ذُو نظام وتقاليد يَسْتَعِين بِهِ الْخَلِيفَة على شئ من أَعمال الْحُكُومَة فِي إِقَامَة الشَّرْع والمحافظة على الدّين، وَالنَّظَر فِي مصَالح الْمُسلمين. . لم يكن فِي (المابين الهمايوني) مستوى الْخَلِيفَة السُّلْطَان شئ من هَذَا. .
وَإِنَّمَا كَانَ يُوجد فِي الوزارة عُضْو يُسمى شيخ الْإِسْلَام، وَله دَار تسمى (بَاب المشيخة الإسلامية) هِيَ مقرّ رجال الْفَتْوَى وإدارة المحاكم الشَّرْعِيَّة وإدارة التَّعْلِيم الديني. . وَلَكِن المشيخة الإسلامية بلغت من الضعْف أَن صَارَت عاجزة عَن حفظ هَذِه الْمصَالح الْخَاصَّة بهَا، فَلم يقدر شيخ الْإِسْلَام أَن يمْنَع الْحُكُومَة الاتحادية من سلب المحاكم الشَّرْعِيَّة مِنْهُ وَجعلهَا تَابِعَة للعدلية (الحقانية) وَلَا من التَّضْيِيق على التَّعْلِيم الديني، فَهَل يقدر على منعهَا من إِبَاحَة الزِّنَا للمسلمات، أَو غَيرهَا من تِلْكَ
[ ١٥٥ ]
الموبقات؟ وأهم أَسبَاب هَذَا الضعْف أَن المشيخة لم تكن إِلَّا مصلحَة رسمية لم تعن فِي يَوْم من الْأَيَّام بشئ من خدمَة الدّين الروحية الَّتِي تجْعَل لَهَا سلطة معنوية فِي الشّعب الإسلامي فِي دَاخل المملكة وَلَا خَارِجهَا، ليَكُون لَهَا من قوته الدِّينِيَّة مَا تهابه الْحُكُومَة وتخشاه فتؤيد بِهِ نفوذها، ونفوذ الْخَلِيفَة الَّذِي ترك الْأُمُور الدِّينِيَّة والمصالح الإسلامية لَهَا. .