فَرغْنَا مِمَّا قصدنا إِلَى بَيَانه من أَحْكَام الْإِمَامَة الْعُظْمَى فِي الْإِسْلَام، ونقفي عَلَيْهِ بِبَيَان مَا يجب من السَّعْي للْعَمَل بِهَذِهِ الْأَحْكَام، بِإِعَادَة تكوين الْأمة ووحدتها. وَنصب الإِمَام الْحق لَهَا، الَّذِي بَينا فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَنه وَاجِب عَلَيْهَا شرعا، تأثم
[ ٦٥ ]
كلهَا بِتَرْكِهِ، وتعد حَيَاتهَا ومبيتتها جَاهِلِيَّة مَعَ فَقده، فالأمة كلهَا مُطَالبَة بِهِ، وَهِي صَاحِبَة الْأَمر والشأن فِيهِ كَمَا بَيناهُ فِي الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة، وَإِنَّمَا يقوم بِهِ ممثلوها من أهل الْحل وَالْعقد كَمَا حررناه فِي الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة، فَأهل الْحل وَالْعقد هم المطالبون بِجَمِيعِ مصَالح الْأمة الْعَامَّة، وَمَسْأَلَة السلطة الْعليا بِخَاصَّة. .
قُلْنَا إِن أهل الْحل وَالْعقد هم سراة الْأمة وزعماؤها ورؤساؤها، الَّذين تثق بهم فِي الْعُلُوم والأعمال والمصالح الَّتِي بهَا قيام حَيَاتهَا، وتتبعهم فِيمَا يقررونه بشأن الديني والدنيوي مِنْهَا، وَهَذَا أَمر من ضروريات الِاجْتِمَاع فِي جَمِيع شعوب الْبشر، تتَوَقَّف عَلَيْهِ الْحَيَاة الاجتماعية المنظمة، قَالَ شَاعِرنَا الْعَرَبِيّ:
(لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم وَلَا سراة إذاجهالهم سادوا)
وَإِذا صلحت هَذِه الفئة من الْأمة صلح حَالهَا وَحَال حكامها، وَإِذا فَسدتْ فسدا، وَلذَلِك كَانَ من مُقْتَضى الْإِصْلَاح الإسلامي أَن يكون أهل الْحل وَالْعقد فِي الْإِسْلَام من أهل الْعلم الاستقلالي بشريعة الْأمة ومصالحها السياسية والاجتماعية، والقضائية والإدارية والمالية، وَمن أهل الْعَدَالَة والرأي وَالْحكمَة، كَمَا بَيناهُ فِي الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة، وَهِي مَا يشْتَرط فِي أهل الِاخْتِيَار للخليفة. .
فَذكر أهل الْحل وَالْعقد قد تكَرر فِي مسَائِل أَحْكَام الْخلَافَة، وَلم نجعله عنوانًا إِلَّا لهَذِهِ الْمَسْأَلَة الَّتِي عقدت للْكَلَام فيهم أنفسهم، وَأَيْنَ يوجدون الْيَوْم، وَمَا يجب عَلَيْهِم لأمتهم فِي هَذَا الْعَصْر، فَإِن الحكومات غير الشَّرْعِيَّة من أَجْنَبِيَّة ووطنية تَعْنِي بإفساد زعماء الشعوب الَّتِي تستبد فِي أمرهَا، ليكونوا أعوانا لَهَا على استبدادها، وَمن تعجز عَن إفساده على قومه بالترغيب ثمَّ بالترهيب تكيد لَهُ أَو تبطش بِهِ، فَأهل الْحل وَالْعقد من قبل الْأمة، قَلما يوجدون إِلَّا فِي الْأُمَم الْحرَّة، وَأكْثر الرؤساء فِي الْأُمَم المقهورة يكونُونَ من قبل حكامها، وهم الَّذين توليهم رئاسة بعض الْأَعْمَال والمصالح فِيهَا، فَيكون مَا بيدهم من الْحل وَالْعقد مُسْتَأْجرًا، وَقد تغش الْأمة بِبَعْض رِجَاله، وَقد يكونُونَ فِي نظرها من الخونة الْمُسْتَحقّين للعقاب، وَقد يُوجد فيهم من يكون أَهلا للثقة، وتعرف لَهُ الْأمة ذَلِك أَو تجهله، وَإِذا سكتت على إِظْهَار احتقارها لصنائع المستبدين فِيهَا، لتفرقها فِي وَقت الانقياد والدعة، فَإِنَّهَا تظهره فِي وَقت الِاجْتِمَاع بِالِاضْطِرَابِ والثورة، وَقد أظهرت لنا الثورة المصرية فِي هَذِه السنين، كَرَاهَة الْأمة، واحتقارها لأفراد من رُؤَسَاء مصَالح الدُّنْيَا وَالدّين، وترئيس أَفْرَاد
[ ٦٦ ]
آخَرين عَلَيْهَا، وَآيَة هَذِه الزعامة المصنوعة الْمُسْتَأْجرَة للحكومة أَن صَاحبهَا إِذا خرج من منصبه، تَجِد جُمْهُور الْأمة لَا يحفل بِهِ، وَلَا يعده زعيمًا لَهُ، وَرُبمَا أظهر لَهُ الاحتقار والإهانة. . وَقد رَأينَا الْأَجَانِب الغاصبين لبَعض بِلَادنَا فِي هَذِه السنوات النحسات يقودون بعض هَؤُلَاءِ الزعماء الَّذين أفسدوهم على الْأمة أَو رأسوهم عَلَيْهَا إِلَى عواصم بِلَادهمْ، ويتواطئون مَعَهم على توطيد سلطتهم فِيهَا (أَي الْأمة) ويستخدمون بَعضهم فِي الْبِلَاد للاستعانة بهم على استعمارها، وَكَذَلِكَ كَانَ يفعل السلاطين والأمراء، فِي استمالة الْعلمَاء والوجهاء، بالرتب والأوسمة والهبات، ثمَّ هَب التّرْك والمصريون يطْلبُونَ سلطة الْأمة بمجالس النواب، وَهَذِه الْمجَالِس بِمَعْنى جمَاعَة أهل الْحل وَالْعقد فِي الْإِسْلَام، إِلَّا أَن الْإِسْلَام يشْتَرط فيهم من الْعلم وَالْفضل مَالا يَشْتَرِطه الإفرنج ومقلدتهم فِي هَذَا الْعَصْر.
وَقد صَار أهل الجمعية الوطنية فِي أنقرة أَصْحَاب الْحل وَالْعقد بِالْفِعْلِ، وبالرغم من السُّلْطَان الَّذِي ناصبهم فباء بالخزي والعزل، وحلوا مَحل مجْلِس المبعوثين ومجلس الوزراء وشخص السُّلْطَان جَمِيعًا، وَقد ذَكرنِي هَذَا مَا قَالَه لي الْغَازِي أَحْمد مُخْتَار باشا فِي الآستانة لما سَأَلته عَن رَأْيه فِي الْحُكُومَة الدستورية قَالَ: عندنَا مجْلِس وَلَيْسَ عندنَا سُلْطَان، وَلَا بُد من الكفتين فِي وجود الْمِيزَان.
وَأما الْبِلَاد المقهورة بالاحتلال الْأَجْنَبِيّ كمصر والهند، فَلَا مجَال فِيهَا لمثل مَا فعل التّرْك، وَإِنَّمَا يظْهر فِيهَا فَرد بعد فَرد، إِلَّا أَن تبلغ الْأمة سنّ الرشد.
وَلَقَد وصل الْأُسْتَاذ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى مقَام الزعامة فِي هَذِه الْأمة ومرتبة أهل الْحل وَالْعقد فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة والدنيوية من سياسة وَغَيرهَا، بل قَارب أَن يكون زعيم الْأمة الإسلامية كلهَا، وَلَكِن بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، لِأَن الْأمة لم تكن قد تكونت تَكُونَا يؤهلها للسير فِي الخطة الَّتِي يختطها لَهَا، وَلذَلِك كَانَ يَقُول: يَا وَيْح الرجل الَّذِي لَيْسَ لَهُ أمة، وَقد كَانَ أَمِير بِلَاده ينْهَى عَنهُ وينأى عَنهُ، على أَنه كَانَ يرجع فِي الْمُهِمَّات وَحل المشكلات إِلَيْهِ
وَقد بلغ سعد باشا زغلول مقَام الزعامة السياسية فِي هَذِه السنين الَّتِي تكون فِيهَا قومه، فَلَمَّا تصدى للْعَمَل بِقُوَّة الشّعب. . كَانَ جَزَاؤُهُ النَّفْي بعد النَّفْي، وَيُوجد فِي الْهِنْد رجال من الْمُسلمين والهنود رفعتهم أَحْدَاث الزَّمَان إِلَى مقَام الزعامة فِي الْأمة،
[ ٦٧ ]
بِإِظْهَار مَا هم عَلَيْهِ من الْكَفَاءَة وعلو الهمة وهم الْآن فِي غيابات السجون، مِنْهُم (غاندي) عِنْد الهندوس وَأَبُو الْكَلَام وَمُحَمّد عَليّ وشوكت عِنْد الملسمين، ويلي هَؤُلَاءِ جماعاتهم كالوفد الْمصْرِيّ عندنَا وجمعية الْخلَافَة عِنْدهم. .
وَأما الْجَمَاعَات الْقَدِيمَة مثل هَيْئَة كبار الْعلمَاء فِي الْأَزْهَر بِمصْر، وَفِي جَامع الفاتح والسليمانية من الآستانة، وجامع الزيتونة بتونس، ومدرسة ديوبند بِالْهِنْدِ فَإِن جُمْهُور الْأمة يَثِق بِأَن حكم الله مَا قَالُوا، لَكِن أَكثر المتفرنجين - وَمِنْهُم أَكثر الْحُكَّام والقواد والأحزاب السياسية - قَلما يُقِيمُونَ لأحد مِنْهُم وزنا، إِلَّا من كَانَ ذَا منصب أَو ثروة، أصَاب بهَا بعض الوجاهة. . وَلَا يُوجد فِي عُلَمَاء أهل السّنة مُجْتَمعين وَلَا منفردين من يبلغ فِي الزعامة وَاتِّبَاع الشّعب لَهُ مبلغ مجتهدي عُلَمَاء الشِّيعَة، وَلَا سِيمَا متخرجي النجف مِنْهُم، فَأُولَئِك هم الزعماء لأهل مَذْهَبهم حَقًا، وَيُقَال إِنَّهُم أفتوا فِي هَذِه الآونة بِتَحْرِيم انتخاب الجمعية الوطنية، الَّتِي أمرت بهَا حُكُومَة الْملك فيصل لإقرار المعاهدة بَين الْعرَاق والدولة البريطانية، فأطاعها البدو والحضر من الشِّيعَة. . وَقد كَانَ ميرزا حسن الشِّيرَازِيّ رَحمَه الله تَعَالَى أصدر فَتْوَى تَحْرِيم التنباك فخضع لَهَا الشّعب الإيراني كُله، وَتركُوا اسْتِعْمَال التنباك وزرعه، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صادرات بِلَادهمْ كالقطن فِي الْقطر الْمصْرِيّ، وَكَانَ الَّذِي حمله على إصدار هَذِه الْفَتْوَى موقظ الشرق السَّيِّد جمال الدّين الأفغاني قدس الله روحه بِسَبَب إِعْطَاء حُكُومَة إيران امتيازا بالتنباك لشركة إنكليزية، فاضطرت الْحُكُومَة لفسخ الامتياز فِي مُقَابل تعويض للشَّرِكَة قدره خَمْسمِائَة ألف جنيه إنجليزي، وَلَو لم تفسخ هَذِه الشّركَة لفَعَلت فِي إيران مَا فعلت شركَة الْجُلُود الإنكليزية فِي الْهِنْد، أَي لملكت أمتها تِلْكَ الْبِلَاد وضمتها إِلَى إمبراطورية الْهِنْد. .
قلت إِن الحكومات المسبتدة تجتهد فِي إِفْسَاد من يظْهر من الزعماء فِي الشعوب الَّتِي تتولى أمرهَا، على أَنَّهَا تعنى قبل ذَلِك بالأسباب الَّتِي تمنع وجود الزعامة فِيهَا بإفساد التَّعْلِيم ومراقبته، وَقد أبعدوا عُلَمَاء الدّين عَن السياسة وَعَن الْحُكُومَة، فَصَارَ أَكثر أَهلهَا وأنصارها من الْجَاهِلين بالشريعة، وَتَوَلَّى هَؤُلَاءِ أَمر التَّعْلِيم وإعداد عُمَّال الْحُكُومَة بِهِ، وانكمش الْعلمَاء إِلَى زَوَايَا مَسَاجِدهمْ، أَو جحور بُيُوتهم، وَلم يطالبوا بحقوقهم، وَلَا اسْتَعدوا لذَلِك بِمَا تَقْتَضِيه حَال الزَّمَان، وطبيعة الْعمرَان، وَلَا عرفُوا كَيفَ يحفظون مكانتهم من زعامة الْأمة بتعريفها بحقوقها، وقيادتها
[ ٦٨ ]
للمطالبة بهَا، فأضاعوا حَقهم من الْحل وَالْعقد فِيهَا، وتركوها لرؤساء الْحُكَّام وللأحزاب والجمعيات السياسية الَّتِي يتَوَلَّى أمرهَا فِي الْغَالِب من لَا حَظّ لَهُم من عُلُوم الدّين، وَلَا من تَرْبِيَته الَّتِي لَا نظام لما بَقِي مِنْهَا عِنْد بعض الْمُسلمين. .
فَإِذا أُرِيد السَّعْي - وَالْحَال هَذِه - لما وَجب فِي الشَّرْع من إِمَامَة الْحق وَالْعدْل الْعَامَّة، فَلَا بُد قبل ذَلِك من السَّعْي لوُجُود جمَاعَة أهل الْحل وَالْعقد المتحلين بِالصِّفَاتِ الَّتِي اشْترطت فيهم، كَمَا تقدم فِي الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة. فَإِنَّهُم هم أَصْحَاب الْحق فِي نصب الإِمَام بنيابتهم عَن الْأمة، وبتأييده فِي حمل الْأمة على طَاعَته، وَالْمَطْلُوب قبل نصب الإِمَام الْعَام للْأمة كلهَا، أَو للبلاد المستقلة مِنْهَا، أَن تتحد شعوب هَذِه الْبِلَاد، وَترجع عَن جعل اخْتِلَاف الْمذَاهب والأجناس واللغات مَوَانِع للوحدة والاتفاق
وَإِنَّا نتساءل هُنَا: هَل يُوجد فِي الْبِلَاد الإسلامية من أهل الْحل والقعد من يقدر على النهوض بِهَذَا الْأَمر؟ وَإِذا لم يكن فِيهَا من لَهُم هَذَا النّفُوذ بِالْفِعْلِ، أَفلا يُوجد من لَهُ ذَلِك بِالْقُوَّةِ؟ ثمَّ أَلا يُمكن للْمُسلمين وضع نظام لجعل النّفُوذ بِالْقُوَّةِ نفوذًا بِالْفِعْلِ؟ بلَى إِنَّه مُمكن عسر، وَقُوَّة الْعَزِيمَة تجْعَل الْعسر يسرا، وَقُوَّة الْعَزِيمَة تتبع قُوَّة الداعية، وَمن ذَا الَّذِي يُرْجَى أَن يضع النظام ويشرع فِي الْعَمَل؟ أَلا إِنَّه حزب الْإِصْلَاح الإسلامي المعتدل